المسؤولية الاجتماعية والعمل العام

منذ 2014-04-06

المسؤولية الاجتماعية تتضمن عدة جوانب وأبعاد، تعتبر بمثابة خصائص وصفات للشخص المسؤول اجتماعيًا، وتشمل فهم الفرد واهتمامه بقضايا ومشكلات مجتمعه، ومن ثم مشاركته ومساهمته الفعالة في حلها.. وهو بذلك يؤدي واجبه الشخصي والاجتماعي تجاه مجتمعه.

تعرف المسؤولية الاجتماعية في المعجم الوسيط بوجه عام بأنها: حال أو صفة من يسأل عن أمر تقع عليه تبعته (يقال: أنا بريء من مسؤولية هذا العمل). ويقدمها Garson and Rud، على أنها نزوع الفرد إلى التفكير المسبق في النتائج المحتملة لأي خطوة مقترحة، وقبول هذه النتائج عن قصد. وعلى العموم فإن المسؤولية الاجتماعية تتضمن عدة جوانب وأبعاد، تعتبر بمثابة خصائص وصفات للشخص المسؤول اجتماعيًا، وتشمل فهم الفرد واهتمامه بقضايا ومشكلات مجتمعه، ومن ثم مشاركته ومساهمته الفعالة في حلها.. وهو بذلك يؤدي واجبه الشخصي والاجتماعي تجاه مجتمعه.

ولقد أولى الدين الحنيف منذ ظهوره بالغ الاهتمام بمفهوم المسؤولية الاجتماعية، وأعطاها صفة الشمولية، ونقصد بها تقديم كل ما يسهم في بناء المجتمع من مختلف جوانبه المادية والروحية بناءً صحيحًا، ويمنع كل ما يلحق الضرر به، ويظهر ذلك جليًا في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، والتي صاغت أحكام المعاملات على أساس عالي الدقة في التنظيم، والشمولية الرائعة في تطبيق أحكام الشرع، وأزالت كل لبس في التعامل بين الفرد المسلم في مجتمعه والمجتمعات غير الإسلامية، بحيث تكون المسؤولية الاجتماعية والضمير الإيماني هما المحرك والبوصلة التي على أساسها يتحرك الفرد.. مستخدما في ذلك التوجيه والإرشاد والموعظة الدينية؛ للقيام بمصالح الأمة قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2].

وسنورد دراسة المسؤولية الاجتماعية من منظورها الإسلامي؛ لأنها لم تعالج في أي دين سماوي كما عولجت في الدين الإسلامي الحنيف، الذي وضع الضوابط الناظمة للمسؤولية بعمومها، ونورد مثلا واحدًا وهو الحديث الشريف الذي ورد في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته» (رواه الشيخان).

يتضح مما سبق جليًا معنى الشمولية، والتفصيل الدقيق للمسؤولية الاجتماعية، بحيث تغطي كل مفاصل الحياة. ومعلومٌ بداهة أن الإسلام دين الفطرة، لذلك كانت تعاليمه تشمل المسلمين وغيرهم، بل أكثر من ذلك فقد جعل عبادات المعاملات فوق العبادات التعبدية من فروض وطاعات. قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقولونَ ما لا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقولوا ما لا تفعلون} [الصف:2-3]. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد حتى يُسألَ عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه» (رواه الترمذي).

كل ذلك يصب في رافد تعزيز المسؤولية الاجتماعية، وإعطائها صفة الديمومة لصالح النفع العام. ومن باب المسؤولية الاجتماعية نجده ينظر للعمل العام على أنه بمكان الحادي للركب؛ إذ إنه يصب في مصلحة المجتمع، ويحافظ عليه ويراقبه، ويزيد من موارد الخير فيه، ويسد موارد الفساد في المجتمع.

والعمل العام ذو مفهوم واسع، يبدأ بالفرد والأسرة، وينتهي بجميع بني البشر، بصفتهم المكلفين بإعمار الأرض، وعليه تحدد مسؤولية كل فرد.. أما في الوقت الراهن فحضور المنظمات والهيئات الأممية -سواء التي تندرج تحت مظلات حكومية أو أهلية- حضور واسع وفعال، مما يجعلها تمثل الصورة المشرقة للعمل العام.. خاصة تلك الهيئات والمنظمات العاملة في الحروب والكوارث، وفي المجالات الإغاثية، أو العاملة في مجال البيئة والمحافظة عليها، والتنوع الحيوي على الأرض. كل ذلك يندرج تحت باب العمل العام الذي أمرنا الله سبحانه به، قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة:105]. وكل ذلك -لا ريب- يعزز من تماسك المجتمع، ويقوي دعائمه، ويخدم الحضارة الإنسانية في مدارج نهوضها نحو غد أفضل.

 

حسين أحمد المحمد

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي- العدد 584