نكوص الهداة

منذ 2014-04-09

حين نُطرق السمع لروايات المربين والدعاة والمصلحين نجد أن هناك عددًا من القصص المزعجة جراء النكوص والانتكاسة...

منذ أن بزغ فجر الهدى، واستقر الدين في قلوب الموحدين، ولامس الإيمان شغاف القلوب، واطمأن في سويدائها، لم تزل هناك فرادى من الحيارى والتائهين الذين بدَّلوا وغيَّروا وضلوا بعد أن هداهم الله جل وعلا، وقد تنامى هذا المعدل في زماننا هذا، حتى لقد سارت به ركبان المجالس العلمية وغير العلمية (ولا حتى المهتمة بشؤون الدعوة)، وحين نُطرق السمع لروايات المربين والدعاة والمصلحين نجد أن هناك عددًا من القصص المزعجة جراء النكوص والانتكاسة -نسأل الله الثبات-، وإن هذا الموضوع لم يُغفله ذوو الاختصاص حيث يُطرح بين الفينة والأخرى بالطرق والمفاهيم والأفكار مختلفة، ولكن لعلي في هذه العجالة أن أحاول إلقاء الضوء على الأسباب خلف هذا السلوك من وجهات عصرية متعلقة بجوانب لعلها تناسب زماننا هذا، ويكمن فيها -بإذن الله- العظة والحذر، وأعلم يقينًا أن الحاجة لكاتب الموضوع أولى من قارئه، ولو كنتُ مخيرًا لقدمت سكوتي وصمتي، فالقضية جد حساسة لا يأمن فيها الفرد على ذاته، ولكن حسبي تبليغ دين الله، ورُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربما ساهمنا في تثبيت أحدهم فيُشفِّعُه الله فينا يوم العرض والحساب.

 

أشكال الانتكاسة:
 

لا شك أن واقع الانتكاسة واقع مخيف -نعوذ بالله من الخذلان-، وأشكالها كثيرة، هذا إذا علمنا أن معظم المسلمين قد قرروا في أنفسهم هذا الطريق لأسباب عدة كموعظة سريعة، أو مناصحة صادقة، أو فقد قريب أو عزيز، وسرعان ما يعود إلى طريقه السابق لظروف متعددة، وربما يكون عدم احتضانه في بيئة جيدة، أو هو لم يستظل بظلال صحبة معينة ساهمت في كثير من ذلك، ولا غرو أن من الظواهر المقيتة في هذا الشأن حين ترى جماعة من الإعلاميين والكتاب والصحفيين كانوا مهتدين بل وحتى دعاة، وسرعان ما تغيرت الوجهة!
كل ذي لب يؤمن أن ذلك نذير خطر، غير أني سأحدد أشكال الانتكاسة في النفر الذين تمتعوا بطريق الهداية فترة من الزمن فعاشوها، وواكبوا أقران لهم هناك في البيئات الصالحة المصلحة، ثم بدلوا الحسنة سيئة. وأبدأ مستعينًا بالله:

أشكال الانتكاسة على نوعين:

الانتكاسة الفكرية:
وهو يصيب فئة من الناس حيث تبدأ معتقداتهم بالاهتزاز أمام صراعات الأفكار التحررية، وهذا له صور عدة فهناك من ارتد عن دين الله، ومنهم من سلك العلمنة وتحييد الدين بعيدًا عن النشاط البشري والحياتي، ومنهم من ركب التنوير وسار يهذي به بعيدًا عن الحقائق، والفطرة الصحيحة، وبات مفتيًا متفرسًا في وقائع الأمة التي لو كانت في عهد عمر لجمع لها أهل بدر. وربما يورده للانحراف الكلي عن الدين القويم كما حدث في البعض، وهذا الشكل من الانتكاسة أشد ضررًا من التالي حيث يكون هذا قاضيًا على الخير والهدى في قلب الفرد، زاجًا به في متاهات ليس لها نهاية.

الانتكاسة السلوكية:
وهذا ما يكون عادة ناشئ من هبوط الإيمان، أو خلل في التربية الذاتية والإيمانية، وربما كان له أسباب خارجية، وقد تظهر صوره في الفتور الدعوي، أو كون الملتزم يصبح لا هم له ولا نشاط؛ فينكفئ على نفسه وخاصته، وربما ذهبت آثار السمت والاستقامة ليساير عامة الناس ودهمائهم بعيدًا عن المسؤوليات والتبعات. وهذا النوع قد يعود صاحبه، حيث أنه لا يُصيب بالعادة إلا تغيرات سطحية في المفاهيم، وخلل في السلوك فبتوفيق الله ثم بالمناصحة، والعزم قد يعود صاحبه لأنه غالبًا ليس مقتنعًا تمامًا بما هو عليه.

 

الدوافع والأسباب:

أولًا: الأسباب شخصية:

- إهمال المنابع الإيمانية، وضعف الارتباط بها كالمساجد، وحلق الذكر، ومجالس الإيمان، وعادة ما يكون للمتنسك بداية الطريق صلة بهذه المنابع، وهكذا حتى يُصيب البعض شيئًا من التواني والتراخي في ذلك، فيقل عنده منسوب الإيمان، وتضمر لديه المعاني والمشاعر الإيمانية الوهاجة، ويكون على ارتباط هش بالمداومة على الصلوات في المساجد، والعمرة إلى العمرة والحج إلى الحج، وتقليب صفحات المصحف، وتكمن المصيبة حين يعتقد بأنه قد توصل لمرحلة قد لا يحتاج فيها إلى مجالس الرقائق والإيمان التي يزعم أنها للمبتدئين، ومن ثم ينكفئ على ذاته ونفسه، وهنا يبدأ في مناقشة ذاته، ومحاورتها بعيدًا عن المنهجية وأهل العلم، حتى يبدأ بالتنازلات، والتقاعس، والأخذ بالمفضول ليسقط، ويستسلم لقيد من قيود الأرض.

- الانبهار بالجديد، والتهافت على الحضارة الدخيلة، والانفتاح على المدرسة العلمانية والعقلانية، وهذا يساهم في الجرأة على النصوص المقدسة، والتمرد على أهلية الأحكام الشرعية بالنقد والتأويل واتهام المسلمات والثوابت الإسلامية بمصادمة العصرنة، وعدم مجاراتها لظروف الواقع، ومن ثم اتهام الدين بالجمود والرجعية، وهذه فتنة عظيمة سقط من خلالها عدد مخيف لاسيما ممن اتسم بالعقل في حينه والخيرية، ومفاد هذا الدافع باطل حيث الفهم الحقيقي للدين الإسلامي يجعل هناك تصور صائب تجاه المعتقدات والضوابط الشرعية خصوصًا أنها أتت لتحرر البشرية من ربقة الأسياد، والقبيلة، والأهواء والطواغيت. وساعد في ذلك وجود البعض خلف أسوار التقوقع على النفس ثم الانفتاح العولمي السريع عبر قنوات الإعلام الجديد، وربما هذا الأخير أذكى شيئًا من القنابل الموقوتة في البعض تجاه مسلمات دينهم.

- الاندفاع والاستعجال والحماسة المفرطة، مع فقدان الروية والتأني. وقد قال الله تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّـهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء:77].

يقول سيد قطب عن هذه الآية: "إن أشد الناس حماسة واندفاعًا وتهورًا قد يكونون هم أشد الناس جزعًا وانهيارًا وهزيمة عندما يجد الجد وتقع الواقعة... بل إن هذه قد تكون القاعدة! ذلك أن الاندفاع والتهور والحماسة الفائقة غالبًا ما تكون منبعثة عن عدم التقدير لحقيقة التكاليف، لا عن شجاعة واحتمال وإصرار، كما أنها قد تكون منبعثة عن قلة الاحتمال؛ قلة احتمال الضيق والأذى والهزيمة؛ فتدفعهم قلة الاحتمال إلى طلب الحركة والدفع والانتصار بأي شكل، دون تقدير لتكاليف الحركة والدفع والانتصار... حتى إذا ووجهوا بهذه التكاليف كانت أثقل مما قدروا، وأشق مما تصوروا، فكانوا أول الصف جزعًا ونكولًا وانهيارًا....".

- البعد عن البيئة المعينة، واستبدالها ببيئة هابطة الغايات، والأولويات، وهذا أثره في التطبع على سلوكيات البيئة الثانية، ولقد قال الحق جل وعلا في حقه نبيه عليه الصلاة والسلام: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28]، والمتدبر في هذه الآية يجد وصف هؤلاء الدعاة تكمن في الفاعلية، والاستمرارية والإخلاص، وهذا يجسد لنا صفات البيئة المناسبة لاحتضان المصلحين والهداة.

- قلة العلم، والجهل بأحوال الفتور والشره. وأعني بالعلم هو العلم الشرعي والتربوي الذي يساير الفرد حتى موته، وأخذه من العلماء الراسخين، وطلبة العلم الموثقين، ولا يكن الهوى والانكماش على الذات هو المسير الوحيد للسلوك، وإنا نجد في تعاطي الصحابة والسلف الصالح لهذه القضية نموذجًا حيًا يمثل مشهد العلم والتعلم وبذل الوقت والجهد فيه، فهذا جابر بن عبد الله رضي الله عنه بلغه عن رجل من أصحاب رسول الله حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشام وهو عبد الله بن أنيس رضي الله عنه فابتاع بعيرًا وشد عليه رحله وانطلق يسمع حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وذاك شعبة رحمه الله يرحل شهرًا كاملًا في طلب حديث سمعه من طريق لم يمر عليه (للاستزادة أنظر (الرحلة في طلب الحديث) للخطيب البغدادي).

وفي عصرنا الحاضر قوى علمية جمعت بين العلم وصلاح القلوب وتزكيتها منهم من رحل ومنهم من بقي، ونجدهم والله أعلم بحالهم، أبعد الناس من الوقوع في الشبه وإضلال الخلق، وأقربهم للهدى والإصلاح.
وهنا يأتي دور العلم بأحوال النفس ومدى إقبالها وإدبارها، وكيف يسايس المؤمن نفسه حين يعلم منها حالًا تعايشها، فعن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شره، وَلِكُلِّ شره فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ إِلَي غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ» (صحيح، انظر حديث رقم [2152] في صحيح الجامع)، وهذا النص يوضح لنا المنهج الواضح في حال الشره والفتور.

- الإمعية والإتكالية، وإهمال البذل والعطاء والتضحية لدين الله عز وجل، وهذا داء عضال وكل يسير في اتجاه مغاير لكنها تتقاطع في البعد عن تحمل المسؤولية، وعدم الالتزام بالأمر، والمهمة الملقاة على عاتق الأخيار، وبالتالي حين يرى الواحد منا في غيره وحتى ذاته بداية الانسلاخ من المسؤوليات والمهام التي على عاتقه (الدعوية وما في معناها)، فليراجع ذاته، وليحاسب نفسه، وعادة أنها بداية للتخلي عن الوظيفة العظيمة، وهي الدعوة إلى الله، والتي هي بمثابة المثبت الأول على دين الله، وتزكية للعلم والخير الذي يحمله المصلح.

الإمعية: هو أن يكون هذا الفرد طيلة عمره تبعًا لجماعته التي يعيش معها دون أن يكون له أثر حتى في نقد الأفكار، والمساهمة في الجزئيات، ولا حتى الإيجابية في بعض المظاهر البسيطة. والإتكالية: هو البقاء تحت أستار جهود الآخرين والهروب عن تحمل المسؤوليات والتبعات، وأرجع لأقول إن من الهوان أن يبقى المؤمن خلف هذه الأستار المشوهة، وأنها طريق لإزهاق روح الهداية، ولا نطالب أن يكون الفرد خطيبًا مفوهًا، أو ملقيًا بارعًا، أو باحثًا مطالعًا، ولكن كل بحسبه.

- الاعتداد بالذات (الكبر)، وهو من أخطر أمراض القلوب وأشدها فتكًا، وخطره وعواقبه ضارة، وكل مساراتها تقف ضد معاني الشريعة (التواضع، لين الجانب، وقبول الحق من الإخوان ولو كان أحدهم وضيع في القوم)، قال الحق جل وعلا: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف:146].
و قال أحدهم:

تواضعْ تكن كالنجمِ لاحَ لناظر *** على صفحاتِ الماءِ وهو رفيعُ
ولا تك كالدخان يعلو بنفسه *** إلى طبقات الجو وهو وضيعُ

والتاريخ والحاضر مليئة جعبته بمن خلف هذا السلاح الفتاك من قتلى في حديقته الدامية فمن إبليس بداية المسيرة لهذا الداء، ولازال، وأقول إن معظم ما يختال الأغلبية في ضعف تدينهم، وسوء علاقاتهم هو نسبة عظيمة من هذا الداء الكامن في القلوب، -والعياذ بالله- والذي يأتي في قوالب عديدة تُسقط على سلوكيات مبررة بحفظ الهيبة، والوقار، وهي من تلبيس إبليس.

- الغلو والتنطع والتشدد والتشديد، ولا غرو بعدم الملامة على شخص أقر بذلك على ذاته في الأحكام كابن عمر رضي الله عنه، وبعض الزهاد والعلماء من السلف الصالح، ولكن أن يظهر ذلك حتى على إحكامه -ما يعتقده ويتورع به- على غيره، وإن السائل يسأل كيف لهذا أن يكون سببًا للضعف والانتكاس؟ إنا نذكره بما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» . وأقول إن المصيبة من يعتقد الفظاظة في الأسلوب، وإهمال اللباقة واللياقة في الحديث من الدين، وإن من تمنهج على هذه الطريقة ثم يجد نفسه في خانة الآحاد لا شك أنه سينتقد ما كان عليه، وبشكل آخر يرمي معتقده، وبيئته الدينية بالاتهامات الباطلة، والدين منه براء، وكم عرفنا من كانت له بدايات في سبيل الخير والإصلاح، وكان متزمتًا متنطعًا في الحكم على الناس ومجابهتهم، حتى بلغ السيل الزبى فتقهقر-والعياذ بالله- حتى وجد نفسه بعيدًا عن القلوب والأجساد معًا... فأصبح في قيد من قيود الأرض ليرجع مع من هوى وسقط.

- الانغماس في الدنيا وتبعاتها، والانهماك في المباحات، واللهو والسفاسف، والغرق في المرابحة والتجارة، وقلة التورع في المعاملات المالية لاسيما التي في دائرة الشبهة، والغرق الشديد في الرفاهية وعادة ذلك في المسكن والمركب والملبس والمأكل، وكل هذا مندرج تحت (إظهار النعمة المكتسبة) أو (عدم ترك الأبناء عالة يتكففون الناس)!. ولقد قال تعالى في ذم اليهود: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّـهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [البقرة:96].و عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حب المال، وطول العمر» (رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري). وقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أمته كما روى البخاري ومسلم، قال: «فو الله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم».

"ودرجات الورع أربع:
الدرجة الأولى: درجة العدول عن كل ما تقتضي الفتوى تحريمه.
الدرجة الثانية: الورع عن كل شبهة لا يجب اجتنابها، ولكن يُستحب، ومن هذا قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما يريبك».
الدرجة الثالثة: الورع عن بعض الحلال مخافة الوقوع في الحرام.
الدرجة الرابعة: الورع عن كل ما ليس لله تعالى، وهو ورع الصديقين.
والتحقيق فيه أن الورع له أول وغاية، وبينهما درجات في الاحتياط، فكلما كان الإنسان أشد تشديدًا، كان أسرع جوازًا على الصراط، وأخف ظهرًا، وتتفاوت المنازل في الآخرة بحسب تفاوت هذه الدرجات في الورع، كما تتفاوت دركات النار في حق الظلمة بحسب درجات الحرام، فإن شئت فزد في الاحتياط، وإن شئت فترخص، فلنفسك تحتاط وعليها تترخص". (بتصرف، (مختصر منهاج القاصدين) ص[100-101].

- التعلق بالذوات والأماكن، وهذا جعل بعض المتعلقين بالرموز حين يبعد هو، أو يذهب ذلك، فإنه يقدم دينه فداءً، ولا نعلم لمن كانت الشعارات الرنانة في دين الله بادئ الأمر، والمحافظة على الواجبات، والبعد عن المنكرات، ولمن كان البذل والعطاء؟ حقًا إنها فتنة وقع فيها البعض، ومقالنا هنا هو ما قاله الصديق أبي بكر رضي الله عنه حين اُفتتن بعض الصحابة بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها -زوج النبي صلى الله عليه وسلم-: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ، -قَالَ إِسْمَاعِيلُ: يَعْنِي بِالعَالِيَةِ- فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: وَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ، وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ، فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَهُ، قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُذِيقُكَ اللَّهُ المَوْتَتَيْنِ أَبَدًا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: أَيُّهَا الحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ، فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، وَقَالَ:{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} [الزمر:30]، وَقَالَ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّـهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّـهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران:144]، قَالَ: فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ...". حقًا علينا أن نتتلمذ من هذا الموقف الرباني للتعلق بالله، بل والتوسيع على النفس في الضائقات وفقد العلماء والإخوان بذلك لا العكس.

- إتباع الهوى، والاستسلام للشهوات، وعادة ما يكون الهوى المتبع ضلال وغي ومخالفته عين الصواب والحق، قال الله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف:175-176].ومن صور ذلك:
شهوة الفرج، ولاسيما النساء عند الرجال وكذا المردان، روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»، وهذا عادة ما يصيب المرء عن طريق بصره، وربما غوي عن طريق شيء آخر؛ لأن مفاتيحه كثيرة، ومقدماته لا تُحصى قال تعالى:{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء:32]، فالمعاين لقوله {وَلَا تَقْرَبُوا} يجد البلاغة الوصفية في التحذير، حيث يشمل كل المقدمات والطرق المؤدية لهذه الفاحشة، غير أن أعظمها وأشدها إطلاق البصر الذي ينشأ عنه إطلاق الفكر، قال الحق سبحانه: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور:30]، ونحن لا نفرض قيدًا على أبصارنا، ولكن يُجاهد المرء ذاته وليتلذذ بهذه العبادة العظيمة، وقد تواصى السلف الصالح بهذا الأمر، وكانوا على حرص شديد من فتنة النساء والمردان، قال الحسن بن ذكوان: "لا تجالسوا أبناء الأغنياء فإن لهم صورًا كصور العذارى، فهم أشد فتنة من النساء". وقال بعض التابعين: "ما أنا أخوف على الشاب الناسك من سبع ضار من الغلام الأمرد يقعد إليه". (أنظر (الكبائر) ص[42] للذهبي، دار الثريا).

أقول كم ذهب جراء شهوته صالحين كثر قدموا دنياهم على دينهم، وكانت بدايتها من رمقة بصر أشعلت فتيلة الهوى، وصادفت قلبًا خاويًا فتملكته -والعياذ بالله-، وهذا يحصل كثيرًا، ويزول والحمد لله بالتوبة والأوبة والرجوع، لا كما يصيب البعض من اليأس والقنوط.

- حب التصدر، والشهرة والافتتان بالظهور الإعلامي. وهذه فتنة عظيمة ومصيبة جلية، وتأتي على مداخل وطرق شتى قلَّ من يسلم منها إلا من رحمه الله، عن ابن كعب بن مالك الأنصاري عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَ فِلِدِينِهِ». وإن الحصيف هو الذي ما يلبث أن يجاهد نفسه في مدافعة ذلك، وفي وقتنا هذا زاد الطين بلة أنه مع تعدد وسائل الإعلام، وزيادة فرص المناصب والوجاهات توجب على الأخيار عدم التراخي والتراجع لسد هذه الثغرات وملأها للمجتمع خيرًا ونفعًا، ولكن الرزية أنها أصبحت فتنة عند البعض فحين وصل لذلك الكرسي، أو استلم ذاك المذياع، وربما شوهد عبر الأقمار الصناعية مقدمًا أو مشاركًا وربما ضيفًا.... أصبحت غاية له بدلًا من كونها وسيلة لنقل الخير، وقد يبذل القيم والنفيس لديه من أجل أن يقبل الناس صورته، وكلامه، وملبسه، وحتى ربما غير أفكاره وطريقة كلامه استجابة لمطامع البعض، وحتى يصل لما يريدون فيصل هو لما يُريد.
وقد كان السلف الصالح على بلوغ صيتهم ونفعهم ينفرون من الشهرة والتصدر. قال بشر بن الحارث: "ما اتقى الله من أحب الشهرة" ((سير أعلام النبلاء) [11/ 216])، وقال الإمام أحمد: "أريد أن أكون في شعب بمكة؛ حتى لا أُعرف، وقد بليت بالشهرة"، ولما بلغ الإمام أحمد أن الناس يدعون له قال: "ليته لا يكون استدراجًا" (المرجع السابق [11/ 210-211]).
وقال سيد عفاني -رفع الله منزلته-: "ولما كان المطلوب بالشهرة وانتشار الصيت هو الجاه والمنزلة في القلوب، وحب الجاه هو منشأ كل فساد، لذا كان الهرب والخوف من الشهرة من دلائل الإخلاص" (تعطير الأنفاس في الحديث عن الإخلاص).

- حب المال والاتجار به. وقد قال تعالى عن {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن من الآية:15]، وقال سبحانه: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ۚ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّـهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [الفتح:11]، بل الطريف أن البعض يسير في هذا الطريق مدعيًا أنه سيكون رمزًا في الإنفاق لدين الله، وهو يذكرنا بقول الله عز وجل: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّـهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ . فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ} [التوبة:75-76]. حقًا إنه واقع مشاهد، وحاضر ملموس، بل العجيب أن البعض أخذ في ذلك مأخذًا بعيدًا حيث أسرف على نفسه في الملبس والمركب والمسكن، مدعيًا بذلك أنه يريد بها نصرة لدين الله حتى يُرى فتتحسن صورة الأخيار في أعين الناس جاعلًا من أبي بكر وعثمان وابن عوف رضي الله عنهم نموذجًا في ذلك، ونحن نذكره بأفعالهم، ومواقفهم وأعطياتهم، فأحدهم قدم ما يملك كله لله، وآخر يجهز جيش العسرة، وكل ذلك قليل من أفعالهم، وأذكر نفسي وأحبتي بحديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض».

-الوقوع في حبائل الشبهات العقدية، وإتباع الفتاوى الدخيلة، والخوض في بعض القواعد الفقهية بقياس قبيح، وهذا مفاده هوىً في النفس، وكلمات حق أحيانًا يُراد بها باطل، وعادة كما قال العلماء من تتبع الرخص تزندق.

- الانهزامية النفسية واحتقار الذات والتهرب من التكاليف والمسؤوليات، وهذا يصيب العاملين والمجتهدين في ميدان الخير. فإذا شاهد جراحات الأمة في جسدها، وكيف تمر الدعوة وأهلها في هذه المرحلة، فيُصاب بداء اليأس والانهزام، ولم يكن هذا دأب المصلحين، ولا من سار على ذلك. قال عز من قائل: {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف110]. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يحقر أحدكم نفسه قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أمر الله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشيت الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى» (رواه ابن ماجه).

- الفوضوية والتشتت في إدارة الذات والوقت والتخطيط الجاد للمستقبل. وقد بين الله تعالى في كثير من آي القرآن الكريم بعضًا من مصير من كان هذا حاله في الدنيا فقال سبحانه: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون:99-100]. ويحذر الله من التسويف والتأجيل في الصالحات ويؤكد المولى تبارك وتعالى على المبادرة والإسراع فيها، فقال الله:{ وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ . وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّـهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّـهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون:10-11].
ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موته» (أخرجه الحاكم).
وهناك الكثير من النصوص والدواعم في شأن الترغيب في شأن الإدارة الصحيحة للذات، ومحاولة برمجتها على المبادرة والجادة في الأعمال، وكذلك الترهيب من التقاعس، والفوضى وإهمال معالي الأمور.
وإن من ما يجره هذا الداء الضعف الذاتي والذي يولد الضعف الإنتاجي، ومن ثم ينتج الضعف في الإنتاج، والعمل الجماعي، والخلل في الصف، إذا لا يستطيع تحمل التكاليف والبذل سائر اليوم من كانت الهزلية مطيته، والفوضى سمته.

- الجزع وضعف اليقين، وقلة الصبر في مواجهة البلاء، والخور أمام الرزايا والمحن العامة والخاصة، وهذا قد يكون من باب التمحيص، وتصفية الصف، ولإبراز الوزن الحقيقي للجماعة الإسلامية. قال الحق جل وعلا: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وَلِيُمَحِّصَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران:140-141].
يقول سيد قطب عند هذه الآية: "إن الشدة بعد الرخاء، والرخاء بعد الشدة، هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس، وطبائع القلوب، ودرجة الغبش فيها والصفاء، ودرجة الهلع فيها والصبر، ودرجة الثقة بالله أو القنوط، ودرجة الاستسلام فيها لقدر الله أو التبرم به والجموح! عندئذ يتميز الصف ويتكشف عن: مؤمنين ومنافقين، ويظهر هؤلاء وهؤلاء على حقيقتهم، وتتكشف في دنيا الناس دخائل نفوسهم، ويزول عن الصف ذلك الدخل وتلك الخلخلة التي تنشأ من قلة التناسق بين أعضائه وأفراده وهم مختلطون مبهمون!".

- ذريعة المتابعات الأمنية، والمضايقات عليه، وهذا يصيب كثيرًا بل لقد مسَّ حتى من ليس بقريب من الدعوة والإصلاح، وهذا عادة في الجملة ما يكون وهمًا، وربما أحيانًا تذرعًا، أو حتى تبريرًا لتقاعسه، وأقول لمن يدعي ذلك مهما كان الإنسان وهو يمر بهذه الوقائع -إن صحت- أنها لم ولن تكن وسيلة للتخاذل والاستسلام والخور، وإن كان هناك ثمة أخطاء كنت عليها كالتكفير، والتحريض على الأعمال التخريبية فما في وسعك سوى الرجوع والاستغفار، واستمرارك على طريق الحق، وإن كنت تعاني حقًا فبوسعك الكثير من الأساليب لوقف ذلك، وتغيير الصورة السلبية تجاهك، دون أن يمس دينك شيء، قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّـهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّـهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّـهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ۚ أَوَلَيْسَ اللَّـهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت10].
قال أحدهم:

لقد خفت حتى لو تمر حمامة *** لقلت عدو أو طليعة معشر
فإن قيل خير قلت هذه خديعة *** وإن قيل شر قلت حق فشمر

وقد يُستثنى من اُبتلوا في بعض البلدان بالمضايقات والأسر، والتسلط عليهم وذرياتهم وأموالهم فقد عفا الله عنهم في النطق بالكفر فكيف بغيره، قال سبحانه: {مَن كَفَرَ بِاللَّـهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّـهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106].

- التقاعس عن التربية الذاتية، أو الجماعية فربما اهتم بأحدها على حساب الآخر، وكل منها يرمم ويكمل جوانب لا يستطيعها الآخر، فالإخلاص والمناجاة، والبكاء من خشية الله، ومجاهدة النفس، والخلوة مع الله والدعاء تتم مع النفس، والتعاون والإخاء، والأخوة الصالحة والإيثار تتم مع الجماعة، وبالتالي فكل له أهميته، ولكن المعضلة الجفاء مع أحدها بحيث تضمر المنابع الذاتية، أو الجماعية، والمطالع في هدي المصطفى عليه الصلاة والسلام يقرأ ذلك في سنحات سيرته، وسلفه الصالح، فهناك أوقات مع العامة، وهناك أوقات خاصة، وبفضل الله فقد أسهمت الأعمال الخيرية المؤسسية والمحاضن التربوية في عصرنا في تعويض الجانب الجماعي، ويبقى العناية بالجانب الذاتي، والحفز الداخلية للرقابة الربانية قال الله جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِير} [الملك:12].

- الوقوع في الذنوب والمعاصي والأخطاء المتتابعة، والأخذ على النفس في ذلك بأنها منحرفة باغية لا نفع معها ولا وسيلة لاستنقاذها من وحل المعاصي والموبقات، وهذا حقًا شؤم المعصية لكن على المؤمن أحيانًا أن يتعامل مع الله بالرجاء، فربما قتله الخوف أحيانًا، فما زال في الجسد روح إذًا لا يزال للإنسان توبة وأوبة، قال الله جل وعلا: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر49].

وفي الحديث القدسي روى البخاري عن أبي هريرة، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أَذْنَبَ رَجُلٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي، قَالَ رَبُّكُمْ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، قَالَ: ثُمَّ لَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، قَالَ رَبُّكُمْ: عَلِمَ عَبْدي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، قَالَ: ثُمَّ لَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ فَأَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي، قَالَ رَبُّكُمْ: عَلِمَ عَبْدي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ».

أما آثار الذنوب والمعاصي فيلخصه ابن القيم رحمه الله في: "أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة، أو تعوقه وتقطعه عن السير، فلا تدعه يخطو إلى الله خطوة، هذا إن لم ترده عن وجهته إلى ورائه، فالذنب يحجب الواصل، ويقطع السائر، وينكس الطالب، والقلب إنما يسير إلى الله بقوته، فإذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة التي تسيره، فإذا زالت بالكلية انقطع عن الله انقطاعًا يصعب تداركه، والله المستعان" ((الجواب الكافي) ص[140]).

- أعمال القلوب، وإهمال العناية بها، ودرء أمراض القلوب وإهمال التنبؤ لها، وهذا هو سر عميق علمه من علمه، وجهله من جهله، إذ هناك دقائق وخفايا حري بنا تعلمها والعمل بها أو دونها، قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: "فوا حسرة لمعاقب لا يدري أن أعظم العقوبة عدم الإحساس بها، فالله الله في تجويد التوبة عساها تكف كف الجزاء، والحذر الحذر من الذنوب خصوصًا ذنوب الخلوات، فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه، وأصلح ما بينك وبينه في السر وقد أصلح لك أحوال العلانية" ((صيد الخاطر) جزء[1] صفحة [63])، وقد قال أحدهم: "أجمع العارفون على أن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات، وعبادات الخفاء هي أعظم أسباب الثبات"، فالعناية بالخشية والرجاء والمحبة وكل أعمال القلوب مطلب، والبعد عن الكبر والحب التصدر وطلب الرياسة، والعشق والشهوات المضلة، وسائر أمراض القلوب مهم، بل ومن ضرورات الثبات، وزيادة الإيمان، ومعرفة الواحد الديان. يقول العز بن عبد السلام رحمه الله: "صلاح الأجساد موقوف على صلاح القلوب، وفساد الأجساد موقوف على فساد القلوب، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (رواه البخاري ومسلم)، أي إذا صلحت بالمعارف ومحاسن الأحوال والأعمال صلح الجسد كله بالطاعة والإذعان، وإذا فسدت بالجهالات ومساوئ الأحوال والأعمال فسد الجسد كله بالفسوق والعصيان". ((قواعد الأحكام) [1/ 167]).

- قلة تذكر الآخرة، وعرصات القيامة والاستعداد للموت، ولو تمعن كل منا في موقف من مواقف الآخرة من حين تبدأ بالموت وسكراته، وحتى الاستقرار الأخير في الدارين لأعد للسؤال جوابًا، ولأمعن النظر، وأوجد الحل، وبحث الطريق، وأيقن بقرب الرحيل.
ولقد أحسن من قال:

واذكر الموت تجد راحة في *** ادكار الموتِ تقصير اللأملْ

روى أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: «اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه» (رواه أحمد والترمذي والحاكم بسند صحيح).
إن في زيارة المؤمن للمقابر، وإتيانه إليها، وتدبر آيات الآخرة، والنظر في أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في البعث والنشور، والصراط والحساب، تزيد من إيمانه، وتوثق جنانه بالخالق، وتستجيب أركانه لداعي الحق، وباعث الإيمان.

- ضمور الإخلاص. ختمت به وهو أعظم ما يُمكن أن يُلتزم به، وأسمى ما أمر به الله العبد، قال الله سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة:5]. وحسبي أني لست بأهل للحديث عن هذا المعنى الرباني، الذي يجعل من سكنات وحركات المؤمن عبادة خالصة للحق سبحانه، وأيم الله لقد فاز من اعتنى بقلبه، ولازم طلب الخلوص من الشرك، والإخلاص هو منشأ المحبة والخوف والرجاء، والصدق والتوكل وكل خير ينبض به قلب المؤمن.
صح عن مسلم في الحديث القدسي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»، وإن من لم يكن الإخلاص مطيته نفد به الوقود وخلص الزاد في طيات الطريق، وكل عمل مهما كبر صغر فيه الإخلاص فهو صغير، وكل عمل مهما صغر ولكن كبر فيه الإخلاص فهو كبير، ورحم الله ابن المبارك حين قال: "رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية"، وقال أحدهم: "أخلص تتخلص". وسُئل سهل بن عبدالله التستري: أي شيء أشد على النفس؟ قال: "الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب". ((صفة الصفوة) [4/ 65]).


ثانيًا: الأسباب المجتمعية (الخارجية):

- سيادة الباطل، واستفحال الباطل وأهله، وهو جزء من الانهزامية النفسية.

- ضغط بيئة الأسرة وهم الزوجة والأقرباء، والبيئة المجاورة كالصديق ونحوه، وربما كان منشؤه الغيرة، أو حتى التعتيم الإعلامي السيئ للمصلحين، فيستسلم لهذا الضغوطات ويكون أسيرًا لها، وربما اُستخدمت تجاهه أصنافًا من الوسائل في سبيل تخليه من قيمه، ولا أدل من قصة مصعب بن عمير رضي الله عنه حين أرادت أمه أن ينكص من الإسلام وبذلت حتى روحها في سبيل ذلك، ولذا فإن من جاهد نفسه، وواظب على دعوتهم والبعد عن مصادمتهم، وبحث سبل الهداية لهم بعيدًا عن الانهزامية والتخاذل سيجد نتائج ريما إيجابية صرفة، قال سبحانه: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه132]، وحتى الأصدقاء والزملاء ربما لا يضطر أن يواصل معهم الغدوة والروحة إذا لم يحترموا رأيه، ويقدروا شخصه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (رواه أبوداود والترمذي).

ونعلم من البعض وهو لازال في بداياته قد شرع في دعوة أصدقائه وخلانه قبل أن ينقذ نفسه بدءًا من بعض العوالق الباقية، فانتكس قبل أن يهدي واحدًا منهم، وأحدهم ظل في مجتمع أقربائه المليء بـ(الكيد للمصلحين والأخيار) مسامرًا، ومؤاكلًا ومشاربًا، وهو يخبرني بذلك حتى بلغ الحد أن أصبحوا يمارسون المعاصي علانية وهو موجود، ويهزؤون به، ووصل بالأمر أنه أبدا لهم انزعاجه فأخرجوه بكل استهتار وهم في مجلس واحد دون حتى الأخذ بخاطره فيما بعد.

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على القلب من وقع الحسام المهند

ولو بقي من مضار المكث مع أصحاب المعصية، ومجالستهم التطبع على أخلاقهم لكفت، ولذا حذر الله من ذلك فقال سبحانه: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:68].

- التضييق على أهل الحق، وإقصاؤهم من بعض المهام والوظائف، بل يعيش بعض الأخيار الغربة في أماكن العمل، والمجتمع، وهذا لا يختلف مع سابقه، وبالتالي فإن البعض تنازل عن مبادئه جراء السلامة من هذه المكائد، والوصول لمطامع الدنيا.

- النفوذ الصحافي الليبرالي والهجمات الشرسة على الشريحة الملتزمة، وربما ساهم في التفلت من شعائر الهداية، وقد أصبحت بعض المصطلحات الرائجة اسمًا لاصقًا لمن ظهرت عليه سيما الهداية مثل: (وهابي- إرهابي- رجعي- سلفي، أتباع التيار ديني....)، وإن كان البعض من الملتزمين قد يوافق على بعضها، لكن غياب مفهومها من غيرهم قد يسهم في تضرمه منها، وإبدال صورته الإسلامية بأخرى تجعله (وسطيًا) كما زعموا.

ثالثًا: الأسباب الخاصة بالمربين:

- الاستعجال في التصدير، والحكم على الأشخاص قبل التبين. بل ربما المباهاة بهم ورفعهم على أكتاف غيرهم ومثل ما قال الأول (تزبب قبل أن يتحصرم)، وهذا عادة يُنشئ الاكتفاء المبكر على الذات، والشروع في العطاء قبل الأخذ، ونقد الآخرين واستنقاصهم.

- الضعف العلمي والتربوي وانتقاله عبر الأجيال، واعتقاد بعضهم الكمال العلمي والتربوي.

- سوء الاهتمام بالفرد، وعدم الصبر عليه. وإن الاهتمام لابد وأن يشمل الجوانب التي تجب على المربي تجاه من معه من متابعة، وتقويم، والعناية العلمية والدعوية، والسلوكية، والاجتماعية، وبحث الخطط العملية في ذلك، واستشرافها من ذوي الاختصاص والخبرة. والعمل على صقل مواهب الفرد، وتوفير القنوات المناسبة لإبرازها وترقيتها، فالمنبر للملقي، والورقة للكاتب، والإعلام للصحفي والمذيع، والبحث والقراءة للمؤلف والناقد، وكافة المهارات والمواهب.

- ضعف البصيرة بالواقع، وسوء مجاراة برامجه للواقع المعاصر، فنجد البعض لازال عطاؤه منذ سنين عديدة هو ذات العطاء، وذات المادة والمحتوى، وذات الوسيلة، وربما أسقط التهم وضعف الفائدية في الجديد والمفيد. أقول إنا في عصر العولمة، عصر الفيس بوك والتويتر، عصر البرودباند والأجهزة الذكية، عصر الفكر والثقافة فلابد أن تجاري البرامج والعطاءات هذه المفاصل، ولا يُستغنى عن الأصل والمبدأ، مع توظيف الحديث، والإفادة من الجديد.

- قلة الفهم والوعي بالتربية لاسيما بالطرق المناسبة للتعامل مع من أصابه الفتور، أو من انتكس.

- الانهزامية النفسية أمام بعض الفتن والمآزق.

- فرض السيطرة والتحكم المركزي، والاستعباد السلوكي والعلمي للفرد.

- امتهان شخصية المتربي وإهمال الحاجات النفسية والعاطفية كالحاجة للحب والتقدير وإعطاء الثقة في النفس، والبعد عن إشباعها والعناية بها، والعكس صحيح في وجود التدليل والسكوت عن الأخطاء وإرجاء عمل الحلول لها بهدف تحبيبه وعدم مجابهته مبكرًا، وكل ذلك يُفضي إلى تدهور إيمان المتربي، وسقوطه - والعياذ بالله-، ولا غرو أن يسجل المربي الأول في ذلك رقمًا سابقًا، عن عثمان رضي الله عنه قال: "إنا والله قد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير، وإن أناسًا يعلموني به، عسى ألا يكون أحدهم رآه قط" (رواه أحمد، وحسنه أحمد شاكر). وموقفه عليه الصلاة والسلام مع أخي أنس الصغير حين سأله عن طائره النغير، ومع جابر حين سأله عن زوجه، بل كان النبي عليه الصلاة والسلام سائلًا وعالمًا بأحوال أصحابه، وهذا قائد إلى القرب منهم والشعور بحاجاتهم.

- سقوط بعض القدوات ورجال العامة فيما كانوا يدعون لنبذه ومعاداته، بل أصبح التمييع في بعض المسلمات، والانفتاح غير المنضبط هوية البعض، وهذا وإن كان لا يمثل ظاهرة، وربما كان بعضهم لا يقصد به تراخيًا وتنازلًا أقصد القدوات إلا أن بعض المتأخرين أسقطوا ذلك على مسايرة الواقع، والفهم للعصر الحاضر، وحين تبحث عن عشرة أحاديث صحيحة في جعبة بعضهم مقارنة بأولئك فلا تكاد تجد نصفها.

أقول والحديث هنا عن المربي، لزومًا ألا ينبري لمهنة التربية والتي هي حرفة العظماء لإخراج العظماء إلا من انطبقت عليه ملامح وخصال المربي، وليست مهنة عادية، بل هي من أعظم المهن حيث أنها تقوم على أعظم الخلق، يقول محمد قطب رحمه الله، وهو يتحدث عن المربي: "ولكنا هنا ونحن نتحدث عن المربي، نشير إلى هذه البديهية، وهي أن من يعجز عن القيادة لا يصلح للتربية، ولو كان في ذاته شخصًا طيبًا مشتملًا على كل جميل من الخصال... وليس كل إنسان طيب الخصال قادرًا على القيادة ولا الزعامة، ولا مطالبًا بها كذلك! فهي أصلًا موهبة لدنية، تصقلها التجارب وتزيدها مضاء وقدرة، ولكنها لا تنشئها حيث لا تكون!" ((منهج التربية الإسلام) [2/ 48]).

معينات على تجاوز المرحلة:

مع معرفة الأسباب يظهر لنا العلاج بفعل خلافها، وقد وردت بعض الحلول حيال ذكر الدافع، ويُزاد على ذلك ما يلي:

- الدعاء، والابتهال إلى الله بالمعونة والثبات، وما أعظم ما أورثته النصوص في ذلك .{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران:8]، وقد كان يكثر عليه الصلاة والسلام في سجوده: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (رواه الترمذي).

- الحرص على البيئة العلمية التربوية الجادة، ومواكبة ذلك في كل مكان زمان حتى الموت، والبحث عن صاحب سنة يعينك وتعينه، وتدارسه ويدارسك. ففي الترمذي عن حنظلة رضي الله عنه وكان من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه مرَّ بأبي بكر وهو يبكي فقال: ما لك يا حنظلة؟، قال: نافق حنظلة يا أبا بكر نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكِّرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين فإذا رجعنا إلى الأزواج والضيعة نسينا كثيرًا. قال: فو الله إنا لكذلك، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلقنا، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما لك يا حنظلة؟» قال: نافق حنظلة يا رسول الله نكون عندك تذكِّرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين فإذا رجعنا عافسنا الأزواج والضيعة ونسينا كثيرًا، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو تدومون على الحال الذي تقومون بها من عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم وعلى فرشكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» (قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح)، ونأخذ من هذا الحديث كيف هو حال المؤمن حين يقترب من مصدر قوته، وهم العلماء أصحاب الهدى، وكيف به إذا انشغل بالدنيا.

- تربية النفس ومجاهدتها وتزكيتها، وأطرها على الحق أطرًا، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "من مقت نفسه في ذات الله آمنه الله من مقته" ((مختصر منهاج القاصدين)، ص[403])، وهذا يمثل أحد جوانب التزكية عند أفضل الأمة إيمانًا، وقال أنس رضي الله عنه: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ودخل حائطًا فسمعته يقول وبيني وبينه جدار: "عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخ بخ، والله لتتقين الله يا ابن الخطاب أو ليعذبنك". وقال البختري بن حارثة: "دخلت على عابد بين يديه نار قد أججها وهو يعاتي نفسه، فلم يزل يعاتبها حتى مات" (المرجع السابق).

ووسائل ذلك كثيرة منها تدبر القرآن الكريم والعمل بما فيه، ومعايشة مجالس الإيمان والوعظ وترقيق القلب، سواء بالقراءة أو بمجالسة الوعاظ والمصلحين، وحضور مجالس الزاهدين والورعين.

- الدوام على الطاعة والعمل الصالح، وهو هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم كما تروي أمنا عائشة رضي الله عنها فتقول: "كان أحب العمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يداوم عليه صاحبه" (رواه البخاري)، وهنا لفته جميلة وهي المداومة، لأنها كالزاد للمسافر ليسده في طريقه، وأما الانقطاع عن الطاعات، وإهمالها فذلك منفذ خطير على قلب العبد، وسلوكه.

- تتبع قصص السلف، ومعرفة آثارهم وأقوالهم.

- الاستشارة والتأني في القراءة لاسيما عند الإطلاع على الحضارات، ونيل الثقافات الأخرى.

- الولوج في المشاريع والأعمال الدعوية، والتي من خلالها يشرع الفرد في العمل، وربط العلم به، وتنمي عنده الانتماء لما يؤمن به، ويصعب اهتزاز وارتجاف المبادئ والقناعات التي يعتقدها.

الخاتمة

إن حرص المؤمن على أغلى ما يكنزه، وحفاظه على دينه الذي يمثل مهجته وحياته كلها، وبذله الغالي والرخيص في نمائه وزيادته، وعدم المساس به، أو التعدي عليه بأي شكل من الأشكال؛ ليمثل خلاصة موضوعنا، ومسكه الأخير... وليس ما عرجنا عليه بالحديث المستفيض الذي يقف مع كل نقطة ليشرحها، ويصف مظاهرها وعلاجها، ولكن حسبي أني صورت شيئًا من الداء والدواء لنفسي أولًا، ثم لمن أراد من المؤمنين. يصف الواقع، وينير الطريق، ويبين الحقيقة بإذن الله. فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك...

وفي الختام أقول ما كان من حق وهدى فالله منه الخير والتقى، وإن زلل فنفسي وشيطاني والهوى، وأقول كما قال الأول: السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ غيره به... ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب...

 

 سعيد بن محمد آل ثابت