أوراق الخريف

منذ 2014-04-24

أتذكر أخي الأكبر : يقول لي هيا سنصلي معًا صلاة غائب على " جوهر دوداييف" الشيشاني" و نتساءل من هذا وما هي الشيشان!! وبدأت أعي جزء جديد من ملحمة الصمود و من معركة الإسلام في التمكين!

(1)

أنا من جيل تقريبًا كان أول حدث جلل نحضره كان تحرير طابا! وبعده كان زلزال عام 1992 الشهير في مصر.
كل ما نعرفه عن أي شيء؛ كانت إما عيون منبهرة أمام من يحكي لنا، أو من كتاب نقرأ فيه. ونسرح بمخيلتنا الصغيرة، أمام الغزوات، أمام الفتوحات الإسلامية ونتخيل أننا في وسط المعركة وأننا نقوم بكذا وكذا، ونمتلء بالفخر والحماس، ونغبط الصحابة أو هؤلاء الجند المباركين ونتمنى أن نجرب هذا الأمر! ونتقمص في مخيلتنا أدوار الصحابة والتابعين، ومن المؤكد لو كنا في مكانهم، كنا قمنا بكذا وكذا!!

وبمرور الوقت، بدأت أقرأ أكثر وأدرس أكثر، وأتعرف على الحضارة الإسلامية، وسقوط تلك الدولة والأخرى، ويدمى قلبي مع كل قصة سقوط!!

وبدأت أتعرف على معالم أخرى تمامًا للحياة ..
فليست الدنيا كما كانت حياة النبي عليه السلام والصحابة ولكأنها تغيرت تمامًا.
بدأت أعرف عن حدود عالم المسلمين، فهناك ما هو أكثر من حدود الناطقين بلغتي، هناك بلاد مسلمين في شتى أرجاء تلك المعمورة!!

بدأت أعي درساً آخر؛ أن حدود عالمي، هي أبعد حدود وصل إليها الإسلام.

أتذكر جيدًا ... كيف تعرفت على البوسنة، وتعرفت على الشيشان لأول مرة!
أتذكر وأنا في المرحلة الإبتدائية، ومدرستي – بارك الله لها – تحكي عن أخوة لنا في البوسنة وما يحدث لهم! لم أصدق! كيف يكون هناك مسلمين ولم أسمع حتى عنهم! وأول معرفتي عنهم تكون مأساة كاملة!! لم أصدق!!
أتذكر، أخي الأكبر وهو يقول لي "هيا سنصلي معًا صلاة غائب على " جوهر دودايف الشيشاني"!! وأتساءل من هذا؟ وما هي الشيشان؟!!

وبدأت أعي جزءاً جديداً من ملحمة الصمود، ومن معركة الإسلام في التمكين! بدأت أعي ذلك، وتألمت كثيرًا.

بدأت أجزاء كثيرة من الصورة تضاف إلي، ومع كل جزء يضاف أتألم أكثر، ولكن أعي كمَّ المسئولية الملقاة على عاتق هذا الجيل إن كان يريد أن يكون هو جيل التمكين!

وبدأت أضع نصب عيني شيئين:
الأول: أن أول خطوة على الطريق هي "الأقصى"!!
الثاني: الميدان الأول: أنفسنا، ثم دائرة الأكبر ثم التي تليها ..

وبدأ الوعي بالدعوة ينمو، بعالمية الإسلام، والنصر والتمكين، بأن الله غايتنا، ورسولنا قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا، نحلم بالجنة، وكيف سيكون اللقاء عند الحوض، وكيف سيكون أول يوم في الجنة، ونحلم ونحلم.


(2)

الأحداث الأخيرة، كانت أحداث كاشفة جدًا، قبل أن تكون كاشفة للآخرين، فهي كاشفة لأنفسنا وما بها.
كاشفة لما كنا نحلم به، ونتخيله في مخيلتنا وحقيقتنا! كاشفة لما كنا نحسب به أنفسنا من إخلاص ويقين وحقيقتنا! كاشفة لما كنا نقوله ولم يتجاوز الحناجر وحقيقتنا! كاشفة لما كنا نظنه بقلوبنا وحقيقتنا! كاشفة ومؤلمة جدًا، ولكن بالرغم من ذلك، فما هي إلا خطوة  في طريق بدأ ولم ينتهي بعد!


فإما ثباتًا، وصبراً ومصابرة ورباط، و إصلاح القلوب فاستخدام، ونبدأ الطريق بعد محنة وتمحيص، {يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ { [آل عمران:200]، } وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُۥ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمْرُهُۥ فُرُطًۭا { [الكهف:28].

وإما الإحباط، واليأس والتخاذل والخذلان والاستبدال!

ويرن في أذني هذا الحديث في صحيح البخاري، وقد اشتد العذاب بالمسلمين في مكة: شكى خباب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: "ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا ؟"، قال صلى الله عليه وسلم: »كان الرجل فيمن قبلكم، يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون»[رواه البخاري].


وهذه الآيات، {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ} [البقرة:214]، {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌۭ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ . وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ . أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} [آل عمران:140-142].

وبدأت أتساءل؛ هل هي محنة؟! أم هي منحة تربوية، تهيئنا لما هو آت؟!
وبدأت أتساءل، كلما سمعت عن شهيد، وإن كان أفضل قلوب و أخلصها لله - نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله - يتخذهم الله شهداء، فأين نحن في الخريطة!! أين أنا  في تلك الخريطة؟!


(3)

أتذكر عندما بدأت الأحداث بالانقلاب، لم أحزن ولكن استشعرت المسئولية، لأنني في بداية حكم د. مرسي، كنت أشعر أن هناك خطب ما، لا نستحق هذا بعد، فشعرت أنها كانت منحة لنستشعر حلاوة التمكين لنعمل أكثر. لم يشعر قلبي بالإنهاك إلا مع أول شهيد!! - نحسبهم كذلك يا رب تقبلهم – ومن بعدها الحرس، المنصة، و الفض ... وااااه من مذبحة الفض!
كنت أتخيل بعد الانقلاب، شكلاً و درجة معينة من التنكيل بالإسلاميين، ولكن ما حدث فاق ما تخيلته بكثير!! وكانت الصدمة في التفويض! بالشماتة في الدماء التي أريقت في مذبحة الفض!! أصبحت أرى الناس أشباحاً أو وحوشاً آدمية !!

و أصبحت تلك الآية، حياة نعيشها مع كل حدث وكل جريح وشهيد، نسقط نحن وهم يرتقوا في درجات الجنان
{إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ . هُنَالِكَ ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا۟ زِلْزَالًۭا شَدِيدًۭا } [الأحزاب:10-11]

{وَلَمَّا رَءَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْأَحْزَابَ قَالُوا۟ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّآ إِيمَـٰنًۭا وَتَسْلِيمًۭا . مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌۭ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُۥ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبْدِيلًۭا . لِّيَجْزِىَ ٱللَّهُ ٱلصَّـٰدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا } [الأحزاب:22-24]

ومع كل شهيد – نحسبهم كذلك – ومع كل حكاية وشهادة جديدة للأحداث، أو كلمة لأحد من أهل الشهداء، يتجدد الألم ويزيد الوجع
ويزيد الأحساس بالغربة، فهي أشد ابتلاء، الإحساس بغربة الإسلام داخل بلاده.
ولكن ماذا بعد... ؟!!


(4)  

ما خلصت إليه، أن النصر والتمكين، ليس أحلاماً وليس تمنياً.
النصر والتمكين؛ عقيدة، وإيمان وعمل!
النصر والتمكين، يحتاج لقلوب مخلصة لله، لأناس هم الإسلام يمشى على الأرض.
النصر والتمكين، يحتاج إلى يقين وهذا اليقين لا يكتسب بالتمني ولكن بالعمل، { إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ } [الرعد من آية:11].
النصر والتمكين، يحتاج إلى الفئة المؤمنة، تلك الفئة لا يشترط فيها العدد ولكن عدة، فهي كيف وليس كم، هي قلوب واثقة، قلوب مؤمنة بحق، فلم ينتصر المؤمنون في تاريخ الإسلام بكثرة العدد ولكن بقلوب مخلصة لله!
النصر والتمكين، لن يكون بالحناجر، ولكن قلوب مخلصة، إنما الحياة عقيدة وجهاد وعمل.
النصر والتمكين، قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَ‌ٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ . قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّۭا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍۢ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَـٰتٍۢ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌ } [الأنعام:162-165].
النصر والتمكين، ليس كم، وليس أعداد، وليس هتاف في مسيرات، ولكن رجل بألف رجل كالقعقاع بن عمرو.
النصر والتمكين، لا ننشغل بموعده، فنحن لم نؤمر إلا بإن نعد له وتكون الحياة والممات لله في سبيل تعبيد تلك الأرض لله، يوم القيامة لن نأتى جماعة، { وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْدًا } [مريم:95]، فلا تفرح كثيرًا بكونك في جانب الحق، ليكن قلبك  أيضًا في جانب الحق.

ميدانكم الأول أنفسكم ... ميدانكم الأول أنفسكم

اللهم إخلاص ويقين وقلب سليم، ورضا وجنة نعيم.
اللهم اربط على القلوب، وامسح عنها الهم والحزن، واملأها توكلاً وأملاً.
اللهم استعملنا ولا تسبدلنا، وأعنا على ما استعملتنا فيه.
اللهم حياتنا في طاعة، ومماتنا في طاعة وراحة من كل شر.
اللهم نصر وتمكين تعز به الإسلام والمسلمين، يشفي الصدور.
ويزيد الايمان ويعلي من درجات الجنان.
اللهم إخواننا في كل مكان، كن لهم وارزقهم الخير والثبات.
اللهم سبقنا إليك في الجنة أخوة لنا فتقبلهم وألحقنا بهم.
واربط على قلوب أهليهم وزدهم إيمانًا وتثبيتًا.
وكل إخواننا المظلومين في بقاع الأرض، احفظهم وكفى بك لهم حسيبًا ووكيلًا.
 

سارة خليفة

سارة خليفة

طبيبة مصرية، تخرجت في كلية الطب جامعة القاهرة، وتعمل في أسرة التحرير بموقع طريق الإسلام.