حديثُ عائشةَ وقصةُ فدكَ - (03) دراسة الفروق بين الروايات - مسائل مهمة في الحديث

منذ 2014-05-05

دراسة الفروق بين الروايات:

جدول يبين حال الروايات والفروق بينها ذكر مسائل مهمة في الحديث: هل غضبت فاطمة وهجرت أبا بكر رضي الله عنهما؟

ظهر من سرد طرق هذا الحديث اختلاف كبير في متنه بين تلاميذ الزهري كما مر، والذي ظهر لي أمور:

دراسة الفروق بين الروايات

جدول يبين حال الروايات والفروق بينها

الراوي عن الزهري      الراوي عنه                  لفظ الحديث                       مخرجه

صالح                     إبراهيم بن سعد              الهجر فقط                        خ/هق

صالح                     إبراهيم بن سعد              لا هجر ولا وجد ولا بيعة           م/د

شعيب                     أبو اليمان                    لا هجر ولا وجد ولا بيعة            خ

شعيب                     أبو اليمان                    الوجد فقط                           هق

شعيب                    أبو إسحق الفزاري           لا هجر ولا وجد ولا بيعة            س

شعيب                    عثمان بن سعيد              فيها الهجر والوجد والبيعة         ابن حبان

عبد الرحمن              الليث                        لا هجر ولا وجد ولا بيعة           طحاوي

عقيل                     الليث وله روايتان عنه يحيى بن بكير     فيها الهجر والوجد والبيعة      خ/هق

عقيل                     عنه حجين                   قال بدل قالت: فهجرته                 م

معمر                     هشام                        الهجر وفيها قال بدل قال فهجرته      خ

معمر                    عبد الرزاق                  لا هجر ولا وجد ولا بيعة               م

معمر                    عبد الرزاق                   الغضب والهجر وفيها قال بدل         هق                                                                               قالت: وفيها قال معمر

                         عبد الرزاق                  الهجر فقط وفيها قال معمر          طبراني

الوليد                    الحسن                       الوجد والهجر                            ت

                         سويد                        الوجد والهجر                             ت

 جدول يبين حال الرواة عن الزهري  

 

الراوي                            حاله بالنسبة للزهري

صالح بن كيسان                 قال يحيى بن معين: ليسن في أصحاب الزهري أثبت من مالك ثم صالح بن
                                  كيسان ثم معمر ثم يونس (التهذيب).

      وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي: صالح بن كيسان أحب إليك أو عقيل؟
     قال: صالح أحب إلي لأنه حجازي وهو أسن (التهذيب).

شعيب بن أبي حمزة             قال ابن معين: سعيب من أثبت الناس في زهري كان كاتبًا (التهذيب).

عبد الرحمن بن خال             قال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال الذهلي: ثبت
                                  وقال الساجي: هو عندهم من أهل الصدق وله مناكير (التهذيب).

عقيل بن خالد                    وقال ابن معين: أثبت من روى عن الزهري مالك ثم معمر ثم عقيل.
                                  وقال ابن أبي حاتم: وسئل أبي: أيما أثبت عقيل أو معمر؟
                                فقال: عقيل أثبت كان صاحب كتاب (التهذيب).
                                 وقال يونس بن يزيد الأيلي: ما أحد أعلم بحديث الزهري من عقيل. (الميزان)

معمر بن راشد                 قال أحمد: لا تضم أحداً إلى معمر إلا وجدته يتقدمه في الطلب
                                كان من أطلب أهل زمانه للعلم (التهذيب).

الوليد بن محمد                قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: الموقري يروي عن الزهري عجائب؟
                               قال: آه، ليس ذاك بشيء.
                                وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: الموقري غير ثقة
                              يروي عن الزهري عدة أحاديث ليس لها أصول (التهذيب).

 

ذكر مسائل مهمة في الحديث:

هل غضبت فاطمة وهجرت أبا بكر؟

ظهر من سرد طرق هذا الحديث اختلاف كبير في متنه بين تلاميذ الزهري كما مر، والذي ظهر لي أمور:

أن غضب فاطمة وهجرها إما أن يكون مدرجًا -وهو الظاهر لي- وإما أن يكون مؤقتًا كما جاء في رواية البيهقي، قال: "أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، قال: حدثنا محمد بن عبد الوهاب قال: حدثنا عبدان بن عثمان العتكي بنيسابور، قال: حدثنا أبو ضمرة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي، قال: لما مرضت فاطمة رضي الله عنها أتاها أبو بكر الصديق رضي الله عنه فاستأذن عليها، فقال علي رضي الله عنه: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك؟ فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها يترضاها، وقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت ثم ترضاها حتى رضيت".

قال البيهقي: "هذا مرسل حسن بإسناد صحيح. سنن البيهقي: [6/301]، وقال الحلبي في سيرته: ومعنى هجرانها لأبي بكر رضي الله تعالى عنه أنها لم تطلب منه حاجة، ولم تضطر إلى لقائه إذ لم ينقل أنها رضي الله تعالى عنها لقيته ولم تُسلِّم عليه ولا كلمته، وروى ابن سعد أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه جاء إلى بيتٍ علي لما مرضت فاطمة فاستأذن عليها فقال علي كرَّم الله وجهه هذا أبو بكر على الباب يستأذن، فإن شئتِ أن تأذني فأذني. قالت: وذاك أحب إليك. قال: نعم، فأذنت له رضي الله تعالى عنه فدخل واعتذر إليها فرضيت عنه وأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه صلى عليها" (السيرة الحلبية: [3/478]).

فاطمة رضي الله عنها -لما عُلِمَ من دينها وزهدها- أكبر من أن تحزن على لعاعة من الدنيا كل هذا الحزن.

لما استُخلف علي لَمْ يُعطِ فدك لأولاده، فإن كان أبو بكر ظالِمًا وعمر ظالمًا وعثمان ظالمًا لأنهم منعوا فدك أهلها؟ فكذلك علي ظالم لأنه منع فدك أهلها ولم يعطها لورثة فاطمة!

يحتمل من قولها لم تكلمه أي في طلب الميراث كما جاء مصرَّحًا به في رواية عبد الرزاق عن معمر عند الطبراني. وهذا ما نص عليه الترمذي.

قال ابن عبد البر: "وكيف يسوغ لمسلم أن يظن بأبي بكر رضي الله عنه منع فاطمة ميراثها من أبيها! وهو يعلم بنقل الكافة أن أبا بكر كان يعطي الأحمر والأسود.. حقوقهم، ولم يستأثر من مال الله لنفسه ولا لبنيه ولا لأحد من عشيرته بشيء وإنما أجراه مجرى الصدقة! أليس يستحيل في العقول أن يمنع فاطمة ويرده على سائر المسلمين وقد أمر بنيه أن يردوا ما زاد في ماله منذ ولي على المسلمين، وقال: إنما كان لنا من أموالهم ما أكلنا من طعامهم ولبسنا على ظهورنا من ثيابهم؟

وروى أبو ضمرة أنس بن عياض عن عبيد الله بن عمر عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: "أن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال لعائشة: ليس عند آل أبي بكر من هذا المال شيء إلا هذه اللقمة والغلام الصيقل كان يعمل سيوف المسلمين ويخدمنا، فإذا مِتُّ فادفعيه إلى عمر، فلما مات دفعته إلى عمر، فقال عمر رحمه الله: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده، فإن قيل: فكيف سكن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في مساكنهن اللاتي تركن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها؟ إن كن لم يرثنه وكيف لم يخرجن عنها؟ قيل: إنما تركن في المساكن التي كن يسكنها في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن ذلك كان من مؤنتهن التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استثناها لهن كما استثنى لهن نفقتهن حين قال: «لا يقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا، ما تركت بعد نفقة أهلي ومؤمنة عاملي فهو صدقة».

وروى حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن أبي بكر أنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا نورث». ولكني أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعول وأنفق على من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق، وروى الثوري ومالك وابن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا وما تركت بعد نفقة نسائي ومؤمنة عاملي فهو صدقة..»...

قال أهل العلم: "فمساكنهن كانت في معنى نفقاتهن في أنها كانت مستثناة لهن بعد وفاته مما كان له في حياته، قالوا: ويدل على صحة ذلك أن مساكنهن لم يرثها عنهن ورثتهن، قالوا: ولو كان ذلك مُلكًا لهن كان لا شك قد ورثه عنهن ورثتهن، قالوا: وفي ترك ورثتهن ذلك دليل على أنها لم تكن لهن مُلكًا وإنما كان لهم سكناها حياتهن، فلما توفين جعل ذلك زيادة في المسجد الذي يعم المسلمين نفعه كما فعل ذلك في الذي كان لهن من النفقات في تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مضين لسبيلهن زيد إلى أصل المال فصُرِفَ في منافع المسلمين مما يعم جميعهم نفعه وفي حديثنا المذكور في أول هذا الباب" (التمهيد: [8/ 164-180]).

هل بايع علي مع الناس أو تأخر إلى ستة أشهر؟

الذي ظهر لي أن عليًا بايع ثم لازم فاطمة في مرضها، حتى ظن البعض أنه لم يبايع خاصةً إذا أضفنا لهذا تأخر علي والزبير حتى دعاهما أبو بكر كما في حديث أبي سعيد الذي سنذكره الآن، ويدل على أنه بايع أمور منها:

- كون علي لم يبايع من إدراج تلاميذ الزهري بعد ما أضافه أثناء تحديثه. وليس من كلام عائشة.

- أن عليًا بايع مع الناس كما ذكر ذلك أبو سعيد الخدري وهو قد حضر الحادثة بخلاف الزهري فإنه لم يبين عمن حمل هذا.

على فرض أن عدم مبايعة علي من قول عائشة وليس من كلام الزهري، فإن حديث أبي سعيد مقدم لأن أبا سعيد حدث بما علم وعائشة حدثت بما علمت ومن علم حجة على من لم يعلم، وذلك أن عائشة لم تحضر، قال الحكمي: "وهذا لا ينافي ما ذكر في بيعته إياه حين أرسل إليه لما افتقده ليلة السقيفة أو صبيحتها، ولفظه لم يكن بايع تلك الأشهر إن كان من قول عائشة فلعلها لم تعلم بيعته الأولى التي أثبتها أبو سعيد وغيره. لأن الرجال في مثل هذه المسألة أقوم وأعلم بها إذ لا يحضرها النساء وأيضًا فقد قدَّمنا مرارًا أن مجرد النفي لا يكون علمًا وعند المثبت زيادة علم انفرد بها عن النافي إذ آية ما عند النافي.. أنه لا يعلم ولعل عائشة تيقنت عدم حضوره بيعة السقيفة من العشي ولم يبلغها حضوره صبيحتها في البيعة العامة، وإن كان هذا كلام بعض الرواة فهو بمجرَّد ما فهمه من البيعة الأخرى ظن أنه لم يبايع قبل ذلك مصرَّحًا بظنه -ولم يكن بايع تلك الأشهر- (معارج القبول: [3/1137])

قال الحافظ ابن كثير:

"وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الحافظ الإسفراييني، حدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ حدثنا أبو بكر محمد بن إسحق بن خزيمة وابن إبراهيم بن أبي طالب، قالا: حدثنا ميدار بن يسار وحدثنا أبو هشام المخزومي، حدثنا وهيب، حدثنا داود بن أبي هند، حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قبض رسول الله واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر، قال: فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أن رسول الله كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين، ونحن كنا أنصار رسول الله ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره؟ قال: فقام عمر بن الخطاب، فقال: صدق قائلكم أما لو قلتم على -غير- هذا لم نبايعكم وأخذ بيد أبي بكر، وقال: هذا صاحبكم فبايعوه، فبايعه عمر وبايعه المهاجرون والأنصار..

قال: فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير، قال: فدعا بالزبير فجاء، فقال: قلت ابن عمة رسول الله وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين، فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، فقام فبايعه ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليًا فدعا بعلي بن أبي طالب فجاء، فقال: قلت ابن عم رسول الله وختنه على ابنته، أردت أن تشق عصا المسلمين، قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعه هذا أو معناه..

وقال أبو علي الحافظ: سمعت محمد بن إسحق بن خزيمة، يقول: جاءني مسلم بن الحجاج، فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة وقرأته عليه، فقال: هذا حديث يسوى بدنة قلت: بل يسوى بدرة.

قال ابن كثير:

"وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري، وفيه فائدة جليلة؛ وهي مبايعة علي بن أبي طالب.. أما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة وهذا حق فان علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقتٍ من الأوقات ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه" (البداية والنهاية: [5/ 248-249]. تاريخ دمشق: [30/277] في أسماء آباء العبادلة).

رأيي في الموضوع

تبيَّن من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وبعد النظر في طرق حديث عائشة رضي الله عنها، ومن خلال الجدول يتبين أن صالحًا وشعيبًا وعقيلًا ومعمرًا من أوثق من روى عن الزهري وهم متقاربون جدًا -وأما رواية الوليد فلا تعويل عليها لضعفه- وعليه فالذي أراه أن الاضطراب الذي وقع في هذا الحديث إنما هو بسبب الزهري.

وعليه يكون: الزهري حدث بهذا الحديث أكثر من مرة وفي أكثر من مجلس، وكان يُعلِّق ويشرح ويُضيف فيظن البعض أنه من الحديث فيُضيفه إلى عائشة رضي الله عنها، ورواية معمر ظاهرة في ذلك جدًا، وبناءً على ذلك؛ يكون ما ذكر من غضب فاطمة وهجرها لأبي بكر وعدم مبايعة علي رضي الله عنهم مدرجًا وليس من كلام عائشة، ويزيد هذا بيانًا ما جاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه أنه ذكر الامتناع عن الكلام فقط وليس فيه ذكر الهجر ولا الغضب، ومرَّ بنا تفسير الترمذي لقولها: "والله لا أكلمكما -أي في الميراث- مرة ثانية" مما يدل على قبولها..

والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله.

 

 

المصدر: موقع المنهج

عثمان بن محمد الخميس

خريج جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم

المقال السابق
(02) غريب الحديث ودراسة طرقه