إني رُزقت حبها

منذ 2014-05-10

تلك هي أم المؤمنين الطاهرة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها؛ خير نساء زمانها التي أحبها النبي صلى الله عليه وسلم حبًا جمًا، ولم يزل يذكرها ويثني عليها حتى غارت منها أمنا عائشة رضي الله عنها ولم ترها.

تلك هي أم المؤمنين الطاهرة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها؛ خير نساء زمانها التي أحبها النبي صلى الله عليه وسلم حبًا جمًا، ولم يزل يذكرها ويثني عليها حتى غارت منها أمنا عائشة رضي الله عنها ولم ترها.

إنها خير نساء زمانها وعصرها؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «خيرُ نسائِها مريمُ بنتُ عمرانَ، وخيرُ نسائِها خديجةُ بنتُ خويلدٍ» (البخاري، ومسلم واللفظ له).

هي أول من تزوج النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت، ورزق منها الولد. وهي أول من أسلمت وآمنت بالنبي صلى الله عليه وسلم.

 

نزل جبريل عليه السلام بالسلام عليها من ربها وببشرى لها ببيتٍ في الجنة لا صخب فيه ولا نَصَب؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "أتى جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ، هذه خديجةُ قد أَتَتْ، معها إناءٌ فيه إِدامٌ أو طعامٌ أو شرابٌ، فإذا هي أَتَتْكَ فاقَرِأْ عليها السلامَ مِن ربِّها ومنِّي، وبِشِّرْهَا ببيتٍ في الجنةِ مِن قَصَبٍ لا صَخَبٌ فيه ولا نصبٌ" (البخاري).

والقصب هو اللؤلؤ المجوف، قال ابن حجر في (فتح الباري): " قَالَ السُّهَيْلِيّ: النُّكْتَة فِي قَوْله: "مِنْ قَصَب" وَلَمْ يَقُلْ مِنْ لُؤْلُؤ أَنَّ فِي لَفْظ الْقَصَب مُنَاسَبَة لِكَوْنِهَا أَحْرَزَتْ قَصَب السَّبَق بِمُبَادَرَتِهَا إِلَى الْإِيمَان دُون غَيْرهَا... وَأَمَّا قَوْله: "بِبَيْتٍ" فَقَالَ أَبُو بَكْر الْإِسْكَاف فِي (فَوَائِد الْأَخْبَار): الْمُرَاد بِهِ بَيْت زَائِد عَلَى مَا أَعَدَّ اللَّه لَهَا مِنْ ثَوَاب عَمَلهَا، وَلِهَذَا قَالَ: "لَا نَصَب فِيهِ" أَيْ لَمْ تَتْعَب بِسَبَبِهِ. قَالَ السُّهَيْلِيّ: لِذِكْرِ الْبَيْت مَعْنًى لَطِيف لِأَنَّهَا كَانَتْ رَبَّة بَيْت قَبْل الْمَبْعَث ثُمَّ صَارَتْ رَبَّة بَيْت فِي الْإِسْلَام مُنْفَرِدَة بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْه الْأَرْض فِي أَوَّل يَوْم بَعْث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتُ إِسْلَام إِلَّا بَيْتهَا، وَهِيَ فَضِيلَة مَا شَارَكَهَا فِيهَا أَيْضًا غَيْرهَا". انتهى.

 

كان صلى الله عليه وسلم يكثر من ذكرها ويثني عليها ويذبح الشاة ويبعث بها لصديقات خديجة رضي الله عنها، ولذلك غارت منها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وقالت: "ما غِرتُ على أحدٍ من نساءِ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما غِرتُ على خديجةَ، وما رأيْتُها، ولكن كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُكثرُ ذِكرَها، وربما ذبح الشاةَ، ثم يُقَطِّعُها أعْضاءً، ثُمَّ يَبْعَثُها في صَدائِقِ خديجَةَ، فربما قُلْت له: كأنهُ لم يكُن في الدنيا امرأةٌ إلا خديجةُ، فيقول: «إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولدٌ»" (البخاري).

 

وكان صلى الله عليه وسلم يستبشر فرحًا بقدوم أختها هالة كما روت ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت: "استأذنت هالةُ بنتُ خويلدٍ، أختُ خديجةَ، على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. فعرف استئذانَ خديجةَ فارتاح لذلك" (مسلم). قال النووي في شرحه: "قَوْلهَا: "فَارْتَاحَ لِذَلِكَ": أَيْ هَشَّ لِمَجِيئِهَا، وَسَرِيّهَا لِتَذَكُّرِهِ بِهَا خَدِيجَة وَأَيَّامهَا. وَفِي هَذَا كُلّه دَلِيل لِحُسْنِ الْعَهْد، وَحِفْظ الْوُدّ، وَرِعَايَةِ حُرْمَةِ الصَّاحِب وَالْعَشِير فِي حَيَاته وَوَفَاته، وَإِكْرَام أَهْل ذَلِكَ الصَّاحِب".

 

وفي الحديث الذي أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ فَيَقُولُ: أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ. قَالَتْ: فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا فَقُلْتُ: خَدِيجَةَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا»".

قال ابن حجر رحمه الله في (فتح الباري): " قَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَانَ حُبّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا لأسباب كَثِيرَة، كُلٌّ مِنْهَا كَانَ سَبَبًا فِي إِيجَاد الْمَحَبَّة. وَمِمَّا كَافَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ خَدِيجَة فِي الدُّنْيَا أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّج فِي حَيَاتهَا غَيْرهَا... وَفِيهِ دَلِيل عَلَى عِظَمِ قَدْرهَا عِنْده وَعَلَى مَزِيد فَضْلهَا لِأَنَّهَا أَغْنَتْهُ عَنْ غَيْرهَا وَاخْتَصَّتْ بِهِ بِقَدْرِ مَا اِشْتَرَكَ فِيهِ غَيْرهَا مَرَّتَيْنِ... وَمِمَّا اِخْتَصَّتْ بِهِ سَبْقهَا نِسَاء هَذِهِ الْأُمَّة إِلَى الْإِيمَان، فَسَنَّتْ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ آمَنَتْ بَعْدهَا، فَيَكُون لَهَا مِثْل أَجْرهنَّ".

فرضي الله عن أمنا أم المؤمنين خديجة وجمعنا الله بها في جنات النعيم.