أفضل أيام العام

منذ 2014-05-19

أيام العشر الأول من ذي الحجة من أفضل أيام العام وأجلها على الإطلاق، فحري بالمسلم أن يستغل هذا الموسم العظيم بالتقرب إلى الله تعالى بالطاعات والأعمال الصالحات، حتى ينال من الجواد الكريم أعلى الدرجات، ومن هذه الأعمال الصالحة التي ينبغي للعبد أن يحرص عليها في هذه الأيام: الصلاة، والصيام، والصدقة، وذكر الله، والحج، والإقلاع عن الذنوب والمعاصي.

أيام العشر الأول من ذي الحجة من أفضل أيام العام وأجلها على الإطلاق، فحري بالمسلم أن يستغل هذا الموسم العظيم بالتقرب إلى الله تعالى بالطاعات والأعمال الصالحات، حتى ينال من الجواد الكريم أعلى الدرجات، ومن هذه الأعمال الصالحة التي ينبغي للعبد أن يحرص عليها في هذه الأيام: الصلاة، والصيام، والصدقة، وذكر الله، والحج، والإقلاع عن الذنوب والمعاصي. 

 

فضل العشر الأول من ذي الحجة 

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.


أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران:102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71].

وبعد: فإننا في مطالع الأيام المباركة، فالعشر الأول من ذي الحجة خير أيام العام على الإطلاق، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام» -يعني: العشر الأول من ذي الحجة-، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟! قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا أن يخرج أحدكم بنفسه وبماله ثم لا يرجع من ذلك بشيء»، فهذه هي أفضل أيام العام على الإطلاق، تفوق أيام رمضان، ولما قابل العلماء بين هذه الأيام وبين العشر الأخيرة من رمضان كان توسط قولهم أن قالوا: إن نهار الأيام العشر الأول من ذي الحجة أفضل من نهار أيام العشر الأخر من رمضان، وليالي العشر الأخر من رمضان أفضل من ليالي العشر من ذي الحجة.

فعلى كل لهذه الأيام فضيلة كبرى سمعتموها في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الآنف، بل قد أقسم بها ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم -على قول لبعض المفسرين- فقال تعالى: {وَالْفَجْرِ  وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر:1-2]، فهذه أفضل أيام العام على الإطلاق، ومن المعلوم أن فضائل الأيام إذا عظمت عظمت حرمات هذه الأيام كذلك، فكما أن الحسنات تتضاعف لمن أقبل فيها على العمل الصالح، فكذلك الذي ينتهك حرمة هذه الأيام بالذنوب والمعاصي تتضاعف آثامه، كما قال فريق من أهل العلم.

فنحن في يوم من أيام العشر من ذي الحجة في شهر من الأشهر الحرم وفي يوم جمعة فتوالت الفضائل في يومنا هذا الذي نحن فيه، فكما سلف أن فضائل يوم ما أو شهر ما إذا زادت زادت الآثام فيها لمقترف الآثام، وهذا له أدلته من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يومًا -ألا وهو يوم النحر- قائلًا: «أي يوم هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: «أليس بيوم النحر؟» قالوا: بلى، قال: «أي شهر هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أليس بالشهر الحرام؟» قالوا: بلى، ثم قال: «أي بلدة هذه؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أليست البلدة الحرام؟» قالوا: بلى، قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذه، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد»، فإذا عظمت الفضائل عظمت الحرمات.

ولذلك لما عظم قدر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عظم الافتراء عليه، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن كذبًا عليَّ ليس ككذب على أحدكم، من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)، ولما عظم قدر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعظم فضلهن كذلك عظم الذنب منهن، قال تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} [الأحزاب من الآية:32]، وقال تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرً . وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} [الأحزاب:30-31]، وقال سبحانه في شأن بيته الحرام: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج:25] وفي الوقت نفسه فإن الصلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة.

فلهذا قال فريق من أهل العلم: إن الأيام إذا عظمت حرماتها عظم ثوابها وعظم الإثم على من اقترفه، وقد قيّد ذلك أيضًا بعدة من الأدلة، فقد عظّم النبي صلى الله عليه وسلم مسجده -المسجد النبوي- والصلاة فيه تعدل ألف صلاة فيما سواه من المساجد، ولذلك من حلف على يمين فاجرة عند منبر رسول الله عليه الصلاة والسلام في وقت فضيل ألا وهو بعد صلاة العصر فإنه مرتكب لكبيرة من أبشع الكبائر، ومن حلف على يمين فاجرة في مسجد رسول الله بعد صلاة العصر إثمه أبشع، وجرمه أكبر. 

الأعمال المستحبة في العشر الأول من ذي الحجة 

وبعد هذا الاستهلال نذكر بهذه الأيام، وبشيء من العمل الصالح الذي ينبغي أن يُفعل فيها، إذ المقام بذلك أليق. فمن المعلوم أن الفرائض كلما عظمت عظم نفلها كذلك، ومن المعلوم أن الإسلام بني على خمسة أركان، كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا» فلما كان الإسلام مبنيًا على هذه الخمسة كان نفل هذه الخمسة أعظم النفل على الإطلاق، فنفل الفرائض هو أعظم النفل، فلذلك قول: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) الذي به ينعقد إسلام الشخص، هو أفضل القربات التي يتقرب العبد بها إلى ربه سبحانه وتعالى، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث يصح لشواهده: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله» ولا إله إلا الله كذلك يرد معها عموم ذكر الله عز وجل، فإن الله سبحانه قال: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت من الآية:45].

أما ما المراد بقوله تعالى: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت من الآية:45]؟

فالعلماء لهم فيه أقوال مشهورة. أشهرها: أن ذكر الله لك إذا أنت ذكرته أكبر من ذكرك له، كما في الحديث القدسي: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» فهذا القول الأول.

والقول الثاني: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت من الآية:45] أي: ذكر الله في الأصل أعظم من الصلاة، فإن الصلاة إنما شرعت لذكر الله، قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه من الآية:14] أي: أقم الصلاة لتذكرني فيها.

والقول الثالث: أن قوله تعالى: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45] أي: مراقبة الله عند محارمه أعظم من الصلاة كما قال بعض المفسرين، وإن كان أكثرهم على القول الأول.

الحج 

وأما الحج من سبق به فهنيئًا له بالسبق، ومن منع الحج وحرمه -فكما أسلفنا- يسأل ربه سبحانه أن يكتب له ثوابه، فإن الله سبحانه كما أنه يجازي على الأعمال الصالحة فهو سبحانه من كرمه يجازي على النيات الصالحات، وقد قدمنا في ذلك حديث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «إن في المدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا شاركوكم الأجر، حبسهم العذر».

التوبة والإقلاع عن الذنوب والمعاصي

فيا عباد الله اغنموا أعمالًا صالحات في هذه الأيام، ذكروا الناس بالله، من كان مسرفًا على نفسه فليقلع عن إسرافه، ومن كان مداومًا على عادة سيئة خبيثة فليقلع عنها، وليستح من ربه في هذه الأيام الطيبة المباركة، ومن كان ملازمًا لعادة التدخين الخبيثة فليقلع عنها، ولينصح إخوانه بالإقلاع عنها، فالمدخن والله لا يسمي الله عند تدخينه، إذا تناول السيجارة هل يقول عند تناولها: باسم الله؟ إذا انتهى من شربها هل يقول: الحمد لله؟ هل يفعل ذلك؟ هل يدخل إهداء رجل لرجل سيجارة تحت حديث نبينا محمد عليه الصلاة والسلام: «تهادوا تحابوا»، هل يدخل في هذا الباب؟ هل تدخل السيجارة في الطيبات، أم أنها تدخل في الخبائث؟ هل تدخل في النافع للأجسام والأبدان، أم أنها تدخل في المضر للأجسام والأبدان؟ هل هناك طعام يطعم أو شراب يشرب ثم يمتهن ويهان كالسيجارة؟ فبعد شربها توطأ بالأقدام، هل رائحتها طيبة؟ إذا جئت تصافح المدخن وإذا جئت تسلم عليه هل رائحته طيبة أم إن رائحته خبيثة؟ ولكنك تجده يتعامى عن مشاعر المسلمين! إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا أكل أحدكم ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا وليعتزل مساجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم»، أما هذا المدخن المتعامي شارب السيجارة، والله إن أهل الخير والصلاح يتقززون منه عند الاقتراب من فمه لما يخرج من فمه من رائحة نتنة، ومن رائحة خبيثة، فالشيطان قد أفسد عليه أمره، وأعماه عن خبث رائحته، كما هو فعل الشيطان بأوليائه ومريديه ومطيعيه، هل الملائكة تقبل عليه كما تقبل على حامل المسك؟ فإذا طيب العبد فمه بالسواك تقبل الملائكة على فمه كما قد حُسن في ذلك حديث، فلا يخرج شيء من فيِّ القارئ المطيب بالسواك إلا وقد دخل في فيِّ الملك، كما حسنه بعض العلماء، هل هذا يكون مع الذي لوث فمه بالسيجارة؟

فاعقلوا يا عباد الله! وليتق الله أصحاب البقالات الذين يؤثرون العاجلة على الآجلة، ويؤثرون الدنيا على الآخرة، ولا يبالون إلا بإدخال المال عليهم، ألا يتقي الله بقال يجلب السجائر ويبيعها للناس، يضر بأجسامهم ويذهب بأموالهم مقابل متاع رخيص زائل فانٍ ألا وهو جنيهات معدودات، يدخلها على بيته فيصبح بيته مهددًا بالأوبئة والأمراض، وقد يخرج أحد أبنائه عاقًا يذهب له بالأول كما يذهب له بالآخر.

إن البركة من الله سبحانه، البركة في الرزق الحلال الطيب يا عباد الله! فمن كان ملازمًا عادة خبيثة وسيئة كشرب السجائر، وكالإدمان على النظر في شاشات التلفاز القبيحة، وفي (الفيديوهات) المدمرة، وفي أجهزة البث، وأجهزة الإعلام المفسدة للأخلاق، المدمرة للإيمان، المدمرة لأعراض المسلمين والمسلمات، من كان مديمًا للنظر في هذه القاذورات فليقلع عنها فإن رب العزة يقول: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء من الآية:36].

هل تظن يا من نظرت إلى امرأة متبرجة في التلفاز أنك لست بآثم، ويا من نظرت إلى رجل في التلفاز هل تظنين أنك لست بآثم؟ أين قوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء من الآية:36]؟ 

هل تظن يا من تنظر إلى امرأة متبرجة في التلفزيون أنك لا ترتكب معصية؟

إن كل ذي فطرة سليمة وكل ذي ذوق سليم يعلم تمام العلم أنه آثم بنظره إلى ما حرم الله، ولكن ثم مكابرون، وثم مجادلون، وكما قال ربنا لنبينا محمد: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام من الآية:33]، فإذا جادلت البشر فمن ستجادل يوم القيامة؟ إذا جادلت عن نفسك وعن ذنوبك في الحياة الدنيا أمام عباد الله، فكيف ستجادل ربك يوم القيامة؟ إن يوم القيامة ليس كأيام الدنيا {تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} [النحل من الآية:111] لكن كما قال تعالى: {وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [النحل من الآية:111].

فالزم مراقبة الله، وأخرج من بيتك هذه القاذورات، لا تدخل بيتك سيجارة، ولا تدخل بيتك تلفزيون، ولا تدخل بيتك تصاوير تطرد الملائكة الكرام من بيتك، فإن «الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة» كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

فيا عباد الله! هذه أيام طيبة، تكرم الله وتفضل بها علينا، فأكثروا فيها من عمل الصالحات وأقلعوا فيها عن الذنوب والمعاصي والآثام، ووالله إن أمركم جميعًا لا يخفى على ربكم سبحانه، فها أنتم في هذه البلدة كبيرة الحجم تودعون وتشيعون كل يوم عزيزًا عليكم تقبرونه، ويقف جميعكم أمام القبر، يذكر بالله، أو يستغفر للميت، ولا يرجع بعبرة، فخذوا العبر من دنياكم ومن أنفسكم، ففي ذلك آيات لأولي النُهى.

اللهم آتنا رشدنا يا رب العالمين! واجعلنا من السابقين إلى الخيرات بإذنك يا رب العالمين! اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال والأفعال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، ربنا أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. 

الأضحية للموسر

ثم مع ذلك معشر الإخوة من وجد منكم سعة فليضح، فإن الأضحية قربة يتقرب العبد بها إلى ربه سبحانه وتعالى، ويمتثل فيها أمره سبحانه وتعالى حيث قال : {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2] ويمتثل أمر ربه حيث قال : {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162-163]، هذه قربة من القربات نتقرب بها إلى الله سبحانه، فالزم شروطها التي سنها رسولك محمد عليه الصلاة والسلام، وقد سبق بيانها، ولتكن بعد صلاة العيد لا قبله، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه أحد أصحابه وقال: إن ذبحت قبل الصلاة يا رسول الله؟! قال: «شاتك شاة لحم»، أي: ليست من النسك في شيء. 

الإصلاح بين الناس 

فيا عباد الله! تذكروا إخوانكم الجياع والعراة، وتذكروا الأيتام، وتذكروا كذلك الأرامل في هذه الأيام، تذكروا أيضًا من بينهم خصومات من إخوانكم، واتقوا الله وبادروا بالصلح فيما بينهم، قال تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}  [الأنفال من الآية:1] فاتقوا الله! فإن لم يكن كلام ربنا موجهًا لنا فلمن؟ ولمن وجه قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الأنفال من الآية:1]؟ فبادروا بالصلح بين أهل الخصام، بادروا بالإصلاح بين المتخاصمين ابتغاء وجه الله، لا ليقال عنكم إنكم أهل إصلاح، ولكن بادروا بالصلح ابتغاء وجه الله، وليعلم المظلوم أن الله قال: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران من الآية:134].

الصلاة

أما الصلاة فشأنها عظيم وشأن مقدماتها عظيم، فابتداؤها أذان المؤذن، وفي فضل المؤذن أنه لا يسمع مدى صوته إنس ولا جان إلا شهد له يوم القيامة، ولا يسمع صوته حجر ولا مدر ولا شجر إلا شهد له يوم القيامة، ثم أنت بذهابك إلى الصلاة تخطو خطوة ترتفع بها درجة وخطوة أخرى تزال عنك بها خطيئة، ووضوئك للصلاة يغسلك من الذنوب ويغسلك من الخطايا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل ترون أن ذلك يبقي من درنه شيئًا؟» قالوا: لا يبقي ذلك من درنه شيئًا -أي: من أوساخه شيئًا- يا رسول الله! فقال عليه الصلاة والسلام: «وكذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهُنَّ الخطايا».

آثار الخطى إلى المسجد تكتب لك في صحائف أعمالك، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ} [يس:12] وكذلك دخولك المسجد فعلى باب المسجد ملائكة يسجلون اسمك في عداد الداخلين، صلاتك ترقبها الملائكة، بل ويرقبها رب العالمين سبحانه، وتشهدك لله ترتفع به درجة، وكذلك سجودك فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط الله بها عنك خطيئة، وانتظارك للصلاة في المسجد سبب في صلاة الملائكة عليك، ولاستغفار الملائكة لك، كما أن انتظارك للصلاة من الرباط الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: «وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذالكم الرباط فذالكم الرباط»، صلاة في جوف الليل ترفعك درجات في عليين.

الصوم

أما الصوم فأجره عظيم -قد قدمنا ما يتعلق به في هذه العشر- ويكفي فيه قول ربنا في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك»، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إن في الجنة بابًا يقال له الريان يدخل منه الصائمون لا يدخل منه أحد غيرهم يقال: أين الصائمون؟ فيقومون فيدخلون فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد غيرهم»، وقال عليه الصلاة والسلام: «من صام يومًا في سبيل الله باعد الله بين وجه وبين النار سبعين خريفًا».

الصدقة

فهذا الذي سمعتموه أعمال صالحة يزكي بها العبد نفسه، ولكن ثم أعمال بر وصلاح متعدية النفع إلى العباد، ومنها: الصدقات، لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، قال عليه الصلاة والسلام في مطلع هذا الحديث: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فإن استطاع أحدكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل، فإن رجالًا يوم القيامة ينظرون عن أيمانهم فلا يرون إلا النار، وينظرون عن شمائلهم فلا يرون إلا النار، وينظرون إلى الأمام فلا يرون إلا النار فاتقوا النار ولو بشق تمرة» أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

فجدير بكل مسلم أن يكون متعدي النفع إلى غيره من العباد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت عليها حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك»، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا تصدق أحدكم بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب؛ فإن الله سبحانه يقبلها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه أو مهره، حتى تأتي يوم القيامة كالجبل العظيم».

فجدير بكل منكم أن يتأمل قوله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر من الآية:9]، وأن يتأمل قوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّـهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا . إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [الإنسان:9-10]، ويتأمل كذلك حديث النبي عليه الصلاة والسلام إذ قال: «ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وينزل ملكان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، والآخر يقول: اللهم أعط ممسكًا تلفًا»، وليتذكر أحدكم قوله تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبإ من الآية:39]، وليتذكر كذلك أصحاب الجنة الذين تمالئوا على البخل وتمالئوا على الشح وتمالئوا على حرمان الفقراء {أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ . وَلَا يَسْتَثْنُونَ} [القلم من الآيتين:17-18]، فكان من أمرهم وأمر جنتهم أن {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ . فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ} [القلم:19-21] إلى أن قال تعالى: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ . قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ . عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ} [القلم:30-32].

فليتأمل أحدكم ذلك كله، ولتعلم أن بطنك لن تشكرك، ولكن يشكر لك ربك سبحانه حسن صنيعك، فاجعل طعامك يومًا بدل اللحم فولًا، وتصدق بالفارق على الفقراء، فما هي إلا دقائق معدودة وتستوي أنت ومن طعم الفول ومن طعم البطاطس، وإنما هي بطن تملأ وجوف يعبأ، «ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالكل يستوي، والعاقبة للتقوى: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا}   [مريم من الآية:76].

فيوم من الأيام من سنتك أن تأكل فيه لحمًا، فآثر الفقراء على نفسك وقدم اللحم لهم، فإنك إن فعلت ذلك وقيت النار بإذن الله، كن حريصًا على أُخراك كحرصك على دنياك، تستوي الجبنة الرومي مع الطعمية والكل سواء، وفارق ذلك ادفعه لمسكين أو يتيم، يبارك الله لك في أهلك وفي بدنك وفي أموالك، فالدنيا أمرها إلى زوال، وعاقبتها إلى فناء.

ذكر الله

إن ذكر الله يعظم في هذه الأيام، ويستحب الإكثار منه في هذه الأيام، وليس في هذه الأيام فحسب، بل على الدوام كذلك، قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شرائع الإسلام قد تكاثرت عليَّ يا رسول الله! فأخبرني بشيء أتشبث به، فقال رسول الله: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله عز وجل»، فالأفواه تطيب وترطب بذكر الله عز وجل، والذاكرون هم السابقون، وإن كان عملهم سهلًا عليهم ويسيرًا إلا أنهم هم السابقون، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقد كان في سفر معهم فمروا بجبل يقال له: جمدان، قال: «سيروا هذا جمدان سبق المفردون»، قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟! قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات».

وقد حسن بعض أهل العلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «ذكر الله».

والذاكر في حرز من الشيطان الرجيم طالما أنه يذكر ربه، في حرز من الشيطان طالما هلل عشرًا في الصباح والمساء، الذاكرون لهم مغفرة وأجر عظيم، كما قال ربنا: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب من الآية:35]، الذاكرون قلوبهم مطمئنة: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28]، الذاكرون أبدانهم صحيحة، وقلوبهم سليمة، وذكر الله يقوي البدن، لذلك أرشد نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ابنته فاطمة -سيدة نساء أهل الجنة- إلى ما هو خير لها من خادم فقال لها: «تسبحين ثلاثًا وثلاثين، وتحمدين ثلاثًا وثلاثين، وتكبرين أربعًا وثلاثين عند النوم فهو خير لكِ من خادم» فهذا شيء من فضل ذكر الله.

فلذلك سأل موسى الكليم عليه السلام ربه تبارك وتعالى أن يمده بأخيه هارون قال: {هَارُونَ أَخِي . اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي . وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي . كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا . وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا . إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا} [طه:30-35]، وما منع الله زكريا عليه السلام من الكلام عند بشارته بالولد لم يرخص له في ترك الذكر، قال تعالى: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران من الآية:41].

فداوم على ذكر الله يا عبد الله! ذكر الناس بربهم، أدخل في خطابك معهم ذكر الله، قل لهم: عفا الله عنكم، سامحكم الله، جزاكم الله خيرًا، الله المستعان، لا حول ولا قوة إلا بالله، فكلما تيسر لك إدخال ذكر الله أو إدخال اسم الله في جملة فأدخله، ولذلك كره البعض أن يقال: جُزيت خيرًا، بحذف لفظ الجلالة، ولا أعلمها واردة عن رسولنا محمد، إنما الوارد جزاك الله خيرًا، فالذي يقول: جُزيت خيرًا ويحذف لفظ الجلالة خالف الأولى، وخالف الأفضل، فالأفضل تطييب الأفواه بذكر الله.

فكن دائم التذكير للناس بربهم، ذكر المعتدين بربهم، وذكر أصحاب المعروف بربهم، وذكر الفقراء بربهم، وذكر الأغنياء بربهم، كلما سنحت لك فرصة فذكر فيها بالله، فهذا ولد آدم يذكر أخاه بربه فيقول: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة:28]، وهذه مريم عليها السلام تمثل لها جبريل بشرًا سويًا فظنته رجلًا معتديًا فذكرته بالرحمن وقالت له: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا}[مريم:18]، وهذه ابنة العم لما قعد ابن عمها بين رجليها قالت له مذكرة: (اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه)، وها هو رسولنا يذكر المتلاعنين بعد أيمانهما فيقول لهما مذكرًا بالله: «الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب؟»، ورسولنا يرى أبا مسعود البدري رضي الله تعالى عنه يضرب غلامًا له، فيناديه من خلفه: «اعلم أبا مسعود! لله أقدر عليك منك على هذا الغلام»، فالتفت أبو مسعود فإذا برسول الله عليه الصلاة والسلام من خلفه، فقال له: يا رسول الله! هو حر لوجه الله، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو لم تفعل للفحتك النار» أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وها هو يعقوب يقول لبنيه بعد أن أصابه منهم من الهم والكرب ما يكاد يغلبه قال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} [يوسف من الآية:18]، فغلب على لسانك ذكر الله عز وجل في هذه الأيام، بل وعلى الدوام كذلك.