ليلة الميعاد

منذ 2014-05-31

وليس من الأزمنة زمان أكرم على الله تعالى مما خبأه فيما يأتي في الثلث الأخير من زمان رمضان، وهي أشبه بالثلث الأخير من زمان الليل، كما الثلث الأخير من زمان الإنسان إذ هو خلاصة إنجازه من نتاج تجاربه.

الأزمنة أوعية الأحداث، والأحداث العظيمة قد أعُدَّت لها أزمنتها العظيمة، وربما سُميت تلك الأحداث بأزمنتها كما يقال يوم بدر، ويوم حطّين. ولكلِّ أمّة أزمنة تخصُّها، وإنما جعل الله تعالى هذه الأمة أمة رسالة السماء، فمنهاجها هو الكتاب المنزل من السَّماء، وثقافتها هي الوحي المنزل من السماء، وعواصمها هي المساجد، بيوت الاتصال بالسماء، وأيامها هي أيام السَّماء، وأحداثها هي أحداث السماء، ورجالها العظام هم رجال السماء، أجسادهم بين الناس وأرواحهم تطوف حول العرش، يصبحون ويمسون وهمهم إرضاء من استوى على العرش.

 

وليس من الأزمنة زمان أكرم على الله تعالى مما خبأه فيما يأتي في الثلث الأخير من زمان رمضان، وهي أشبه بالثلث الأخير من زمان الليل، كما الثلث الأخير من زمان الإنسان إذ هو خلاصة إنجازه من نتاج تجاربه. وهي أعظم ليلة في الزمان، أعطاها الله لهذه الأمَّة العظيمة، وهي على ميعاد معها في العشر الأواخر من رمضان، وقد سميت ليلةُ القدر، لعظم قدرها عند الله تعالى، وأيُّ فضل أعظم من أن يختارها الله لينزل فيها كلامه، ثم يمدحها بذلك قائلا عزَّ من قائل: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1].

 

والفائزون في هذه الليلة ثلاثة أقسام:

- قسم يدركها فينال فضلها بأجر العمل المضاعف ألف شهر، أي كأنه قام ثلاثين ألف ليلة بما فيها من العمل الصالح، وهذا القسم يُعطَى كما يعطِي الملك عطاء العاملين جميعا مقابل خدمتهم.

 

- والقسم الثاني: يدركها إدراكًا خاصًا وهم الذين يزيدهم الله تعالى على أجور أعمالهم ألطافًا يجدونها في نفوسهم، وحلاوة يجدونها في قلوبهم، وقربًا من الله تعالى لا يعرفون له مثيلا في بقية ليالي المناجاة، كما يكرم الملك مقرّبيه بأكثر مما يعطي من العطاء العام.

 

- والقسم الثالث: هم الذين يدركونها إدراكًا أخصّ وهم الذين إضافة إلى ما يناله القسمان السابقان يُفتح لهم من المكاشفة ما يرون بها آيات هذه الليلة، كما يُسر الملك إلى خاصّة خاصّته بما لا يطّلع غيرهم عليه من أسرار الملكوت. وهؤلاء مؤتمنون على هذه الأسرار، وإذا حدثوا بها، أسرُّوا وهم في غمرة أنوار الإخلاص، وغالبًا تُعرف عنهم بعد موتهم، ولهذا إذا وجدت من يُظهر مكاشفاته للناس، فاعلم أنه مدّع غير صادق.

 

وليلة القدر هي جائزة الله تعالى الخاصّة للصائمين، فكما أنَّ لكل مجتهد في الخدمة مكافأة يُخصُّ بها، جعل الله تعالى للصائمين الذين حرموا أنفسهم لذة الشهوات، وأحيوا ليلهم بتلاوة القرآن، وأطاعوا ربهم غير معترضين على أمره، وانقادوا لشريعته مؤثرين رضاه على متع الدنيا، أعطاهم هذه الجائزة الجزيلة، والكنز العظيم، وهي مضاعفة عملهم الصالح هذه الليلة حتى يصير أكثر من عمل أعمارهم كلِّها، وزيادة مغفرة الذنوب، كما في الحديث: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (البخاري:1901).

 

ولهذا جُعلت ليلة القدر في الثلث الأخير من الشهر، كما تعطى الجوائز في الخواتيم، ولم تجعل بعده حتى تقع في زمنه الفاضل على جميع الأزمنة، ولتكون الجائزة في الزمن الذي نزل فيه القرآن، فهي من بركات القرآن العظيم. وكأنها من جهة أخرى أيضًا والله أعلم احتفالًا بنزول القرآن، ولهذا يوزع الله تعالى في ليلة هذا الاحتفال من أفضاله، وعطائه، وإكرامه، وجوائزه، وهباته، وحبائه، ما لا يوزع في غيرها، فيغفر الذنوب، ويضاعف الثواب، ويجزل العطاء.

 

ولهذا -والله أعلم- تتنزَّل الملائكة في هذا الاحتفال العظيم، وينزل معها الروح وهو جبريل الذي نزل بالقرآن، فهو الذي يقود هذا الاحتفال، ولهذا عطفه الله عن الملائكة عطف الخاص على العام، في قوله: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر:4]، فهي الليلة التي تحتفل فيها السماء بنزول القرآن، فيهبط عليه السلام وحوله الملائكة فيها، ويبقون في الأرض حتى يطلع الفجر.

 

وأحسب -والله أعلم- أنَّ كلَّ ملك نزل مع آيات الكتاب، أو نزل بنصر الكتاب، ينزل تلك الليلة، ولولا أن يكون الناس أمة واحدة فيؤمنون جميعًا، وتذهب حكمة الامتحان المبْني على الإيمان بالغيب، لرأى الناس هذا الاحتفال العظيم، ولرأوا أنوار السماء تملأ الأرض ابتهاجًا بنزول القرآن العظيم. وكأنَّ ملائكة الله تعالى تنزل في الأرض لتسبح الله على إنزاله كلامه العليِّ المقدَّس على أهل الأرض، مع غناه عنهم، ووقوع المعاصي منهم، إنزاله كلامه الذي هو صفة من صفاته العلية، من فوق العرش المجيد، ليهديهم سبل السلام، قال تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة:16].

 

ولهذا يُلقى في الأرض السلام في هذا الاحتفال العظيم، قال تعالى: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر:5]، وهو شعارُ الإسلام الأكبر، ومنه اشتقَّ اسم الإسلام، دين الله تعالى الذي ارتضاه، وهو دين الأنبياء جميعًا، وهو اسم جنةِ عدنٍ التي هي منتهى الإسلام، وغاية منهجه. ولهذا شُرع لأهل الإسلام أن يحضروا هذا الاحتفال السماوي العظيم، بإحياء هذه الليلة بتلاوة القرآن، والاتصال بالسماء، لتتذكر هذه الأمَّة أن رسالتها سماوية، ترد الناس إلى أصلهم الذي خلق في السماء، وسكن الجنة ليعود إليها، وهو آدم عليه السلام، وتترفَّع عن كلِّ الوشائج السفليّة الأرضية، وأنَّ ثقافتها موحدة للبشر جميعًا في إطار إخوة الإيمان بالله تعالى، ثقافة منزَّهة عن التعصُّب العرقي، والتمييز العنصري.

 

فتُسمع في بيوت الله تعالى وفي أرجاء الأرض كلُّها آياتُ القرآن تُتلى من المؤمنين، تحفُّهم ملائكة السماء التي تملأ الأرض، إيذانًا بأن الرحمة والسلام باقيان في الأرض ما بقي فيها كلام الله تعالى يتلى، حتى إذا أذن الله تعالى بزوال الأرض والسموات، رفع أولا كلامه، فلا تبقى آية في مصحف، ولا في صدر أحد إلاَّ رفعت ثم تقوم القيامة، كما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه بسند صحيح عند الدارمي وغيره.

 

وقد خُبِّئت هذه الليلة العظيمة بين ليالي العشر حتى يشرئبُّ لها العاملون، ويتشوق إليها المتشوّقون، ويجتهد في طلبها المجتهدون، ذلك أنَّ من طبيعة النفس الإنسانية أنها إلى ما تتوقعه ولا تدري متى هو ألهف، وإلى ما تتنظره في كلِّ لحظة أشوف. ولهذا قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن هذه الليلة العظيمة الجليلة: «أَتَاكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مِرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ » (صحيح الجامع:55).

فنسأل الله أن لا يحرمنا خيرها، وأن يرزقنا فضلها، وأن يستجيب دعاءنا، وأن يغفر لنا فيها جميع ذنوبنا. آمين.

حامد بن عبد الله العلي

أستاذ للثقافة الإسلامية في كلية التربية الأساسية في الكويت،وخطيب مسجد ضاحية الصباحية