اقتران الخوف والجوع في القرآن حكم وأسرار

منذ 2014-06-14

إن الظالمين المستبدين إذا أرادوا أن يُمْعِنُوا في عذاب شعب سلبوا منه هاتين النعمتين، معتقدين أنهم بذلك يستطيعون أن يسيطروا على شعوبهم، وأنَّى لهم ذلك، فما قامت ثورة من الثورات إلا بسبب فقد إحدى هاتين النعمتين أو كلاهما، وما ثورة الخبز، وثورة الجوع، وثورة تونس... وغيرها؛ إلا بسبب ذلك.. وقد جعل الإسلام ضمان الاحتياجات الغذائية أو ما يُعرف بحد الكفاية (الأمن الغذائي)؛ من واجبات المجتمع والدولة نحو أفرادها...

مَنْ تدبر في آي القرآن وجد تلازماً وثيقاً في عدد من آياته بين الأمن ورغد العيش من جهة، وبين الخوف والجوع من جهة أخرى، وقد قرن الله سبحانه وتعالى بينهما، وهما نعمتان من أعظم النعم التي تشبع حاجتين أساسيتين من حاجات البشر، وهما:

1 - الكفاية من العيش.

2 - والأمن من الخوف.

قال تعالى ممتناً على قريش: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش:3-4].

وقال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْـجُوعِ وَالْـخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل:112].

وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْـخَوْفِ وَالْـجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة:155].

 

وشر ما يبتلى به مجتمع أن يُسلب هاتين النعمتين، فيصاب بالجوع والخوف، وهما من أكبر النعم الدنيوية الموجبة لشكر الله تعالى (السعدي: [935]).

 

ومن هنا نفهم أن عدم توافر الأمن الغذائي هو سبب عدم توافر الأمن الاجتماعي في معظم المجتمعات.

بل إن الظالمين المستبدين إذا أرادوا أن يُمْعِنُوا في عذاب شعب سلبوا منه هاتين النعمتين، معتقدين أنهم بذلك يستطيعون أن يسيطروا على شعوبهم، وأنَّى لهم ذلك، فما قامت ثورة من الثورات إلا بسبب فقد إحدى هاتين النعمتين أو كلاهما، وما ثورة الخبز، وثورة الجوع، وثورة تونس... وغيرها؛ إلا بسبب ذلك.

 

وقد جعل الإسلام ضمان الاحتياجات الغذائية أو ما يُعرف بحد الكفاية (الأمن الغذائي)؛ من واجبات المجتمع والدولة نحو أفرادها الذين لا يملكون الاحتياجات الأساسية، حتى يستقيم أمر الدنيا والدين. ويوضح ذلك الإمام الغزالي بقوله: "فالمقتصر على قدر الضرورة والمهم لا يجوز أن ينسب إلى الدنيا، بل ذلك القدر من الدنيا هو عين الدين؛ لأنه شرط الدين والشرط من جملة المشروط" (العيادي: ص[305]).

 

وقد حافظ الخلفاء من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على تأمين الاحتياجات الغذائية الضرورية، وعُرف ذلك في عهد مروان بن الحكم بطعام الجار، حيث يعطى للمحتاجين في شكل صكوك يستلمونه من بيت المال، وكان بيت المال فيه مخازن للطعام تصرف للمحتاجين وقت الحاجة.

 

ومن هنا يُفهم أن توفير الأمن الغذائي يعد المدخل لتحقيق الأمن الاجتماعي. وإن التزام المجتمع، ممثلاً في الدولة، بواجبه نحو أفراده بضمان الحد الأدنى من الأمن الغذائي أو ما يعرف بحد الكفاف، هو الحد الأدنى مما يجب أن يلتزم به من العقد الاجتماعي بينه وبين الأفراد، والشرط الأساسي لالتزام الأفراد بذلك العقد والتقيد بما فيه من قواعد الضبط الاجتماعي. وفي حالة عجز المجتمع عن توفير الأمن الغذائي والاحتياجات الغذائية الضرورية لأي سبب من الأسباب، يجد الأفراد أنفسهم في حِلٍّ من الالتزام بذلك العقد الاجتماعي وما يتضمنه من قواعد لتحقيق الضبط والأمن الاجتماعي،

 

ولا أدل على ذلك من أن الإسلام يبيح بعض المحظورات ويعطل بعض أحكام الشريعة الإسلامية في حق الجائع، قال الله تعالى: {إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْـمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَـحْمَ الْـخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل:115]. وعندما انتشرت المجاعة وتدهور الأمن الغذائي واشتدت حاجة الناس للطعام في عام الرمادة، لم يطبق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حد السرقة.

 

بل إن الرسول الكريم كان يستعيذ من الجوع، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ» (سنن أبي داود: باب؛ في الاستعاذة، [1549]، وقال الألباني: حديث صحيح).

 

أَيْ بِئْسَ الصِّحَاب الْجُوعُ الَّذِي يَمْنَعُك مِنْ وَظَائِف الْعِبَادَات كَالسُّجُودِ وَالرُّكُوع. وَقَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "الْجُوع يُضْعِفُ الْقُوَى وَيُشَوِّشُ الدِّمَاغ فَيُثِيرُ أَفْكَارًا رَدِيَّةً وَخَيَّالَات فَاسِدَة، فَيُخِلُّ بِوَظَائِف الْعِبَادَات وَالْمُرَاقَبَات، وَلِذَلِكَ خَصَّ بِالضَّجِيعِ الَّذِي يُلَازِمُهُ لَيْلًا" (عون المعبود: [4/ 406]).

 

 

اقتران الجوع والخوف في الحديث النبوي

عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» (سنن ابن ماجه: الزهد، [4141]، وقال الألباني: حديث حسن).

 

أي: من جمع الله له بين عافية بدنه وأمن قلبه حيث توجه وكفاف عيشه بقوت يومه وسلامة أهله، فقد جمع الله له جميع النعم التي من ملك الدنيا لم يحصل على غيرها، فينبغي أن لا يستقبل يومه ذلك إلا بشكرها بأن يصرفها في طاعة المنعم لا في معصية ولا يفتر عن ذكره، فكأنما أعطي الدنيا بأسرها (فيض القدير: [6/ 88]).

 

فيجب على كل فرد أو شعب تتوافر له هاتان النعمتان أن يشكر ربه عليهما، فالشكر حافظ للنعم.

 

وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: "قَالَ فَتًى مِنَّا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، رَأَيْتُمْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَصَحِبْتُمُوهُ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا ابْنَ أَخِي، قَالَ: فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نَجْهَدُ، قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَدْرَكْنَاهُ مَا تَرَكْنَاهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ، وَلَجَعَلْنَاهُ عَلَى أَعْنَاقِنَا، قَالَ: فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالْخَنْدَقِ، وَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ اللَّيْلِ هَوِيًّا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ: «مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرَ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ يَشْرُطُ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ يَرْجِعُ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ»، فَمَا قَامَ رَجُلٌ، ثُمَّ صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَوِيًّا مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ: «مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرَ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ، ثُمَّ يَرْجِعُ يَشْرِطُ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرَّجْعَةَ، أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ»، فَمَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ مَعَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَشِدَّةِ الْجُوعِ، وَشِدَّةِ الْبَرْدِ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ دَعَانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يَكُنْ لِي بُدٌّ مِنَ الْقِيَامِ حِينَ دَعَانِي، فَقَالَ: «يَا حُذَيْفَةُ، فَاذْهَبْ فَادْخُلْ فِي الْقَوْمِ فَانْظُرْ مَا يَفْعَلُونَ، وَلاَ تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنَا» 

 

، قَالَ: فَذَهَبْتُ فَدَخَلْتُ فِي الْقَوْمِ، وَالرِّيحُ وَجُنُودُ اللهِ تَفْعَلُ مَا تَفْعَلُ لاَ تَقِرُّ لَهُمْ قِدْرًا، وَلاَ نَارًا وَلاَ بِنَاءً، فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لِيَنْظُرْ امْرُؤٌ مَنْ جَلِيسُهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَخَذْتُ بِيَدِ الرَّجُلِ الَّذِي إِلَى جَنْبِي، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ، ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّكُمْ وَاللَّهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ لَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ، وَأَخْلَفَتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ، وَبَلَغَنَا عَنْهُمُ الَّذِي نَكْرَهُ، وَلَقِينَا مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ مَا تَرَوْنَ، وَاللَّهِ مَا تَطْمَئِنُّ لَنَا قِدْرٌ، وَلاَ تَقُومُ لَنَا نَارٌ، وَلاَ يَسْتَمْسِكُ لَنَا بِنَاءٌ، فَارْتَحِلُوا فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ، ثُمَّ قَامَ إِلَى جَمَلِهِ وَهُوَ مَعْقُولٌ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ فَوَثَبَ عَلَى ثَلاَثٍ، فَمَا أَطْلَقَ عِقَالَهُ إِلاَّ وَهُوَ قَائِمٌ، وَلَوْلاَ عَهْدُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لاَ تُحْدِثْ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي، ثُمَّ شِئْتُ لَقَتَلْتُهُ بِسَهْمٍ، قَالَ حُذَيْفَةُ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي مِرْطٍ لِبَعْضِ نِسَائِهِ مُرَحَّلٍ، فَلَمَّا رَآنِي أَدْخَلَنِي إِلَى رَحْلِهِ، وَطَرَحَ عَلَيَّ طَرَفَ الْمِرْطِ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ وَإِنَّهُ لَفِيهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، وَسَمِعَتْ غَطَفَانُ بِمَا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، فَانْشَمَرُوا إِلَى بِلاَدِهِمْ" (مسند أحمد: حديث حذيفة بن اليمان، [23382]. تعليق شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح، وهذا إسناد حسن).

 

فانظر إلى هذا الحديث وما يدل عليه من أن شدة الجوع وشدة الخوف كانتا سبباً من أسباب ضعف الاستجابة لندب الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله عنهم للإتيان بخبر القوم مع توافر ضمانات العودة ودخول الجنة ورفقة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 

فلا تنتظر من شعب سُلِبَت منه هاتان النعمتان أن يقوم بنهضة أو إقالة عثرة، ما لم يقم بنفسه بانتزاع هاتين النعمتين ممن سلبهما منه، مضحياً في سبيل ذلك بالغالي والنفيس، كما قال الله سبحانه وتعالى: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد من الأية:١١]، وكما قال جلَّ في علاه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال:53].

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

توفيق علي زبادي

 

المصدر: مجلة البيان