تراجع رأس من رؤوس تغريب المرأة في مصر واعترافه بخطئه!

منذ 2014-08-10

إن الذين يُغررون بالمرأة لتزج بنفسها في المجالس النيابية والسياسية إنما يهيئون بذلك عندها عقدة نفسية، تقوم على أنها ظُلمت في الغابر، وتُظلم في الحاضر، لاستلابها حقوقها، وحرمانها من أعمال هي أحق بها، وعلى ذلك تُشحن صدور النساء بلون من ألوان الضغينة على الرجال، وتثار عندهن نزعات لضروب من المنافسة والانتقام، لإسقاط الرجل من منـزلته ودرجته.. ولو تأمل النساء وأنصارهن ممن يتسلون بذكر الأحلام، وترويج الأوهام، لوجدوا أن القضية التي يتوهمونها في تقدير حقوق النساء ليس فيها ما يسوّغ القول بذلك..

كان من قدر الباحث الأديب المفكر الدكتور (منصور فهمي) أن يقول في بعض الشؤون الخاصة بالمرأة ما ثبت له بعد الدراسة المتأنية خطأ ما كرره من قبل، فرجع عن كل ما قال، وكتب من الصفحات المشرقة الوضيئة ما يكتبه المؤمن الملتزم الغيور، وكان على المنصفين أن يقدروا له طويل بحثه، ومواصلة تفكيره، حتى رست سفينته على الجودي مطمئنة سالمة! ولكن فريقاً ممن أحزنهم أن يرجع إلى الحق، أخذوا يرمونه بالدروشة أحياناً، وبالوصولية أحياناً، وقد عزّ عليهم أن يكون الدكتور العلامة البحّاثة معارضاً لأهوائهم ومجانباً تطرّفهم المادي، فأفِكُوا وأضلوا، ومضى الرجل في طريقه الجديد ذائداً عن الحق، مدافعاً عن الصواب، متغافلاً عما يدور حوله من أراجيف، أما كيف كان ذلك بدءًا وخاتمة، فهذا ما نوجزه في هذه السطور:

ولد (منصور فهمي) سنة 1886م في إحدى قُرى الدقهلية ونشأ في أسرةٍ ميسورة ذات ظل من الجاه، فحفظ بعض سور القرآن الكريم، ثم التحق بمدرسة المنصورة الابتدائية، وانتقل إلى القاهرة، فنال الشهادة الثانوية وانتسب لكلية الحقوق، وكان الظن به أن يُتمَّ دراسته القانونية، ولكن مسابقةً بين الطلاب أُعدت لاختيار بعثة علمية لباريس، وكان الشاب أحد المختارين لهذه البعثة العلمية، فسافر إلى فرنسا، واتصلت دراسته خمس سنوات، نال بعدها شهادة الدكتوراه في موضوع (المرأة في الإسلام) وهو موضوع لم تكتمل للدارس فيه ثقافةٌ إسلامية يردُ إليها من ينابيعها الصحيحة.

وقد أشرف على الرسالة المستشرق اليهودي! (ليفي بريل)، وهو من الذين يرون الإسلام حائلاً دون التقدم الفكري والحضاري، لا عن بحثٍ في أصول الإسلام، بل عن تعصُّب عُرفت به طائفة من المستشرقين أخذت تهاجم كل ما يتصل بالإسلام، وكان تأخر المسلمين في ظل الاستعمال الأوروبي أحد بواعث هذا الهجوم الظالم، إذ نُسب التأخر للإسلام، لا لابتعاد المسلمين عن تعاليم دينهم، وقد كانوا سادة الأرض حين التزموا بها صادقين، والحق أن سفر الشاب الناشئ دون استعدادٍ علمي يقيه نزوات التعصب مما يعصف بثباته أمام أساتذة يتشحون بلباس العلم ظاهراً، ومن أغراضهم أن يُورِثوا البلبة في نفوس بريئة لم تعرف كيد الأهواء، لذلك كان من الضروري أن يلمَّ المبعوث بتعاليم دينه ليكون مسلحاً بالأدلة الصادعة، والبراهين القاطعة.

فلو كان منصور فهمي ذا ثقافة إسلامية ركينة لاستطاع أن يعصف بتوجيهات أستاذه، ولكنه ظن الأستاذية مخلصةً في اتجاهها، فتورط في تسجيل أمور بعيدة عن تعاليم الإسلام، ونسبها إلى الدين الحنيف في صورة الناقد.

وكانت محنةٌ انجلت غشاوتها عن عين (منصور) حين رجع إلى مصر، وقرأ من الردود المنطقية ما أدرك به هوّته السحيقة، فتاب عما أسلف، وأعلن أنه كان مخطئاً أكبر الخطأ، وانضم إلى الجمعيات الإسلامية مؤازراً معضداً، وله في كل أسبوع خطبة موجهة، وفي كل صحيفة توجيه سديد.

ومن شجاعة الدكتور منصور فهمي، أنه كان يقرر في أحاديثه ومقالاته نقداً لتورطه السابق، متخذاً منه العبرة حين يتحدث للشباب حديث من يحذرهم عواقب الاندفاع، وكانوا يعجبون بصراحته، لأن الإسلام أعز عليه من نفسه..

كما أنه سجّل في مقالات عدة خواطره الناقمة على تسرعه المتعجل، وأنقل على سبيل المثال ما كتبه في مجلة (حياتك) الصادرة في ديسمبر سنة 1958م حيث قال: "كانت رسالتي في الدكتوراه عن المرأة في الإسلام، واندفعتُ أكتبُ بحرارة الشباب المندفع، ويظهر أني انحرفت قليلاً حيث كانت معلوماتي عن الإسلام طفيفة، وحين قُوبلت في مصر بضجة كبرى ازددتُ عناداً، ولكن الله كتب لي أن أجلس طويلاً مع بعض مشايخ العلماء، من ذوي الأفق الواسع، والصدر الرحيب؛ من أمثال: (الشيخ حسونة النووي، والشيخ مصطفى عبد الرازق، والشيخ علي سرور الزنكلوني)، هؤلاء الذين يمثلون عالم الدين الحقيقي في عقولهم وعلومهم، فبدأتُ أتخلَّص من الزيغ، لأعود إلى حظيرة الدين والحمد لله".

ثم قال في موضع آخر نجده في مجلة (لواء الإسلام) شوال سنة 1378هـ: "لقيتُ المرحوم الشيخ حسونة النووي حين زرته في منـزله، فوجدتُ شيخاً وقدراً يملأُ القلب بمهابته وتقواه، وكنتُ أسمع الكثير عن شجاعته وهمته، واستهانته بشؤون الدنيا، فلما قُدِّمتُ إليه، قال لي: أأنت الذي يُقالُ عنك: إنك ملحدا ! فقلتُ: نعم يا مولاي، فربت على كتفي، وقال لي: (اقرأ القرآن، اقرأ البخاري إن لم تكن قرأته)، فوعدتُ الشيخ الوقور بذلك، ولما خرجتُ استحييتُ ألا أفي بعهدي، فعكفتُ على قراءة البخاري، وعجبتُ لغفلتي الأولى؛ وجدتُ حكماً ونظماً، وأخذتُ أقارن ذلك بما درست في فلسفة، فوجدت ما جاء به (محمد) صلى الله عليه وسلم أعلى من كل فلسفة، وأن الإلهام الصادق يبدو في كل حديث، فلم أجد إلا أن أقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله".

وفي مجلة (الرسالة) (العددان:405،406) تحدث بإفاضة عن مآسي التبذل، وتبرير الاختلاط بحجة التعرف إلى الزوج المنتظر، مع أن ذلك متعذرٌ؛ لأن الزوج المرتقب لا يرضى بمبتذلة، كما أشار إلى فساد الذوق في ارتداء الملابس المثيرة، واتخاذ الأصباغ اللافتة...

وختم بقوله: "وليس من شك في أن هذه الحالة التي تواضع الناس على تسميتها بالحياة العصرية حيناً، وبحالة التجديد حيناً آخر، تتنافى مع التقاليد الأصيلة فينا، وقد تسللت إلى مصر مع غفلة الزمن وضعف الشخصية والولوع بالمحاكاة، وقد شعر الكثيرون منا بخطر هذا الحال الاجتماعي، وأخذوا يثورون عليه سرّا، وفي استحياء، على حين أن دعاة من صميم الغرب قد دعوا جهرة إلى الحد من خروج المرأة عن نطاق عملها، ودائرة نشاطها".

ومن أبرز ما قاله: ما نشره تحت عنوان (المرأة والعروبة) وقد سُجل في مجموعة (أبحاث وخطرات) حيث تعرض لما يُقال عن حقوق المرأة السياسية، فقرر أن المرأة باعتبارها أنثى تختص بأمور لا يشاركها فيها الرجل، ومهما قامت بأعمال الرجل فطابعُ الأنثى يكوّن هذه الأعمال بصبغتها الخاصة، ولو نزعت المرأة من الرجل ما يصلح له من الأعمال، لبقيت لها أعمالها التي لا يجيدها الرجل بحال..

وقد أفاض في هذه الناحية بما كان تمهيداً لقوله بعد ذلك: "وحسبي أن أقول إن الذين يُغررون بالمرأة لتزج بنفسها في المجالس النيابية والسياسية إنما يهيئون بذلك عندها عقدة نفسية، تقوم على أنها ظُلمت في الغابر، وتُظلم في الحاضر، لاستلابها حقوقها، وحرمانها من أعمال هي أحق بها، وعلى ذلك تُشحن صدور النساء بلون من ألوان الضغينة على الرجال، وتثار عندهن نزعات لضروب من المنافسة والانتقام، لإسقاط الرجل من منـزلته ودرجته.. ولو تأمل النساء وأنصارهن ممن يتسلون بذكر الأحلام، وترويج الأوهام، لوجدوا أن القضية التي يتوهمونها في تقدير حقوق النساء ليس فيها ما يسوّغ القول بذلك، فليست تنجلي من مغانم أو مغارم بين عنصرين حليفين يتمم بعضها بعضاً كشركاء في حاجات هذا الوجود ومستلزماته، وهذه المعركة التي تقوم بين النساء وخصومهن، في ميدان حقوق المرأة معركة مصنوعة أو صورة تمثيلية تهيئها الأيدي العابثة، مما أدخل في مجتمعنا المصري فصلاً يُسمى بحقوق المرأة، وأقل ما يقال عنه إنه زوبعة في فنجان.

وفي رأيي أن التقاليد السليمة الإسلامية التي تُستخلص من فهم الإسلام على حقيقته، ومن مصادره السليمة هي أولى التقاليد التي يجب أن تتخذ لصيانة المرأة من مفاسد المدنية الزائفة، والزمن المضطرب الآثم، ومن ثم تصان العائلة التي هي الخلية الأولى للحياة البشرية، وإني لا أجهل أن في النساء من بلغن شأواً في أفق السياسة، ونلن الدرجات في فنون الحقوق والطب والرياضة والفلسفة والطيران، ولكن كل ما تبرز فيه من ناحية، وتصرف فيه من جهدٍ، إنما يُخصم من رصيدها في تقويم العائلة، والعائلة هي مأواها الأول، ومرمى الإنسانية المتطلعة للكمال، فكل خروج بالمرأة في أعمال المجتمع هو مطروح من حساب خصائص العائلة وتراحمها وتساكنها" (النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين، للدكتور محمد رجب البيومي، 5/390404باختصار).

يُعلق الأستاذ شكري فؤاد على هذا التحول الموفق لمنصور فهمي فيقول: "بعد أن تحدث عن رسالته عن المرأة : "ولكن الملفت للنظر هو موقفه بعد ذلك من المرأة، فمع أنه اختتم رسالته في فقرتها الأخيرة (ص:141) بقوله: (لا يسعني إلا أن أنحني أمام ذكرى الكاتب المصري (قاسم أمين) الذي بذل حياته في سبيل قضية تحرير المرأة، والذي خطفه الموت قبل أن يتمكن من التمتع بنتيجة أعماله)! فإنه في مقالاته وأحاديثه يرى أنه من الباطل والخديعة والتمويه أن تتساوى المرأة مع الرجل في كل شئون الحياة الاجتماعية وأعمالها، وأنه من التملق إليها أن تهون لها الحقوق السياسية والتشريعية والحزبية فتساق إلى المطالبة بمراكز الحكم والنيابة..

ويرى أن الخير للمرأة ألا تخرج من ميدان البيت وما يزيد في بهجته وإشراقه، ومن ميدان الأمومة وتربية الأولاد وتعهدهم بحسن التنشئة، ومن ميدان الزوجية والسهر على راحة الزوج وأمور الولادة والتمريض وما يتصل به مما تتفوق فيه المرأة على الرجل لاتصاله بطبيعتها، وأنه إذا تغلب فوز المرأة بما تصانع من حقوق موهومة فذلك كتغلب الإظلام على الضياء..

وكأنما يشعر منصور فهمي بما في هذا الموقف من تناقض مع موقفه السابق فيقول: (قد يرميني البعض بالتقهقر وبالرجعية المغالية، وقد يبدو له فيما ذكرته ما يمثل ذهنية العصور الخوالي التي ذهبت بلا رجعة! ولكن الباعث إلى كتابة ما كتبت لا يرجع إلى سوء تقدير للمرأة وإنما مرده الإيمان بالعائلة التي هي الدعامة الكبرى لحياة البشر إذا فسدت يفسد، فعندي أن العائلة هي الركاز الأول في سلام الإنسان، والمرأة هي عميدة هذا الركاز الأول، وكل أمر يشغلها عن مركزها في العمادة إنما هو تفويت لما تنشده الإنسانية من خير وسلام، وكل خروج بالمرأة إلى أعمال المجتمع هو محسوب ومطروح من حساب خصائص العائلة وتراحمها وتساكنها)" (منصور فهمي باشا وكتابه عن وضع المرأة في الإسلام، مجلة الهلال، عدد ربيع الأول 1424هـ، بقلم شكري فؤاد، ويُنظر كتاب الأستاذ أنور الجندي رحمه الله: المعارك الأدبية، 329333 لمعرفة مادار حول رسالته من ردود فعل).

تعليق:
عفى الله عما سلف، ولعل في حياة منصور عبرةً لمن اشتط به الحماس في قضية تغريب المرأة المسلمة من الصحفيين والكتاب، ممن توهم أنها قطب رحى تطور هذه الأمة -فأصبح لها يحيا وعليها يموت-، وإنما هي عثرة من العثرات التي أوقعها فيها أعداؤها ودعموها، وأصلوها في أذهان أصحاب النفوس المريضة، وأزوهم عليها أزًا، وأشغلوهم بها عن كل تقدم أو تطور حقيقي يرتقي بالأمة ويُخلصها من التبعية لهم .
والله الهادي..