الساعة آتية لا ريب فيها

منذ 2015-01-01

أعلن رب العزة لعباده في كتابه المنزل منذ أربعة عشر قرناً أن الساعة قد اقتربت، وآن أوان وقوعها، فقال تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1].

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

قبل الكلام عن هذه الوقفة؛ لابد أن نعلم أن الإيمان بيوم القيامة أصل من أصول الإيمان، كما قال تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة:177]، {وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً} [النساء:162].

وقد جاء في حديث جبريل عليه السلام الطويل وفيه: «أخبرني عن الإيمان؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر».

ثم جاء القرآن يؤكد على حقيقة الساعة، وأنها آتية لا ريب فيها، فقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} ﴾ [الحج:6-7].

وقال تعالى: {وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر:85].

فالله تعالى يؤكد في هذه الآية على وقوع الساعة بمؤكدات منها: "إن" و"اللام".

بل يقسم النبي صلى الله عليه وسلم بأنها آتية؛ فقال تعالى:  {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [سبأ:3].

وقال تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل:1]، وقد عبَّر الله بصيغة الماضي الدال على التحقيق والوقوع لا محالة (تفسير ابن كثير: [2/543]) فالساعة آتية، ولا بد من الرجوع إلى الله تعالى والعرض عليه؛ كما قال تعالى: {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الروم:11].

وقال تعالى: {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور:64].

وأُحذِّر نفسي وإياكم من هذا اليوم العصيب، وأُذَكِّركم بقوله تعالى: {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [لقمان:33].

الساعة قريبة:

أعلن رب العزة لعباده في كتابه المنزل منذ أربعة عشر قرناً أن الساعة قد اقتربت، وآن أوان وقوعها، فقال تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1].

وانشقاق القمر إحدى الأمارات الدالة على قرب وقوعها، ولما كانت الساعة قد اقتربت قرباً عظيماً؛ فإن القرآن يصور أنها أتت وحضرت {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل:1].

وأخرج البخاري ومسلم أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين، كفَضْلِ إحداهما على الأخرى، وضمَّ السَّبَابَة والوُسْطَى».

إن بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشراط السَّاعة، وكذلك موته صلى الله عليه وسلم؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم لعوف بن مالك رضي الله عنه كما في (صحيح البخاري): «اُعْدُد ستاً بين يدي الساعة: مَوْتِي».

واعلم أخي الحبيب أن كل ما هو أتٍ قريب.

قال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني: "والإخبار عن قربها -أي: الساعة- من مبعثه صلى الله عليه وسلم يحتمل أنه إخبار عن قربها عند الله تعالى، وإن كانت بعيدة في المدة؛ ردَّاً لقول المشركين بأنه لا قيام لها، وإليه أشار قوله تعالى:  {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً . وَنَرَاهُ قَرِيباً} [المعارج:6-7]، فإنه أخرج عبد بن حميد عن الأعمش: {يَرَوْنَهُ بَعِيداً}
قال: الساعة". اهـ.

وممَّا يدل على اقتراب الساعة قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام أحمد والطبراني:  «بُعِثْتُ أنا والساعة جميعاً إن كادت لتسبقني» (قال الحافظ صلى الله عليه وسلم في (الفتح) [11/348]: وسنده حسن).

فهذا الحديث يدل على شدة قربها من بعثته صلى الله عليه وسلم، حتى خشي سبقها له، وهذا إن دلَّ فإنما يدل على شدة القرب.

وقفة:

لو كان البشر يوقنون بما أنزل الله بقلب مبصر، وعقل حاضر مدرك؛ لَهَالَهُم الأمر، وملك عليهم نفوسهم، ولذلك كان حالهم عجباً، الخطر قريب قريب؛ ومع ذلك فإنهم غافلون عن الهول الذي يكاد يطبق عليهم، ويحيط بهم {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ . مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} [الأنبياء:1-3]؛ ولذا فإنه قد كثر في القرآن تحذير العباد من الساعة، والأمر بالاستعداد لها، وعبَّر عنها بالغد، وهو اليوم التالي لليوم الذي تعيش فيه {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر:18].

ومع هذا الإنذار باقتراب الساعة وتحذير الناس من نسيان هذه الحقيقة، وحثهم على الاستعداد لتلك اللحظة؛ إلا أنك تجد الناس قد غرَّتهم الأماني، فتجدهم أكثر حرصاً على الدنيا، وأشد غفلة عن الآخرة، وهذا ما أخبر به الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج الحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقتربت الساعة ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصاً، ولا يزدادون من الله إلا بُعداً»". (صحيح الجامع: [1146]).

تنبيه:

عند الكلام على اقتراب الساعة ينبغي أن نتنبه إلى النسبية الزمانية إن ما ورد في نصوص الوحيين من قرب قيام الساعة، وظهور أماراتها لا يعني أنها على الأبواب، فإن القرب والبعد كلاهما أمر نسبي، ومَن يدري لعل بيننا وبينها آلافاً من السنين لا يعلمها إلا الله، ولعلها أقرب مما نتصور؟! قال تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى:17]، وقال تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} [الأحزاب:63] وفي معناهما في سياق الرد على منكري البعث والإعادة قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً} [الإسراء:51]، وفي التعبير عن قربه بـ (لعل)، و(عسى) ما يناسب عدم إِطْلَاع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على وقته، ولا شك أن قرب ذلك اليوم الذي مقداره من مبدئه إلى غايته خمسون ألف سنة مناسب له؟ ولما تقدَّم من عمر الدنيا، وبقي منه، فالقرب والبعد من الأمور النسبية، والمراد: قربها بالنسبة إلى ما مضى من عمر الدنيا، ولا يعلمه إلا الله تعالى.
(تفسير المنار: [9/393]).

قال الله تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا} [محمد:18].

وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بأصبعيه هكذا، الوسطى والتي تلي الإبهام، وقال: «بُعِثْتُ أنا والسَّاعةُ كهاتين»" (البخاري ومسلم).

وفي رواية أخرى عند البخاري أن الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين» ويشير بأصبعين فيمدهما.

والمعنى أننا لو قدَّرنا عمر الزمن بالأصبع الوسطى، فإن ما بقي منه عند مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم يكون بمقدار ما تزيد الوسطى عن السبابة، وما مضى منه بمقدار السبابة من الأصبع الوسطى، قد يكون الباقي في حِسِّ البشر طويلاً؛ لأن إدراكهم محدود، ونظرتهم قاصرة، ولكنه في ميزان الله قريب وقصير {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل:1]، {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل:77].

والأحاديث النبوية الشريفة تشير إلى هذه الحقيقة التي بينَّاها هنا، ففي (صحيح البخاري ومسلم) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  «إنما أجلكم فيمن مضى قبلكم من الأمم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس» وفي لفظ: «إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس».

وأخرج الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنه قال: "كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم والشمس على قُعَيْقِعان (قُعَيْقِعان: بضم القاف الأولى وكسر الثاينة، بلفظ التصغير: وهو جبل بمكَّة في جنوبها بنحو اثنى عشر ميلاً، وسمى قُعَيْقِعان: لأن جُرْهُماً لما تحاربوا كثرت قعقعة السلاح هناك) بعد العصر، فقال: «ما أعماركم من أعمار مَن مضى إلا كما بقي النهار وفيما مضى منه» (ويظهر أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم هذا كان في حجة الوداع أو في غزوة فتح مكة، والأول أظهر، وذلك للحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنه: "أنه كان واقفاً بعرفات، فنظر إلى الشمس حين تدلَّت مثل التُّرس للغروب؛ فبكى واشتد بكاؤه، فقال له رجل عنده: "يا أبا عبد الرحمن، قد وقفت معي مراراً لم تصنع هذا؟"، فقال: ذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بمكاني هذا، فقال: «أيها الناس. إنه لم يبقَ من دنياكم فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه»")".

إن الحديث يمثل الوجود الإنساني بيوم من أيام الدنيا، ابتدأ وجود الأمة الإسلامية فيه عند العصر، فيكون الماضي من عمر الوجود الإنساني بنسبة ما مضى من ذلك اليوم من الفجر إلى العصر، ويكون الباقي من عمر الزمن حتى تقوم الساعة كما بين العصر والمغرب، وذلك أن النصوص صريحة الدلالة على أننا آخر الأمم وجوداً، وأن نهاية وجود هذه الأمة يتحقَّق بقيام الساعة.

والأمر الذي ينبغي أن ينتبه إليه أن الباقي من الدنيا قليلٌ بالنسبة لما مضى منها، فإنك إذا وضعت لمَن لك عليه دين أجلاً طويلاً، كأن توجله خمسين عاماً مثلاً، فإذا انقضى من الخمسين خمسة وأربعون، فيكون موعد السداد قد اقترب بالنسبة لما مضى من الموعد المضروب.

وفي الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم وكذا الإمام أحمد في (مسنده)عن خالد بن عمير رضي الله عنه قال: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، فإن الدنيا قد آَذَنَتْ بِصرمٍ (صَرْم: انقطاع وانقضاء وذهاب) وولَّت حَذَّاء (حَذَّاء: خفيفة سريعة) ولم يبقَ منها إلا صُبَابَةٌ (الصُّبَابة: البقية اليسيرة من الشراب، تبقى في أسفل الإناء كصُبَابةِ الإناءِ، يتصابُّهَا صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دارٍ لا زوال لها فانتقلوا منها بخير ما يحضرنكم»".

فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال هذا قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، فهمنا من هذه النصوص وغيرها أن قرب الساعة قُرْبٌ نِسْبِيٌّ، أي: هي قريبة بالنسبة إلى عمر الدنيا كلها.

وقال الله تعالى في شأن الساعة: {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} [الأعراف:187].

وهذا يُفّسِّره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على لسان عيسى عليه السلام الساعة وقرب وقوعها: إنها «كالحامل المُتِمِّ التي لا يدري أهلها متى تفجؤُهُم بِوِلادِها ليلاً أو نهاراً» (رواه الإمام أحمد وصحَّحه أحمد شاكر صلى الله عليه وسلم ).

والقول الجامع للآية، والحديث: إن الثقل هو الاقتراب بصورة ثابتة للحق على الرغم من تغير مراحل هذا الاقتراب؛ تماماً مثل الجنين الذي يتغير كل يوم من حالٍ إلى حال، ولكنه مُتَّجِه نحو الولادة، فلا يخرج التغير اليومي على التوجه للولادة، وكما لا تنفصل الولادة عن لحظة الجماع الأولى، لا تنفصل الساعة عن بدء الخلق.

والله تعالى أعلى وأعلم  والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

(انظر القيامة الصغرى لعمر سليمان الأشقر: ص 121 -123، فقه أشراط الساعة لمحمد بن إسماعيل المقدم).

 

ندا أبو أحمد