قصة التدريب

منذ 2014-09-18

على يد الوالدين يتدرب الطفل على مهارات الحياة المتنوعة؛ فيها يتعلم كيف يتكلم بوضوح ويحسّن مخارج ألفاظه، وفيها يتعلم كيف ينوّع نبرات صوته، ويستخدم الحركات التعبيرية المناسبة لإبلاغ مراده.

الأسرة لبنة المجتمع الأولى ومحضن التربية الأول، والأهم ففيها تتشكل الشخصيات وتنمو القدرات، وتدرب المهارات سواء في ما قبل عمر المدرسة في سني الطفولة الأولى، أو في ما بعد المدرسة على امتداد العمر، فعلى يد الوالدين يتدرب الطفل على مهارات الحياة المتنوعة؛ فيها يتعلم كيف يتكلم بوضوح ويحسّن مخارج ألفاظه، وفيها يتعلم كيف ينوّع نبرات صوته ويستخدم الحركات التعبيرية المناسبة لإبلاغ مراده.

 

فيها يتدرب على العادات الغذائية الصحيحة،  والعناية بالنظافة الشخصية.

فيها يتدرب على إدراك انفعالاته وعواطفه وتوجيهها.

فيها يتدرب على حل مشكلاته مع إخوانه وأفراد أسرته، والمجتمع حوله.

فيها يتدرب على التعبير عن ذاته..

فيها يتدرب على إدارة وقته وتنظيم جدوله.

فيها يتدرب على تنمية هواياته من خلال اللعب والتوجيه..

فيها يتدرب على القراءة ومهارات التلخيص..

فيها يتدرب على مهارات الاستذكار الصحيحة..

فيها يتدرب على المسؤولية وكيفية تحملها..

 

فيها يتدرب على أنواع من المهارات الحرفية، فالبنت تتعلم أصول الطبخ كوالدتها وأساسيات في تدبير المنـزل.. ويتدرب الولد على ما يجيد والده من الحرف وما يمارس من مهام أو هوايات.. ولكن ما واقع هذا التدريب الأسري، وما هي مخرجاته في ضوء انحسار دور الأسرة في المجتمع الحديث؟

 

لنتابع معًا تاريخ وواقع الأسرة..

انفصلت الأسر الصغيرة عن جذورها فقلّت أو انعدمت صورة الأسرة الكبيرة، التي يعيش فيها الأبناء بعد الزواج قريبًا من الأسرة، بحيث يكثر عدد المربين للنشء وتتوزع المسؤوليات بينهم، وتزيد أوقات تفرغ الوالدين للأبناء، ومشاركتهم لعبهم وطعامهم وهواياتهم، والإشراف على دراستهم وتقويم سلوكهم وتدريب مهاراتهم.

 

من وجه آخر ازداد حجم البيوت، وكثر عدد الغرف، وزادت المسؤوليات الحياتية العامة لتدبير شؤون هذا المنـزل الكبير، والإشراف على نظامه ونظافته، والكد من أجل تحصيل المال اللازم لتوفير احتياجاته وتغطية مصاريفه، وتناثر الأبناء في الغرف، وكونوا خصوصيات مستقلة، وعوالم خاصة، وقلت أوقات الاجتماع الأسري، وقلت المواقف الحياتية المشتركة.. ومن ثم قلّت فرص التعليم بالقدوة، والتعليم بالأحداث الواقعية، والتعليم بالترفيه.. بل وقلت التوجيهات وفرص التدريب والمتابعة، وتكوين الاتجاهات ورعاية المهارات، وكان النتاج الغالب الذي ازدادت نسبته بشكل ملحوظ أبناء لا يمثلون والديهم! وقد لا ينتمون لفكر العائلة وتوجهاتها العامة.

 

وماذا عن المؤسسة الثانية في عالم التدريب (المدرسة).

تتكون المدرسة من هيئة تعليمية وإدارية اختارت أن العمل فيها لتسهم في رسالة التربية، وتشرف على بناء شخصيات الأجيال وإكمال مشوار تربيتهم وتدريبهم على جميع مهارات الحياة، وإكسابهم المزيد من المعارف والعلوم والارتقاء بفكرهم، وطريقة تفكيرهم ودعم اتجاهاتهم الإيجابية، وتقديم نماذج حية من القدوة أمامهم وتقويم سلوكياتهم.

 

كانت المدارس تحظى بنخبة من حملة رسالة التربية، يشرف عليهم فريق من تربويين وتربويات استشعروا عظيم المسؤولية، وعظيم الأجر في مهنتهم التربوية.. ولكن! هل هذا هو واقع مدارسنا؟ للأسف فكثير من المدارس تتكون من هيئة تعليمية وإدارية لا تحمل رسالة التعليم السامية، وإنما كان الانضمام إليها رغبة في طبيعة الدوام أو طريقة العمل، أو كم الأجر المدفوع.

 

فغابت الأهداف الكبرى.. وأصبحت المدرسة -إلا ما رحم ربي- لا تحقق الأهداف المنشودة، فلا تعليم ينمي التفكير، ولا تربية تنطلق من القيم والغايات العظمى، وضاعت رسالة التعليم والتدريب بين تضييع الأمانة من المسؤولين، وتوفر بيئة تعلم الكسل والشغب وتنحدر بالاهتمامات والأخلاق، بدلاً من أن ترفعها وتحافظ عليها، وكانت المخرجات أجيال تحمل كتبًا على ظهورها، ولا تحمل علمًا في صدورها، وتحفظ كمًا ولا تطبق قيمًا.

 

ومن ثم.. كبرت الحاجة إلى التدريب وازداد الطلب، فأنشأت مراكز التدريب والاستشارات، وتزايدت أعدادها بشكل كبير وما زالت تزداد،  إذ كلما زاد الطلب زاد العرض وتنوع، ودخل من هذا الباب تجار، ودخل أدعياء، لم يدرسوا الطلب دراسة وافية، ولم يرسموا خطة صحيحة لتقويم المسيرة، وتوفير الاحتياج، وإنما انتهزوا فرصة حاجة الطالبين الذين قد يتعلقون بأدنى أمل، ويقبلون على أي عرض دون أن يتحققوا من أنه حقًا ما يحتاجون، وأن فيه علاج مشكلاتهم وسد متطلباتهم..!

 

دورات لتطوير الذات.. وأخرى للمهارات.. وثالثة لحل المشكلات.. ورابعة.. وعاشرة..

وتعلق بخيط الوعد بالتميز آلاف من الكبار والصغار، ليخرجوا من الواقع المرير الذي خلفه تقصير المؤسسات التدريبية الأولى (الأسرة والمدرسة).

 

واليوم وبعد مضي عقد من الزمان على طفرة دورات التنمية البشرية، نقف لنفحص المخرجات، لنرى وبكل أسف! أن أموالاً كثيرة أهدرت، وأوقات كثيرة ضاعت، ولم يتحقق المنشود.. فقد بيع الوهم في سوق التدريب! قيل للمتدربين أنهم متميزون وأنهم في الحقيقة ممتازون، وأن المشكلة كانت فقط في طريقة تعامل المسؤولين عنهم، الذين لم يكتشفوا تميزهم فأحبطوهم، وأن كل ما يحتاجوه أن يرددوا: نحن متميزون.. نحن قادة مؤثرون، وهكذا بين عشية وضحاها تحولت جموع المتدربين إلى مدربين! واقعهم يؤكد ضعف المهارات، وقلة الكفاءات، ولكن سيرهم الذاتية تزدحم بعدد الشهادات وكثرة الاعتمادات!

 

فهل آن الأوان لكي نقف وقفة جادة مع هذا الكم من مراكز التدريب، ومن الدورات التدريبية، لنفحص الغث من السمين، وندعم التدريب الصحيح الذي يلبي حاجاتنا الحقيقية، ونكشف قناع التدريب الزائف الذي يهدر أوقاتنا، ويضعف تمييزنا ويمرض تفكيرنا، بل قد يتخطى ذلك كله ليعبث بعقولنا، ويخلخل ثوابتنا، ويثلم توحيدنا كالدورات التي تدور حول مفاهيم وفلسفة الطاقة البشرية، وتتبنى تطبيقاتها المتنوعة.  

 

لا شك أننا بحاجة إلى هذه الوقفة؛ لحاجتنا إلى تدريب لا سيما وقد فرض واقع الحياة المعاصرة علينا أعباء مضاعفة من وراء كثرة المشاكل، وتداخل الواجبات وتزايد المسؤوليات، وتشعبها مع ما ذكرناه من انحسار دور الأسرة وغياب رسالة المدرسة.

 

ولا شك أننا بحاجة إلى أن نتواصى بالعمل على إصلاح مؤسسات التدريب الأولى، التي إن مارست مهمتها بإخلاص تحقق المراد، وتحول واقع أبنائنا وأجيالنا وأمتنا إلى ما نأمل ونرجو من الرفعة والعزة.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

فوز بنت عبد اللطيف كردي

دكتوراه فلسفة التربية والدراسات الإسلامية، تخصص العقيدة والمذاهب المعاصرة. جامعة الملك عبد العزيز بجدة