الفن وإفساد المرأة المسلمة

منذ 2014-09-27

كل هذا العبث الذي يعرض على العقول باسم الفن يحتاج إلى مراجعة من كافة القوى والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية إذا أردنا أن ننهض بالمجتمع وأن نرتقي بالأجيال القادمة.

الفن هو أحد الأدوات التي يعبر الإنسان من خلالها عن مشاعره وأفكاره، فالعمل الفني تجسيد لفكرة ما بأحد الأشكال التعبيرية، ومن ثم فهو رسالة تحاول أن تؤثر في تفكير وقناعات المتلقي، وتعزز أو تعدل من سلوكه، وهو بهذا الاعتبار أحد مصادر التربية والتوجيه في المجتمعات. ومن هنا كانت خطورة الفن ودوره في المجتمع.

وتزداد هذه الخطورة إن تيسرت للفن الأدوات والوسائل التي  تمكن المضامين الفنية من غزو العقل والتسرب إلى اللاوعي، بغض النظر عن طبيعة الأفكار والرسائل التي تحملها هذه المضامين، فالإنسان عندها  يبدو عاجزًا عن رفضها، ويصبح مسلوب الإرادة خاصة إذا لم يكن يحمل من الثقافة والفكر ما يمكنه من مقاومة هذه المضامين.

الفن واللاوعي:

يقول ويلسون براين كي، صاحب كتاب (خفايا الاستغلال الجنسي في وسائل الإعلام): "المفهوم الثري لحرية الإرادة قد تم إفساده وخصخصته. ربما من الصعب تصديق أن هذه التقنيات التي انتشرت بشكل واسع واستخدمت لسنوات، أنها تقوم بالسيطرة على السلوك بشكل غير مرئي، وتقوم على حصر أنظمة القيم الأساسية، وتقوم على إدارة الحافز البشري وتوجيهه لخدمة بعض القوى الخاصة.. إثارة اللاوعي في الفن -غالبًا- مرتبطة بالمزاج (الغرائز). نظريات عديدة عن المزاج في الواقع مرتبطة بالأحداث غير المرئية في اللاوعي. والأكثر من ذلك هو أننا جميعًا نستمتع بكوننا مخدوعين، وبكوننا ضحايا نتيجة انخداعنا وتوهماتنا".

إذا أدركنا هذه الحقيقة، فإننا ندرك حجم المخاطر التي يشكلها على مجتمعاتنا ما يعرض في التلفاز والسينما من أفلام ومسلسلات تحمل مضامين في معظمها سلبية وهدامة. تشكل وعي المجتمع وتؤثر في سلوك أفراده.. في كتابه (لفن الواقع والمأمول - قصص توبة الفنانين والفنانات) للدكتور خالد بن عبد الرحمن بن علي الجريس يستعرض فيها كيف يقوم الفن بإفساد المرأة، وأهم المضامين التي يحملها الفن في مجتمعاتنا خاصة بالنسبة للمرأة وهي كما يلي:

الفن وإفساد المرأة

أولًا: جعل المرأة عنوانًا للحب والجنس:

لقد عمد أهل الفن إلى استغلال المرأة باسم الفن، فخدشوا بذلك حياءها، وجعلوها نبع إثارة لا يتوقف، بنظراتها المغرية وبنبرة صوتها الخاضعة، وبسائر مفاتنها؛ وذلك لتحقيق أهداف هابطة لا صلة للإنسانية بها. فدمروا الأخلاق والسلوكيات من خلال التعلق بالحب والهوى، فتعلقت المرأة عمومًا بذلك -وبخاصة من كانت في سن المراهقة منهن- حتى صار إنشاء علاقات غرامية مع الجنس الآخر أمرًا حتمًا لازمًا لتحقق الحب وكسب ثقة صديقاتهن والتفاخر بذلك لديهن، وقد اكتسبن في الواقع خبرة عملية من الفن، ذلك بعرضه لأساليب التعارف ولطرق ترتيب لقاءات، ونصب الشباك للإيقاع بالجنس الآخر بعبارات جذّابة مغرية وحركات فاتنة.

تقول الفنانة نسرين: "أعمالنا الفنية تعلّم الناس عصيان الوالدين، وتعلم البنت المراهقة كيف تقابل شابًا بغير علم أهلها".

ترى ما المتوقع من المرأة المسلمة والمراهقة بخاصة عندما تسمع كلمات بطل المسلسل الغزلية العابقة بالإثارة تُشنّف آذان محبوبته؟
وما شعورها؟ وهي تسمع الفنان يقول للفنانة: مواهبك مدفونة تحت الهُدوم (الملابس)؟


إن التكرار المملّ لهذه العبارات على مسامع النساء، يجعلهن أسيرات لهذا السلوك، حيث يزداد إعجابهنَّ مرة بعد مرة بالكلمات المعسولة، فتنزلق أقدامهن في مهاوي الشقاء والرذيلة والخيانة، عند أول واقع يصادفهن مشابه لما ألِفْن سماعه.

ناهيك عن مظاهر العري، والإغراء الجنسي الهابط والمسمى فنًا!! نعم، هو فن إلا أنه فنٌ رخيص مبتذل، يدل ولا شك على افتقار هذه الأعمال إلى أفكار بناءة وقيم نبيلة، وعلى الإفلاس الفكري والعجز الفني لصانعه، فضلًا عما فيه من إيذانٍ بحرب ضروس على القيم الدينية والأخلاقية.

يتساءل ضياء الدين بيبرس في مؤتمر نوقشت فيه آفاق النقد السينمائي في التسعينات بقوله: "إذا اقتضى الأمر المفاضلة بين طاعة لله تعالى، وضرورة توظيف جسد المرأة لخدمة الفن الدرامي فأي الطريقين على السينما أن تختار؟!" ويتابع تساؤله قائلًا: "هل لا بد من التعري وتحدي شريعة الله لزرع قيم نبيلة؟ أو أن تعرية الممثلات في المسرح والسينما هو في الحقيقة عجز فني؟".

إنه عجزٌ فني إن قُصد به الفن، ولكن الحقيقة جلية، فالتعري رسالة موجّهة لكل بيت، ولكل امرأة مسلمة لتدمير كل فضيلة دينية وقيمة اجتماعية نبيلة.


إن المرأة المسلمة وهي تسمع وترى هذه المشاهد الرخيصة، تراها ولا شك تدخل في صراع بين واقعها الفاضل وواقع الفن المُشين وأهله. صراعات يومية متتالية بين الحق والباطل، حتى يجد الانحراف أخيرًا مكانًا له في عقلية المرأة وسلوكها؟

ثانيًا: اتخاذ المرأة وسيلة لترويج السلع:

تقدم الإعلانات عن السلع التجارية نماذج إغرائية من فتيات مراهقات، وقد جعلن العمل في الإعلانات بوابة الدخول لعالم الفن، وحتى تثبت الفتاة جدارتها، فإنها تقوم باستعراض مواهبها الفاتنة، حتى لو أدى ذلك إلى استغلال تلك المواهب في سبيل الإعلان عن صابون مثلًا، أو حفائظ للأطفال، أو مبيدات حشرية!!

إنه إسفافٌ بالمرأة -أي إسفافٍ- واستهانة بمكانتها السامية في المجتمع، ووضع لها في مكان لا يليق بها، حيث امتزجت مكانة المرأة وعفتها وجسدها بالسلع، فصار المشاهد يسأل: "أهذا الإعلان للسلعة أم للجنس المصحوب بالأزياء المبتذلة ومستحضرات التجميل (الماكياج)؟!".

لقد أكّدت دراسة علمية أن 85% من إعلانات تلفاز قُطْر عربي وأجهزة إعلام أخرى في هذا القطر، تعتمد على صورة الأنثى الجذّابة المثيرة للترويج، وتضرب على وتر الجنس الحساس.

وكما لا يخفى أن من أثر هذه الإعلانات المروّجة اندفاع المرأة المعاصرة إلى الإسراف والاستهلاك الزائد للسلع، متأثرة بذلك المقدار الهائل منها، وهي تركز على جعل المرأة مستهلِكةً لشتى صنوف البضائع غَيورًا شديدة الغَيْرة من صديقاتها، لترهق بذلك كاهل الرجل (الزوج)، بما يسهم إسهامًا فاعلًا في إعراض كثير من الشباب بدورهم عن الزواج ومسؤولياته.

ثالثًا: تشويه صورة المرأة المسلمة للتنفير منها:

لقد صوّر الفنّ المرأة المسلمة وكأنها الجهل بعينه، أو التعصّب المقيت، أو أنها المرأة المتدينة انطلاقًا من العادات والتقاليد وحسب، ولم يقدّمها على أنها المربّية التي تُعدّ الرجال والمؤتمنة على أشرف رسالة.

تقول الداعية زينب الغزالي: "إن صورة المرأة المسلمة التي تظهر في المسلسلات -حتى الإسلامية منها- هي صورة شوهاء، لا تمثّل من قريب ولا من بعيد المرأة المسلمة، لأنها تظهر في المسلسل صورة امرأة جاهلية تحارب الإسلام وأسسه ونظمه، وقد رأيت ذلك وشاهدته في مسلسل (محمد رسول الله). وبهذا ينطبع في أذهان النساء عامة كلُّ ما هو مشوّه عن المرأة المسلمة".

وترى سعاد الجار الله (من الكويت) أن الصورة المشوهة للمرأة العربية المحافظة تغرس في المُشاهِد تصوّرًا سلبيًا تجاه المرأة ومن ذلك:
[1]- أن المرأة لا تتحلّى بقيم أخلاقية ثابتة تنبثق من دينها.
[2]- أن شخصيتها ضعيفة مقلّدة للمرأة الغربية وأن نظرتها للأمور مادية.
[3]- أنها لا تستشعر أهمية دورها في الأسرة والمجتمع، فهي تلهث من أجل تحقيق ذاتها نتيجة لتأثرها بمفاهيم غربية تتنافى مع مفهوم الحديث الشريف: «كلكم راعٍ، وككلم مسؤول عن رعيته» (متفق عليه).

كما أنها تبدو كدمية جميلة يمكن أن تكون وسيلة للهو والعبث والمتعة، وهذا غزو فكري خطير يقصد به تشويه الصورة الإنسانية للمرأة بعامة، كما صورتها الإسلامية بخاصة.


رابعًا: توجيه اهتمام المرأة نحو الأناقة النسائية:

تتبارى الفنانات في تقديم كل ما هو مستجدّ في عالم الأزياء، فيعرضن كل ما يبهج النفوس الضعيفة، وبشتى الألوان والمقاييس، ومن الملحوظ أن ذلك المرض قد استوطن في نفوس أهل الفن، فما من فنانة إلا لديها مئات من الفساتين وتوابعها، وعندما تنكشف خصوصيات بعضهن تجد العجب العجاب، من سوء السريرة وشراسة السلوك! فما الداعي لكل هذا العبث؟

لقد أَذن الإسلام للمرأة بالتجمّل وجعل لذلك ضوابط لا تتخلف، كي لا تكون فتنة، فندب لها القرار في المنزل، ومنعها من التبرّج، قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزَاب:33]، وحذّرها من التعطر، عند الخروج من المنزل، ولعن من تشبهت منهن بالرجال، بل إنّ ثياب الشهرة والخيلاء منهي عنها بقوله صلى الله عليه وسلم: «من جر ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (أخرجه مسلم).

والإسراف والتبذير وكسر قلوب الفقراء، كل ذلك من المنهيات، وهي موجودة -وبوضوح- عند أهل الفن، ولقد حذا حذوهم في ذلك بعض اللائي اندثر كيانهن الخاص انبهارًا بالفنانات، فصرن عديمات الشخصية، ووقعن في حب التقليد الأعمى، فأرهقن أنفسهن بمتابعة (الموضات) وجعلن الأسواق مرتعًا لهن، بما ضاعف الأعباء المالية على الزوج، وأخيرًا -وأسفاه- خرجن عن سنن الدين والحياء بأثر من الفن الرخيص.


يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: "وما قيمة ثوب وسيم على خُلق دميم، وما معنى أن تكون المرأة قبيحة الباطن جميلة الظاهر، لذلك أوصى القرآن الكريم بلباس التقوى فهو أشرف وأزكى"، قال تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ } [الأعرَاف:26].


خامسًا: دعوة المرأة إلى تحقيق الذات:

لقد حرّض الفن المرأة على رفض واقعها المصون وما خُلِقت له، فحبب إليها كثرة الخروج من بيتها لِتُحقق ذاتها -بزعمهم- ولتنطلق إلى الحياة العملية في شتى المجالات، حتى المعمارية منها والصناعية وشتى الأعمال المهنية التي لا تتناسب وخِلْقتها وكرامتها، وقد أدى ذلك -كما هو مشاهد- إلى إحداث خلل بالغ في أداء رسالتها في رعاية بيت زوجها، فتبدأ بذلك المآسي الاجتماعية المتتالية التي تؤثر ابتداء بالأولاد، ثم بالزوج والأسرة، وانتهاء بالمجتمع كله.

إن المرأة التي قُدِر عليها رزقُها، أو ألجأتها الضرورة للعمل لتكون عَضُدًا لزوجها، أو لتعيل أطفالها من بعده، أو لتسد ثغرة في الوظائف المختصة بالمرأة في المجتمع، هذه وأمثالها لسن بالطبع محلًا للنقد هنا، إلا أن الأمر متوجه لمن تأثر منهن بالفنانات وأفكارهن، فخرجت عن رسالتها المرسومة لها، وعن المسار الصحيح لدورها، ابتغاء غرض دنيوي، فلتنظر هذه التي فتنت بأهل الفن، كم ذاقت المرأة الغربية والعربية التي ترسّمت خطاها، كم ذاقت ذلًا ومهانةً واستغلالًا بأبشع الصور، حتى صارت سلعة رخيصة بأيدي التجار، وأشبه بأَمَةٍ، وبألعوبة بأيدي أرباب الأعمال، فهل ترضى المرأة بهذا المصير، الذي لا نرضاه نحن لها؟!


سادسًا: محاولة إظهار الرجل دومًا بصورة المتسلط المنتزع من المرأة حقوقها، وذلك لإضعاف المعنى الحق للقوامة.


سابعًا: تشويه مقومات بناء الأسرة المستقرة؛ وحث المرأة على مخالفة هدي الإسلام، كالقرار في البيت، والقيام بتربية الأولاد، والمتوخى من ذلك ولا ريب هدم البيوت وتفتيت الأسرة.


ثامنًا: المحاربة المستميتة لمسلّمات شرعية، كإباحة تعدد الزوجات، وفرضية الحجاب، ووجوب ترك الاختلاط بالرجال الأجانب، ما يؤدي بالضرورة إلى تشويه الصورة النقية للإسلام في أذهان العامة، بل إشغال أهل الذكر من المسلمين، في إثبات شرعية هذه الأمور، وتبيان الحكمة منها، عسى أن يتم إقناع المجتمعات بذلك فيما بعد.

كل هذا العبث الذي يعرض على العقول باسم الفن يحتاج إلى مراجعة من كافة القوى والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية إذا أردنا أن ننهض بالمجتمع وأن نرتقي بالأجيال القادمة.

 

 

المصدر: موقع لها أونلاين