الأحكام السلطانية للماوردي - (58) أحكام الغنيمة (2)

منذ 2014-10-11

فَلَمَّا رَكِبَ الْبَحْرَ قَالَ لَهُ صَاحِبُ السَّفِينَةِ: أَخْلِصْ قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ فِي الْبَحْرِ إلَّا الْإِخْلَاصُ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَئِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ فِي الْبَحْرِ إلَّا الْإِخْلَاصُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ.

الباب الثاني عشر: "في قسم الفيء والغنيمة"

فصل: أحكام الغنيمة (2)

فَأَمَّا الْغَنِيمَةُ فَهِيَ أَكْثَرُ أَقْسَامًا وَأَحْكَامًا؛ لِأَنَّهَا أَصْلٌ تَفَرَّعَ عَنْهُ الْفَيْءُ، فَكَانَ حُكْمُهَا أَعَمَّ.

وَتَشْتَمِلُ عَلَى أَقْسَامٍ: أَسْرَى، وَسَبْيٌ، وَأَرْضِينَ، وَأَمْوَالٌ.

فَأَمَّا الْأَسْرَى: فَهُمْ الْمُقَاتِلُونَ مِنَ الْكُفَّارِ إذَا ظَفَرَ الْمُسْلِمُونَ بِأَسْرِهِمْ أَحْيَاءَ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِمْ؛ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ مَنِ اسْتَنَابَهُ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ فِي أَمْرِ الْجِهَادِ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ، إذَا أَقَامُوا عَلَى كُفْرِهِمْ فِي الْأَصْلَحِ مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: إمَّا الْقَتْلُ، وَإِمَّا الِاسْتِرْقَاقُ، وَإِمَّا الْفِدَاءُ بِمَالٍ أَوْ أَسْرَى، وَإِمَّا الْمَنُّ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ فِدَاءٍ[1].

فَإِنْ أَسْلَمُوا سَقَطَ الْقَتْلُ عَنْهُمْ، وَكَانَ عَلَى خِيَارِهِ فِي أَحَدِ الثَّلَاثَةِ[2]، وَقَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الْقَتْلُ أَوْ الِاسْتِرْقَاقُ أَوْ الْمُفَادَاةُ بِالرِّجَالِ دُونَ الْمَالِ، وَلَيْسَ لَهُ الْمَنُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ الْقَتْلُ أَوْ الِاسْتِرْقَاقُ، وَلَيْسَ لَهُ الْمَنُّ وَلَا الْمُفَادَاةُ بِالْمَالِ؛ وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ، قَالَ تَعَالَى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد من الآية:4] ، وَمَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي عَزَّةَ الْجُمَحِيِّ[3] يَوْمَ بَدْرٍ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَلَّا يَعُودَ لِقِتَالِهِ فَعَادَ لِقِتَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأُسِرَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: اُمْنُنْ عَلَيَّ فَقَالَ: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ»[4]، وَلَمَّا قَتَلَ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ بِالصَّفْرَاءِ بَعْدَ انْكِفَائِهِ مِنْ بَدْرٍ لَمَّا اسْتَوْقَفَتْهُ ابْنَتُهُ قُتَيْلَةُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَأَنْشَدَتْهُ قَوْلَهَا "مِنَ الْكَامِلِ":

يَا رَاكِبًا إنَّ الْأُثَيْلَ مَظِنَّةٌ *** عَنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ

أَبْلِغْ بِهِ مَيْتًا فَإِنَّ تَحِيَّةً *** مَا إنْ تَزَالُ بِهَا الرَّكَائِبُ تَخْفُقُ

مِنِّي إلَيْهِ وَعَبْرَةٌ مَسْفُوحَةٌ *** جَاءَتْ لِمَائِحِهَا وَأُخْرَى تُخْنَقُ

أَمُحَمَّدٌ يَا خَيْرَ ضِنْءِ كَرِيمَةٍ *** فِي قَوْمِهَا وَالْفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ

النَّضْرُ أَقْرَبُ مَنْ قَتَلْتَ قَرَابَةً *** وَأَحَقُّهُمْ إنْ كَانَ عِتْقٌ يُعْتَقُ

مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا *** مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ سَمِعْتُ شِعْرَهَا مَا قَتَلْتُه»[5]، وَلَوْ لَمْ يَجُزِ الْمَنُّ لَمَا قَالَ هَذَا؛ لِأَنَّ أَقْوَالَهُ أَحْكَامٌ مَشْرُوعَةٌ.

وَأَمَّا الْفِدَاءُ: فَقَدْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِدَاءَ أَسْرَى بَدْرٍ وَفَادَى بَعْدَهُمْ رَجُلًا بِرَجُلَيْنِ، فَإِذَا ثَبَتَ خِيَارُهُ فِيمَنْ لَمْ يُسْلِمْ بَيْنَ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ، تَصَفَّحَ أَحْوَالَهُمْ وَاجْتَهَدَ بِرَأْيِهِ فِيهِمْ.

فَمَنْ عَلِمَ مِنْهُ قُوَّةَ بَأْسٍ وَشِدَّةَ نِكَايَةٍ وَيَئِسَ مِنْ إسْلَامِهِ، وَعَلِمَ مَا فِي قَتْلِهِ مِنْ وَهَنِ قَوْمِهِ قَتَلَهُ صَبْرًا مِنْ غَيْرِ مُثْلَةٍ.

وَمَنْ رَآهُ مِنْهُمْ ذَا جَلَدٍ وَقُوَّةٍ عَلَى الْعَمَلِ، وَكَانَ مَأْمُونَ الْخِيَانَةِ وَالْخَبَاثَةِ اسْتَرَقَّهُ؛ لِيَكُونَ عَوْنًا لِلْمُسْلِمِينَ.

وَمَنْ رَآهُ مِنْهُمْ مَرْجُوَّ الْإِسْلَامِ أَوْ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، وَرَجَا بِالْمَنِّ عَلَيْهِ إمَّا إسْلَامَهُ أَوْ تَأْلِيفَ قَوْمِهِ مَنَّ عَلَيْهِ وَأَطْلَقَهُ.

وَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ ذَا مَالٍ وَجَدَّةٍ وَكَانَ بِالْمُسْلِمِينَ خُلَّةٌ وَحَاجَةٌ، فَأَدَّاهُ عَلَى مَالٍ وَجَعَلَهُ عُدَّةً لِلْإِسْلَامِ وَقُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ.

وَإِنْ كَانَ فِي أَسْرَى عَشِيرَتِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ فَأَدَّاهُ عَلَى إطْلَاقِهِمْ، فَيَكُونُ خِيَارُهُ فِي الْأَرْبَعَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَحْوَطِ الْأَصْلَحِ، وَيَكُونُ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ فِي الْفِدَاءِ غَنِيمَةً تُضَافُ إلَى الْغَنَائِمِ، وَلَا يُخَصُّ بِهَا مَنْ أُسِرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَعَ فِدَاءَ الْأَسْرَى مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ إلَى مَنْ أَسَرَهُمْ قَبْلَ نُزُولِ قَسْمِ الْغَنِيمَةِ فِي الْغَانِمِينَ: وَمَنْ أَبَاحَ الْإِمَامُ دَمَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِعِظَمِ نِكَايَتِهِ وَشِدَّةِ أَذِيَّتِهِ، ثُمَّ أُسِرَ جَازَ لَهُ الْمَنُّ عَلَيْهِ وَالْعَفْوُ عَنْهُ.

قَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ سِتَّةٍ عَامَ الْفَتْحِ وَلَوْ تَعَلَّقُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، كَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ لَهُ: «اُكْتُبْ غَفُورٌ رَحِيمٌ» فَيَكْتُبُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، ثُمَّ ارْتَدَّ فَلَحِقَ بِقُرَيْشٍ، وَقَالَ: إنِّي أَصْرِفُ مُحَمَّدًا حَيْثُ شِئْتُ، فَنَزَلَ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [الأنعام من الآية:93].

وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، كَانَتْ لَهُ قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِسَبِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْحُوَيْرِثُ بْنُ نُفَيْلٍ، كَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِقْيَسُ بْنُ حُبَابَةَ، كَانَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ قَتَلَ أَخًا لَهُ خَطَأً فَأَخَذَ دِيَتَهُ ثُمَّ اغْتَالَ الْقَاتِلَ فَقَتَلَهُ، وَعَادَ إلَى مَكَّةَ مُرْتَدًّا وَأَنْشَأَ يَقُولُ "مِنَ الطَّوِيلِ":

شَفَى النَّفْسَ أَنْ قَدْ بَاتَ بِالْقَاعِ مُسْنَدًا *** يُضَرِّجُ ثَوْبَيْهِ دِمَاءُ الْأَخَادِعِ

وَكَانَتْ هُمُومُ النَّفْسِ مِنْ قَبْلِ قَتْلِهِ *** تُلِمُّ فَتُحْفِي عَنْ وِطَاءِ الْمَضَاجِعِ

ثَأَرْتُ بِهِ قَهْرًا وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ *** سَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابَ فَارِعِ

وَأَدْرَكْتُ ثَأْرِي وَاضْطَجَعْتُ مُوَسَّدًا *** وَكُنْتُ عَنْ الْإِسْلَامِ أَوَّلَ رَاجِعِ

وَسَارَةُ مَوْلَاةٌ لِبَعْضِ بَنِي الْمُطَّلِبِ، كَانَتْ تَسُبُّ وَتُؤْذِي، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، كَانَ يُكْثِرُ التَّأْلِيبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَبًا لِثَأْرِ أَبِيهِ.

فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، فَإِنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَأْمَنَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ أَعَادَ الِاسْتِئْمَانَ ثَانِيَةً، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: «مَا كَانَ فِيكُمْ مَنْ يَقْتُلُهُ حِينَ أَعْرَضْتُ عَنْهُ». قَالُوا: هَلَّا أَوْمَأْتَ إلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟ قَالَ: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ»، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ[6] فَقَتَلَهُ سَعْدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ[7]، وَأَمَّا مِقْيَسُ بْنُ صَبَابَةَ[8] فَقَتَلَهُ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَأَمَّا الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُفَيْلٍ فَقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ صَبْرًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: «لَا يُقْتَلُ قُرَيْشِيٌّ بَعْدَ هَذَا إلَّا بِقَوَدٍ».

وَأَمَّا قَيْنَتَا ابْنِ خَطَلٍ فَقُتِلَتْ إحْدَاهُمَا وَهَرَبَتْ الْأُخْرَى حَتَّى اُسْتُؤْمِنَ لَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّنَهَا، وَأَمَّا سَارَةُ فَتَغَيَّبَتْ حَتَّى اُسْتُؤْمِنَ لَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّنَهَا، ثُمَّ تَغَيَّبَتْ مِنْ بَعْدُ حَتَّى أَوْطَأَهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَسًا لَهُ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْأَبْطَحِ فَقَتَلَهَا، وَأَمَّا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَإِنَّهُ سَارَ إلَى نَاحِيَةِ الْبَحْرِ وَقَالَ: لَا أَسْكُنُ مَعَ رَجُلٍ قَتَلَ أَبَا الْحَكَمِ يَعْنِي: أَبَاهُ، فَلَمَّا رَكِبَ الْبَحْرَ قَالَ لَهُ صَاحِبُ السَّفِينَةِ: أَخْلِصْ قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ فِي الْبَحْرِ إلَّا الْإِخْلَاصُ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَئِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ فِي الْبَحْرِ إلَّا الْإِخْلَاصُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ فَرَجَعَ، وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ بِنْتُ الْحَارِثِ قَدْ أَسْلَمَتْ وَهِيَ أُمُّ حَلِيمٍ، فَأَخَذَتْ لَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَانًا، وَقِيلَ: بَلْ خَرَجَتْ إلَيْهِ بِأَمَانِهِ إلَى الْبَحْرِ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ»[9]، فَأَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسْأَلُنِي الْيَوْمَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَيْتُكَ».

__________

(1) قال أبو الحسن المالكي: ويتخيّر الإمام فيهم بين ثلاثة أوجه: الاسترقاق والعتق والفداء، ويجتنب قتل الرهبان، وقتل الأحبار، ويشترط في عدم قتل الأوالين على المشهور أن ينقطِعَا عن أهل ملتهمًا حبسًا في دير أو صومعة، ومعنى: فلا يخالطاهم في رأي ولا يعيناهم في تدبير ومشورة، ويكونان حرين لا يسترقان، ويترك لهما ما يقوم بهما (كفاية الطالب: [2/ 9]).

وقال الرجراجي: إذا غنم من العدو ذوي القوة من الرجال فالإمام مخيَّر فيهم في خمسة أشياء: القتل او الجزية أو الفداء أو المنِّ أو الاسترقاق، وأمَّا النساء فإن كففن أذاهم عن المسلمين ولزمن من قعر بيوتهن فلا خوف في تحريم قتلهن، وإن شرعن في مدح القتال وذم الفرار، فإن قاتلن وباشرن السلاح فلا خلاف في جواز قتلهنّ، في حين القتل في المسايفة لوجود المعنى المبيح لقتلهن، وكذلك أيضًا يباح قتلهن بعد الأسر إذا قتلن، فإن رمين بالحجارة ولم يظهرن النكاية ولا قتلن أحدًا فلا يقتلن بعد الأسر اتفاقًا (مواهب الجليل: [3/ 351]).

(2) يقول الفيروزابادي الشيرازي من الشافعية: وإن أسر حرّ فللإمام أن يختار فيه ما يرى المصلحة من القتل والاسترقاق والمن والمفاداة بمال أو بمن أسر من المسلمين، فإن استرقَّه وكان له زوجة انفسخ نكاحها، وإن أسلم في الأسر سقط قتله، وبقي الخيار في الباقي في أحد القولين، ويرقّ في القول الآخر، وإن غرر بنفسه في أسره فقتله الإمام أو من عليه ففي سلبه قولان: أحدهما أنه لمن أسره، والثاني أنه ليس له، وإن استرقه أو فاداه بمال فهل يستحق من أسره رقبته، أو المال المفادى به فيه قولان، وإن حاصر قلعة فنزل أهلها على حكم حاكم جاز، ويجب أن يكون الحاكم حرًّا مسلمًا ثقة من أهل الاجتهاد ولا يحكم الحاكم إلّا بما فيه الحظ للمسلمين منَ القتل والاسترقاق والمنّ والفداء (التنبيه: ص [234]).

(3) أبو عزة الجمحي، شاعر، واسمه عمرو بن عبد الله.

(4) صحيح: (رواه البخاري في كتاب الأدب [6133]، ومسلم في كتاب الرقائق [2998]).

(5) والخبر ذكره ابن خلكان في وفيَّات الأعيان، وابن طيفور في بلاغات النساء.

(6) هو عبد الله بن عبد مناف بن أسعد بن جابر بن كبير بن تيم بن غالب، وهو الذي يقال له: ابن خطل، الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله يوم فتح مكة؛ وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقتل (انظر: نسب قريش).

(7) هو نضلة بن عبيد بن الحارث، أبو برزة الأسلمي، غلبت عليه كنيته، واختلف في اسمه، فقيل: نضلة بن عبد الله بن الحارث، وقيل: عبد الله بن نضلة، وقيل: سلمة بن عبيد، والصحيح الأول، أسلم قديمًا، وشهد فتح مكة، ثم تحوَّل إلى البصرة، ثم غزا خراسان ومات بها أيام يزيد بن معاوية، أو في آخر خلافة معاوية.

(8) مقيس بن صبابة الكناني، أمه صبابة بنت مقيس بن قيس بن عدي بن سهم بن عمرو بن هصيص، وأبوه حزن بن سيار بن عبد الله بن عبيد بن كلب بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وعداده في قريش في بني سهم، وكان مع أخواله بني سهم، ورأى منهم بعض ما يكره، فخرج عنهم، هذا قول أبي سعيد السكري. وقال هشام بن الكلبي: هو مقيس بن صبابة بن حزن بن يسار، أسلم ثم ارتدَّ فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه، فقتله نميلة بن عبد الله بن رجل من قومه (انظر: معجم الشعراء للمرزباني).

(9) ضعيف: (رواه الترمذي في كتاب الاستئذان والآداب [2735]، وضعَّفه الشيخ الألباني.

فَقَالَ: إنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لِي كُلَّ نَفَقَةٍ أَنْفَقْتُهَا لِأَصُدَّ بِهَا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَكُلَّ مَوْقِفٍ وَقَفْتُهُ لِأَصُدَّ بِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ مَا سَأَلَ».

فَقَالَ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَدَعُ دِرْهَمًا أَنْفَقْتُهُ فِي الشِّرْكِ إلَّا أَنْفَقْتُ مَكَانَهُ فِي الْإِسْلَامِ دِرْهَمَيْنِ، وَلَا مَوْقِفًا وَقَفْتُهُ فِي الشِّرْكِ إلَّا وَقَفْتُ مَكَانَهُ فِي الْإِسْلَامِ مَوْقِفَيْنِ، فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

هَذَا الْخَبَرُ يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْكَامٌ، فَلِذَلِكَ اسْتَوْفَيْنَاهُ.

 

الكتاب: الأحكام السلطانية

المؤلف: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)

الناشر: دار الحديث  القاهرة

عدد الأجزاء: 1

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

المقال السابق
(57) قسم الفيء والغنيمة (1)
المقال التالي
(59) النهي عن قتل الرهبان والسبي (3)