الأحكام السلطانية للماوردي - (97) الحسبة بين أمر بالمعروف ونهي عن منكر (3)

منذ 2014-11-12

صلاة الجماعة في المساجد، وإقامة الأذان فيها للصلوات فمن شعائر الإسلام، وعلامات التعبُّد التي فرَّق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين دار الإسلام ودار الشرك.

الباب العشرون: في أحكام الحسبة

الحسبة بين أمر بالمعروف ونهي عن منكر (3)

 

فصل:

وإذا استقر ما وصفناه من موضع الحسبة، ووضع الفرق بينهما وبين القضاء والمظالم فهي تشتمل على فصلين:

أحدهما: أمر بالمعروف.

والثاني: نهي عن المنكر[1].

فأما الأمر بالمعروف فينقسم ثلاثة أقسام:

أحدها: ما يتعلق بحقوق الله تعالى.

والثاني: ما يتعلق بحقوق الآدميين.

والثالث: ما يكون مشتركًا بينهما.

فأما المتعلق بحقوق الله عز وجل فضربان:

أحدهما: يلزم الأمر به في الجماعة دون الانفراد؛ كترك الجمعة في وطن مسكون، فإن كانوا عددًا قد اتفق على انعقاد الجمعة بهم كالأربعين فما زاد فواجب أن يأخذهم بإقامتها، ويأمرهم بفعلها، ويؤدّب على الإخلال بها، وإن كانوا عددًا اختلف في انعقاد الجمعة بهم فله ولهم أربعة أحوال:

أحدها: أن يتفق رأيه ورأي القوم على انعقاد الجمعة بذلك العدد، فواجب بهم فله

يأمرهم بإقامتها، وعليهم أن يسارعوا إلى أمره بها، ويكون في تأديبهم على تركها ألين من تأديبه على ترك ما انعقد الإجماع عليه.

والحالة الثانية: أن يتفق رأيه ورأي القوم على أن الجمعة لا تنعقد بهم، فلا يجوز أن يأمرهم بإقامتها وهو بالنهي عنها لو أقيمت أحق.

والحالة الثالثة: أن يرى القوم انعقاد الجمعة بهم ولا يراه المحتسب، فلا يجوز له أن يعارضهم فيها ولا يأمر بإقامتها؛ لأنه لا يراه، ولا يجوز أن ينهاهم عنها ويمنعهم مما يرونه فرضًا عليهم.

والحالة الرابعة: أن يرى المحتسب انعقاد الجمعة بهم، ولا يراه القوم، فهذا مما في استمرار تركه تعطيل الجمعة مع تطاول الزمان وبعده وكثرة العدد وزيادته، فهل للمحتسب أن يأمرهم بإقامتها اعتبارا بهذا المعنى أم لا؟ على وجهين لأصحاب الشافعي رضي الله عنه:

أحدهما: وهو مقتضى قول أبي سعيد الإصطخري أنه يجوز له أن يأمرهم بإقامتها اعتبارًا المصلحة؛ لئلَّا ينشأ الصغير على تركها، فيظن أنها تسقط مع زيادة العدد كما تسقط بنقصانه، فقد راعى زياد مثل هذا في صلاة الناس في جامعي البصرة والكوفة، فإنهم كانوا إذا صلوا في صحنه فرفعوا من السجود مسحوا جباههم من التراب، فأمر بإلقاء الحصى في صحن المسجد الجامع، وقال: لست آمن أن يطول الزمان فيظنّ الصغير إذا نشأ أن مسح الجبهة من أثر السجود سنة في الصلاة.

والوجه الثاني: لا يتعرّض لأمرهم بها؛ لأنه ليس له حمل الناس على اعتقاده، ولا أن يأخذهم في الدين برأيه مع تسويغ الاجتهاد فيه، وأنهم يعتقدون أن نقصان العدد يمنع من إجزاء الجمعة، وأما أمرهم بصلاة العيد فله أن يأمرهم بها، وهل يكون الأمر بها من الحقوق اللازمة أو من الحقوق الجائزة؟ على وجهين من اختلاف أصحاب الشافعي فيها، هل هي مسنونة، أو من فروض الكفاية؟ فإن قيل: إنها مسنونة كان الأمر بها ندبًا، وإن قيل: إنها من فروض الكفاية، كان الأمر بها حتمًا.

فأمَّا صلاة الجماعة في المساجد، وإقامة الأذان فيها للصلوات فمن شعائر الإسلام، وعلامات التعبُّد التي فرَّق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين دار الإسلام ودار الشرك، فإذا اجتمع أهل بلد أو محلة على تعطيل الجماعة في مساجدهم، وترك الأذان في أوقات صلواتهم، كان المحتسب مندوبًا إلى أمرهم بالأذان والجماعة في الصلوات، وهل ذلك واجب عليه يأثم بتركه، أو محتسب له يثاب على فعله؟ على وجهين من اختلاف أصحاب الشافعي في اتفاق أهل بلد على ترك الأذان والإقامة والجماعة، وهل يلزم السلطان محاربتهم عليه أم لا؟

فأما ترك صلاة الجماعة من آحاد الناس، أو ترك الأذان والإقامة لصلاته، فلا اعتراض للمحتسب عليه إذا لم يجعله عادة وإلفًا؛ لأنها من الندب الذي يسقط بالأعذار، إلَّا أن يقترن به استرابة أو يجعله إلفًا وعادة، ويخاف تعدي ذلك إلى غيره في الاقتداء به، فيراعي حكم بشواهد حاله، كالذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لقد هممت أن آمر أصحابي أن يجمعوا خطبًا وآمر بالصلاة فيؤذن لها وتقام، ثم أخالف إلى منزل أقوام لا يحضرون الصلاة فأحرقها عليهم»[2].

وأما ما يأمر به آحاد الناس وأفرادهم فكتأخير الصلاة حتى يخرج وقتها، فيذكر بها ويأمر بفعلها، ويراعي جوابه عنها، فإن قال: تركتها لنسيان حثه على فعلها بعد ذكره، ولم يؤدبه؛ وإن قال: تركتها لتوان وهوان أدبه زجرًا، وأخذه بفعلها جبرًا، ولا اعتراض على من أخرها، والوقت باقٍ لاختلاف الفقهاء في فضل التأخير، ولكن لو كانت الجماعات في بلد قد اتفق أهله على تأخير صلواتهم إلى آخره، والمحتسب يرى فضل تعجليها، فهل له أن يأمرهم بالتعجيل على وجهين؛ لأن اعتبار جميع الناس لتأخيرها يفضي بالصغير الناشيء إلى اعتقاد أن هذا الوقت دون ما تقدم، ولو عجلها بعضهم ترك من أخرها منهم ما يراه من التأخير.

فأمَّا الأذان والقنوت في الصلوات إذا خالف فيه رأي المحتسب فلا اعتراض له فيه بأمر ولا نهي، وإن كان يرى إذا كان ما يفعل مسوغًا في الاجتهاد لخروجه عن معنى ما قدمناه،

وكذلك الطهارة إذا فعلها على وجه سائغ يخالف فيه رأي المحتسب من إزالة النجاسة بالمائعات، والوضوء بماء تغير بالمذورات الطاهرات، أو اقتصار على مسح أقل الرأس، أو العفو عن قدر الدرهم من النجاسات، فلا اعتراض له في شيء من ذلك بأمر ولا نهي، وكان له في اعتراضه عليهم في الوضوء بنبيذ التمر عند عدم الماء وجهان، لما فيه من الإفضاء إلى استباحته على كل حال، فإنه ربما آل إلى السكر من شربه، ثم على نظائر هذا المثال تكون أوامره بالمعروف في حقوق الله تعالى.

__________

(1) المقصود: إنَّ الحكم بين الناس في النوع الذي لا يتوقف على الدعوى هو المعروف بولاية الحسبة، وقاعدته وأصله هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ووصف به هذه الأمة وفضلها لأجله على سائر الأمم التي أخرجت للناس، وهذا واجب على كل مسلم قادر، من الوجوب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب هو القدرة، فيجب على القادر ما لا يجب على العاجز، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم} (الطرق الحكمية: ص [354]).

(2) صحيح: (رواه البخاري في (كتاب الأذان [644])، ومسلم في (كتاب المساجد ومواضع الصلاة [651])).

 

الكتاب: الأحكام السلطانية

المؤلف: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)

الناشر: دار الحديث  القاهرة

عدد الأجزاء: 1

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

المصدر: المكتبة الشاملة
المقال السابق
(96) الحسبة واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم (2)
المقال التالي
(98) الأمر بالمعروف في حقوق الآدميين (4)