إتحاف الورى بما جاء في فصلي الصيف والشتاء

منذ 2014-12-15

فإن الله - تعالى - بحكمته ورحمته خَلَقَ الليلَ والنهار، والشمس والقمرَ، وجعل الظلماتِ والنور، والحرَّ والبرد، في الشتاء والصيف؛ لحِكَمٍ عظيمة، ومنافعَ جسيمةٍ، فهذه المخلوقات من آياته، ودلائل قدرته وعظمته وتوحيده، وفيها مصالحُ للعباد في ليلهم ونهارهم، في أمور دينهم ودنياهم.

مقدمة

الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خِلفةً لِمن أراد أن يذَّكر أو أراد شُكُورًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحْده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه أجْمعين، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعدُ:

فإن الله - تعالى - بحكمته ورحمته خَلَقَ الليلَ والنهار، والشمس والقمرَ، وجعل الظلماتِ والنور، والحرَّ والبرد، في الشتاء والصيف؛ لحِكَمٍ عظيمة، ومنافعَ جسيمةٍ، فهذه المخلوقات من آياته، ودلائل قدرته وعظمته وتوحيده، وفيها مصالحُ للعباد في ليلهم ونهارهم، في أمور دينهم ودنياهم.

ففي الحَرِّ تحلّل الأخلاط، والبرد لجمودها؛ كما قال ابن الجوزي - رحمه الله - وقال ابن القَيِّم - رحمه الله - تعالى - في [مفتاح دار السعادة، ص 203]: "ومن آياته - سبحانه - وتعالى - الليلُ والنهار، وهما مِن أعجب آياته، وبدائع مصْنوعاته؛ ولهذا يُعيد ذِكرهما في القرآن ويبديه؛ كقوله - تعالى -: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ) [فصلت:37]، وقوله: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا) [الفرقان:47]، وقوله - عز وجل -: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [الأنبياء:33]، وقوله - تعالى -: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) [غافر:61]، وهذا كثيرٌ في القرآن.

ثم تأمَّل هذا الفَلَك الدَّوَّار بشمْسِه وقمرِه، ونجومِه وبروجه، وكيف يدور على هذا العالَم هذا الدوران الدائم إلى آخر الأجل، على هذا الترتيب والنظام، وما في طي ذلك من اختلاف الليل والنهار والفصول، والحرّ والبَرد، وما في ضمن ذلك من مصالِح ما على الأرض من أصناف الحيوان والنبات!

ثم تأمَّل الحكمة البالغة في الحر والبَرد، وقيام الحيوان والنبات عليهما، وفكِّر في دخول أحدهما على الآخر بالتدريج، والمُهْلَة حتى يبلغ نهايته، ولو دخله عليه مُفاجأة لأضرَّ ذلك بالأبدان وأهلكها، وبالنبات، كما لو خَرَج الرجلُ من حَمَّام حار إلى مكان بارد، ولولا العنايةُ والحكمة والرحمة والإحسان، لَما كان ذلك، فلله الحمدُ على ذلك.

وبناء على ما تقدَّم وما سيأتي من الأحكام المشروعة في الصيف والشتاء، وما فيهما منَ الآيات والعِبَر والفوائد؛ فقد لَخَّصْتُ مما كتبه الشيخ عبدالرحمن بن أحمد بن رجب في كتابه [لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف]، فقد تَكَلَّم عن وظائف الشهور، ثم قال: ويلتحق بوظائف شهور السنة الهلالية وظائفُ فصول السنة الشمسية، وفيه ثلاثة مجالس:

المجلس الأول: في ذكر فصل الربيع، المجلس الثاني: في ذكر فصل الصيف، المجلس الثالث: في ذكر فصل الشتاء، فذَكَر ما يخص كلَّ فصل من فضائلَ وأحكامٍ، فلخَّصْتُ من فصلي الصيف والشتاء ما تيسَّر ببعض تصرُّفٍ وزيادة مما يفيد القارئ، وسميته: "إتحاف الورى بما جاء في فصلي الصيف والشتا"، وهى مستفادَة من كلام الله - تعالى -، وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكلام المحقِّقين من أهْل العلْم، أسأل اللهَ - تعالى - أن ينفع بها مَن كتبها أو طبعها، أو قرأَهَا أو سمعَها.

وقد أضفتُ إليها كلمة من "صيد الخاطر"؛ لابن الجوزي، بعنوان: "خطأ المبالغة في اتِّقاء الحر والبرد"، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحْبه أجْمعين.

ما جاء في فصل الشتاء:

روى الإمام أحمد من حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الشتاء ربيعُ المؤمن))؛ وأخرجه البيهقي وغيرُه، وزاد فيه: ((طال ليلُه فقامَه، وقصر نهارُه فصامَه)).

إنما كان الشتاءُ ربيع المؤمن؛ لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويسرح في ميادين العبادات، وينزِّه قلبَه في رياض الأعمال الميسَّرة فيه، كما ترتع البهائمُ في مرعى الربيع، فتسمن وتصلح أجسادُها، فكذلك يصلح دينُ المؤمن في الشتاء؛ بما يسَّر الله فيه منَ الطاعات؛ فإن المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقَّة ولا كلفة تحصل له من جوع ولا عطش؛ فإن نهاره قصير بارد، فلا يحس فيه بمشقَّة الصيام، وفي المسند والترمذي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الصِّيام في الشتاء الغنيمة الباردة))، وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - يقول: "ألا أدلكم على الغنيمة الباردة؟ قالوا: بلى، فيقول: الصيام في الشتاء".

ومعنى كونها غنيمةً باردة: أنها غنيمة حصلتْ بغير قتال، ولا تَعَب ولا مشقة، فصاحبُها يحوز هذه الغنيمةَ عفوًا صفوًا بغير كُلفة.

وأما قيام ليل الشتاء، فلطولِه يُمكن أن تأخذ النفْسُ حظَّها من النوم، ثم تقوم بعد ذلك إلى الصلاة، فيقرأ المصلِّي وردَه كلَّه من القرآن، وقد أخذتْ نفسُه حظَّها منَ النوم، فيجتمع له فيه نومُه المحتاج إليه، مع إدراك ورده من القرآن، فيكمل له مصْلحة دينه، وراحة بدنه، ويروى عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "مرحبًا بالشتاء؛ تنزل فيه البَرَكة، ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصِّيام، وعن الحسن قال: نِعْمَ زمانُ المؤمن الشتاءُ؛ ليله طويل يقومه، ونهاره قصيرٌ يصومه"، وعن عبيد بن عمير أنه كان إذا جاء الشتاء قال: "يا أهل القرآن، طال ليلكم لقراءتكم، فاقرؤوا، وقصر النهار لصيامكم، فصُومُوا".

وهذا الكلام موجَّه إلى المؤمنين بالله وباليوم الآخر، الذين يتأدَّبون بآداب النبوة، ويعملون بالقرآن والسُّنَّة، وقد مدح الله المؤمنين القائمين المتهَجِّدين في الليل بقوله: (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذاريات:17، 18]، وبقوله: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [السجدة:16]، وبقوله: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر:9].

وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنَّ صلاة الرجل في جوف الليل تطفئ الخطيئةَ كما يطفئ الماءُ النارَ[1]، وأنَّ الله - تعالى - يَنْزِل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: ((مَن يدعوني فأستجيبَ له؟ من يسألني فأعطيه؟ مَن يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر))[2].

وهذه الفضائل محرومٌ منها أكثرُ الناس اليوم، الذين يسهرون أمام الملاهي إلى نصف الليل، ثم ينامون عن صلاة الفجر، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكره النوم قبل صلاة العشاء، والحديثَ بعدها، إلا في خيرٍ، وفي الحديث: ((لا سمر إلا لثلاثة: مصلٍّ، أو مسافر، أو عروس))[3]، وقيام ليل الشتاء يعدل صيامَ نهار الصيف في الفضل العظيم، والثواب الجسيم؛ ولهذا بكى معاذ بن جبل عند موته، وقال: "إنما أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالرُّكب عند حلق الذِّكْر".

وإسباغ الوضوء في شدَّة البرد من أفضل الأعمال، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟))، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((إسباغ الوضوء على المكارِه، وكثرة الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرِّباط))، وفي حديث معاذ بن جبل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى ربَّه - عز وجل - يعنى: في المنام - فقال له: ((يا محمد، فيمَ يختصم الملأُ الأعلى؟))، قال: ((في الدرجات والكفَّارات، قال: والكفارات: إسباغ الوضوء في الكريهات، ونقل الأقدام إلى الجُمُعات - وفي رواية: الجَمَاعات - وانتظار الصلاة بعد الصلاة، مَن فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من ذنوبه كيوم ولدتْه أمُّه، والدرجات: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نِيام))[4]، وفي بعض الروايات: ((إسباغ الوضوء في السبرات))، والسبرة: شدة البَرْد.

وقد امتنَّ الله على عبادِه بأن خلَق لهم من أصواف بهيمة الأنعام وأوبارها وأشعارها ما فيه دفء لهم من البرد؛ قال - تعالى -: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) [النحل:5]، وقال - تعالى -: (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) [النحل:80]، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا حضر الشتاء تعاهدهم، وكتب لهم بالوصية: "إنَّ الشتاء قد حضر، وهو عدو، فتأهبوا له أهبته من الصُّوف والخفاف والجوارب، واتَّخِذوا الصوف شعارًا ودثارًا؛ فإن البرد عدوٌّ سريعٌ دخولُه، بعيدٌ خُرُوجُه"، وذلك من تَمام نصيحته وحسن نظره، وشفقته وحياطته لرعيته - رضي الله عنه -.

ومما يؤمر به في الشتاء وغيره: مواساةُ الفقراء والمساكين بما يدفع عنهم البَردَ، وفي ذلك فضل عظيم؛ أخرج الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعًا: ((من أطعم مؤمنًا على جوع، أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة، ومن سقاه على ظمأ، سقاه الله من الرحيق المختوم، ومَن كساه على عري، كساه الله من خضر الجنة))؛ أي: من حلل الجنة الخضراء.

وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود، قال: ((يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط، وأجوع ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، فمَن كسا لله - عز وجل - كساه الله، ومن أطعم لله، أطعمه الله، ومن سقى لله سقاه الله، ومَن عفا لله أعفاه الله)).

ومن فضائل الشتاء أنه يذكر بزمهرير جهنم، ويوجب الاستعاذة منها، وتجنُّب الأعمال الموصلة إليها، من ترك الواجبات، وعمَل المحرَّمات، وفي حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال[5]: ((إذا كان يوم شديد البَرد، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشدَّ بردَ هذا اليوم! اللهم أَجِرْنِي من زمهرير جهنم، قال الله - تعالى - لجهنم: إن عبدًا من عبادي استجار بي من زمهريرك، وإني أُشهدك أنِّي قد أجرتُه، قالوا: وما زمهرير جهنم؟ قال: بيت يلقى فيه الكافر، فيتميز من شدة برده))، وفي الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اشتكتِ النار إلى ربِّها، فقالت: يا رب، أكَلَ بعضي بعضًا، فأذِن لها بنفسَين: نفَس في الشتاء، ونفَس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر من سموم جهنم، وأشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم))[6]، ورُويَ عن ابن عباس قال: يستغيث أهل النار من الحر، فيغاثون بريح باردة، يصدع العظامَ بردُها، فيسألون الحر، وعن مجاهد قال: يهربون إلى الزمهرير، فإذا وقعوا فيه، حطم عظامهم، حتى يسمع لها نقيض.

وقد قال - عز وجل -: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا) [النبأ:24 - 26]، وقال الله - تعالى -: (هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) [ص:57]، قال ابن عباس: الغساق: الزمهرير البارد الذي يحرق من برده، وقال مجاهد: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده، وقيل: إن الغساق: البارد المنتن - أجارَنا الله - تعالى - من جهنم بفضله وكرمه - يا مَن تتلى عليه أوصاف جهنم، ويشاهد تنفُّسها كل عام، حتى يحس به ويتألَّم، وهو مصرٌّ على ما يقتضي دُخُولها مع أنه يعلم، ستعلم إذا جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها - من يندم، ألك صبر على سعيرها وزمهريرها؟! قل لي وتكلم ما كان صلاحك يرجى، والله أعلم[7].

(ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)، (ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غرامًا * إنها ساءت مُستقرًّا ومقامًا)، (ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار)، (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا، وكفِّر عنا سيئاتنا، وتوفَّنا مع الأبرار)، اللهم أنا نعوذ بك من عذاب جهنم وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرَّب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.

ما جاء في فصل الصَّيف

في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اشتكت النار إلى ربها فقالت: أكل بعضي بعضًا، فأذِن لها بنفسَين: نفَس في الشتاء، ونفَس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر من سموم جهنم، وأشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم)).

فهذا الحر يذكِّرنا بحرِّ جهنم، ويوجب لنا الاستعاذة بالله منها، وتجنُّب الأعمال الموصِّلة إليها، من ترك الواجبات، وفعل المحرَّمات، وإضاعة الأوقات فيما لا تحمد عقباه، وفي الحديث الصحيح: ((إذا اشتد الحر فأَبرِدوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم))[8] يعني: صلاة الظهر، وفي الحديث: ((إذا كان يوم شديد الحر، فقال العبد: لا إله إلا الله، ما أشدَّ حرَّ هذا اليوم! اللهم أجرني من حرِّ جهنم، قال الله لجهنم: إن عبدًا من عبادي استجار بي منك وقد أجرته))[9].

ومما يؤمَر بالصبر عليه في شدة الحر: النفر للجهاد، والدعوة إلى الله تعالى؛ قال - تعالى - عن المنافقين: (وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) [التوبة:81].

ومما يؤمَر بالصبر عليه في شدة الحر: المشيُ إلى المساجد لصلاة الجُمَع والجماعات، وشهود الجنائز وتشييعها، إلى غير ذلك من العبادات كالحج.

وينبغي لمن كان في حرِّ الشمس أن يتذكر حرَّها يوم القيام، حين تدنو من رؤوس العباد، ويزاد في حرِّها، وينبغي لمن لا يصبر على حر الشمس في الدنيا أن يتجنَّب من الأعمال ما يستوجب به صاحبُه دخولَ النار؛ فإنه لا صبر لأحد عليها.

ومما يضاعف ثوابُه في شدة الحر: الصيام؛ لما فيه من ظمأ الهواجر، ولهذا كان معاذ بن جبل يتأسَّف عند موته على ما فاته من ظمأ الهواجر، وكذلك غيره من السلَف، وكان أبو الدرداء يقول: "صوموا يومًا شديدًا حرُّه لحرِّ يوم النشور، وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور، وتصدَّقوا بصدقة السِّرِّ لحر يوم عسير"[10].

ومن أعظم ما يذكِّر بنار جهنم: النارُ التي في الدنيا؛ قال - تعالى -: (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) [الواقعة:73]؛ يعني: أن نار الدنيا جعلها الله تذكرةً بنار جهنم، ونار الدنيا جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، وغسلت بالبحر مرتين، حتى خف حرُّها، ولولا ذلك ما انتفع بها أهل الدنيا[11]، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: "أكثروا ذكر نار جهنم؛ فإن حرَّها شديد، وقعرها بعيد، ومقامعها حديد".

والمصيبة العظمى حين تنطبق النار على أهلها، وييئسون من الفرج والمخرج، وهو الفزع الأكبر الذي يأمَنُه أهل الجنة؛ قال - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) [الأنبياء:101 - 103].

قال البيضاوي في تفسيره: "الفزَع الأكبر هو النفخة الأخيرة؛ لقوله - تعالى -: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) [النمل: 87]، أو الانصراف إلى النار، أو حين يطبق على النار، أو حين يذبح الموت، والله أعلم".

كل ما في الدنيا من نعيم يذكِّر بنعيم الجنة، وما فيها من عذاب يذكِّر بعذاب النار، وما فيها من حر يذكر بحر جهنم، وما فيها من برد يذكِّر بزمهرير جهنم؛ فإن الله - تعالى - جعل في الدنيا أشياءَ كثيرةً تذكِّر بالنار المعَدَّة لمن عصاه، وما فيها من آلام وعقوبات.

يا من تتلى عليه أوصاف جهنم، ويشاهد تنفُّسها كل عام، حتى يحس به ويتألم، وهو مصرٌّ على ما يقتضي دخولها مع أنه يعلم، ستعلم إذا جيء بجهنم تُقاد بسبعين ألف زمام من يندم، ألك صبر على سعيرها وزمهريرها؟! قل لي وتكلم[12].

أجارنا الله وإياكم من عذاب جهنم بمنِّه وكرمه.

(ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)، (ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غرامًا)، (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم).

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

خطأ المبالغة في اتِّقاء الحر والبرد

قال ابن الجوزي - رحمه الله -:

تأملتُ مبالغة أرباب الدنيا في اتقاء الحر والبرد، فرأيتها تعكس المقصود في باب الحكمة، وإنما تحصل بحر ولذة، ولا خير في لذة تعقب ألمًا، فأما الحر، فإنهم يشربون الماء المثلوج، وذلك على غاية في الضرر، وأهل الطب يقولون: إنه يحدث أمراضًا صعبة، يظهر أثرها في وقت الشيخوخة، ويصنعون الخيوش[13] المضاعفة، وفي البرد يصنعون اللبود المانعة للبرد، وهذا من حيث الحكمةُ يضاد ما وضعه الله - تعالى - فإنه جعل الحر لتحلل الأخلاط، والبرد لجمودها، فيجعلون هم جميع السَّنَة ربيعًا، فتنعكس الحكمة التي وضع الحر والبرد لها، ويرجع الأذى على الأبدان، ولا يظن سامعُ هذا أني آمره بملاقاة الحر والبرد، وإنما أقول له: لا يفرط في التوقِّي، ويعرض في الحر لما يحلل بعض الأخلاط، إلى حدٍّ لا يؤثر في القوة، وفي البرد بأن يصيبك منه الأمر القريب لا المؤذي؛ فإن الحر والبرد لمصالح البدن، وقد كان بعض الأمراء يصون نفسه من الحر والبرد أصلاً، فمات عاجلاً، وقد ذكرت قصته في كتاب "لقط المنافع في علم الطب"[14].

ــــــــــــــــــــ

[1] في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه.

[2] كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه.

[3] رواه أحمد بلفظ: ((لا سمر إلا لمصلٍّ أو مسافر))، ورمز السيوطي لحسنه.

[4] رواه الإمام أحمد والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

[5] ذكره ابن رجب في "اللطائف"، وقال: أخرجه عثمان الدارمي وغيره.

[6] رواه البخاري ومسلم.

[7] انظر: "لطائف المعارف"، لابن رجب، ص 340 - 349.

[8] رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

[9] قال في "لطائف المعارف": خرجه عثمان الدارمي وغيره.

[10] ذكره عنه ابن رجب في "لطائف المعارف" 177.

[11] كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة.

[12] انظر: "لطائف المعارف"، لابن رجب، ص 332 -341 - و349.

[13] عادة عراقية باقية إلى الآن، هي وضع الخيش على النوافذ، ورشه بالمانعة باستمرار؛ لترطيب الجو في حرارة الصيف.

[14] "صيد الخاطر"، لابن الجوزي، بتحقيق ناجي الطنطاوي، 1/137.