أقوالُ الفقهاءِ في تغطيةِ وجهِ المرأةِ بين الفَهم والوَهم

منذ 2015-01-11

لقد همَّ عمرُ رضي الله عنه أن يَخطُبَ الناسَ في مكَّةَ في آخِر حَجَّةٍ له؛ ليُنكر قولَ بعض الناس في أمْر البيعةِ والخِلافة، فأشار عليه بعضُ الصحابة أن يُؤخِّر خُطبتَه ولْيقُل ما شاء في المدينةِ؛ لئلَّا يُفهمَ كلامُه على غير مرادِه، فاستحسنَ المشورةَ وأخَذ بها، فكانت تلك الخُطبة البليغة التي أخرجَها الإمامُ البخاريُّ في صَحيحه.

الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، أمَّا بعدُ:

فلقدِ اطلعتُ على مقالةٍ للدكتور حاتم العوني- وفَّقه الله- في صفحته في (الفيس بوك)، يُؤكِّد فيها على أنَّ أئمَّةَ المذاهب يَرَون أنَّ وجهَ المرأة وكفَّيها ليسا بعورةٍ، وأنه يحلُّ كشفهما، وذكر لذلك نُقولًا عن أرباب المذاهب يرَى أنها تُؤيِّد صحَّةَ ما ذهب إليه، وليتَه وقَف عند هذا الحدِّ، لكن المؤسِف أنَّه– سامحه الله- حشَى مقالَه بعباراتٍ لا تليقُ بمِثله لا عِلمًا ولا نَسبًا، وكنتُ أظنُّ أنَّها سَوْرةُ غضبٍ وسَرعانَ ما يتنبه لها الدكتور حاتم ويُجري تعديلًا عليها، إلَّا أنه للأسف الشَّديد أصرَّ عليها وردَّ على مَن عاتَبه على تِلك الألفاظ في صَفحته أيضًا لاحقًا!!

وبعدَ قِراءتي للمقال وجدتُ أنَّه من المناسب التَّذكيرُ والتنبيهُ على بَعضِ الضوابطِ والملحوظاتِ التي ينبغي مراعاتُها عند بحْث مسألة كشْف الوجه، وهي مفيدةٌ أيضًا في نِسبة الأقوال إلى الأئمَّة بشكلٍ عامٍّ، وأحسبُ أنَّ عدمَ مراعاةِ هذه الملحوظات سيُوقِع الباحثَ في خَلل في التصوُّر، ومِن ثَمَّ لن يصلَ إلى النتيجة المَرجُوَّة.

وليس الغرضُ مِن المقال أصالةً مناقشةُ الدكتور حاتم، غير أنَّ ذلك سيقعُ ضِمنًا وتبعًا كما سيَلحَظُ القارئُ الكريم.

الملحوظة الأولى: ليتذكَّرِ الفقيهُ أنَّ كثيرًا ممَّن يتطرَّق إلى هذه المسألةِ ليس مهمومًا بالانتصار للشَّرع ولا للسُّنَّة، وإنما قضيتُه التغريبُ؛ فهو يستغلُّ الخلافَ الفِقهيَّ لإثارة القضية أولًا، ثم ينتقلُ بعد ذلك إلى تثبيتِ أَجندته التغريبيَّة؛ وعليه: فليس يَحسُن التعامُل مع كلِّ أحد يتحدَّثُ عن هذه المسألة بالطريقة الفقهيَّة، فقد يكون من المناسبِ فَضْحُ مشروعِه التغريبيِّ دون التفاتٍ إلى مسألةِ كشف الوجه فقهيًّا.

الملحوظة الثانية: ليَحْذَرِ الفقيهُ مِن أن تُستغلَّ فتواه لهدْمِ الشرع وهو لا يَشعُر؛ وعليه: فليتنبه لسياقِ الحالِ الذي طرَح فيه رأيَه، وليتنبه لِمَا قد يفهمه الناسُ مِن فتواه وهو لا يَشعُر.

لقد همَّ عمرُ رضي الله عنه أن يَخطُبَ الناسَ في مكَّةَ في آخِر حَجَّةٍ له؛ ليُنكر قولَ بعض الناس في أمْر البيعةِ والخِلافة، فأشار عليه بعضُ الصحابة أن يُؤخِّر خُطبتَه ولْيقُل ما شاء في المدينةِ؛ لئلَّا يُفهمَ كلامُه على غير مرادِه، فاستحسنَ المشورةَ وأخَذ بها، فكانت تلك الخُطبة البليغة التي أخرجَها الإمامُ البخاريُّ في صَحيحه.

إنَّ مِن غيرِ المناسب أنْ يتحمَّس مُتحمِّسٌ لعَرْض الخلاف الفقهيِّ في مسألة كشْف الوجه في وقتٍ يقومُ فيه شخصٌ بعَرْض زوجتِه مُتزيِّنة على رؤوسِ الأشهاد؛ فعندها سيفهمُ العامَّةُ أنَّ هذا المتحمِّسُ يُصوِّبُ ذلك الفِعلَ ويؤيِّده؛ فيُسيء إلى نفْسه، وإلى أقوالِ العلماء، وإلى الخِلاف الفقهيِّ، ويُوقِع الناسَ في حَيرةٍ كانوا في غِنًى عنها، وفي آخِر الأمْر أعظمُ الناس فرحًا بصَنيعِه هم أبعدُ الناس عن شرْع اللهِ، بل هم المحاربِون له!

كم هي غفلةٌ عظيمة أن يَتطوَّعَ الفقهاءُ لخِدمة المشروعِ التغريبيِّ وهم لا يَشعرون!

وهذه الملحوظةُ لا تقتصرُ على مسألتنا هذه، بل يَنبغي أن تكون منَّا على بالٍ في عُمومِ الطرح الفِقهي.

الملحوظة الثالثة: مَن أراد بحْثَ مسألة حُكم كشف المرأة لوجهها، أو عورة المرأة بشكلٍ عامٍّ، وآراء العلماء في ذلك، فمن الخطأ الاقتصارُ في ذلِك على آيةِ سورة النور، وهي قولُه تعالى: ( وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) [النور: ٣١]، بل عليه أن يضمَّ إلى ذلك ابتداءً الآياتِ الواردةَ في الحجاب عمومًا، ثم السُّنَّة؛ وعليه: فلا يَقتصِر على ذِكر أقوال المفسِّرين في بعضها، ويُهمل أقوالَهم في بقيَّتها، بل عليه أن يَجمعَ أقوالهم في جميعِ آيات الحجاب؛ لينظرَ في حقيقة مُرادهم، وإلَّا فإنه سيُخطئ في نِسبة الأقوال إلى أصحابها، ومِن ثَمَّ لن يكونَ ترجيحُه مستقيمًا، وأضرِبُ لذلك مثلًا مِن هذه المسألة التي نحن بصددها بشكلٍ مختصَر:

يَرى أبو بكرٍ الجَصَّاص أنَّ الزِّينةَ المستثناة في الآية السابقة، المباحَ إبداؤُها هي: الوجهُ والكفَّان[أحكام القرآن 5/172]، فلو أنَّ باحثًا اقتصَر على هذا لتَوهَّم أنَّ الجصَّاص يُبيح للمرأة كشْفَ وجهها؛ لأنَّه ليس بعورةٍ؛ ولأنَّه ممَّا استثنى الله، غير أنَّ الباحث لو أكْمَل بحثَه في آية الأحزاب، وهي قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) [الأحزاب: ٥٩] لوَجَدَ الجَصَّاصَ نفْسَه يُوجِبُ تغطيةَ الوجه، ويُبيِّن أنه واجبٌ على الحرائر دون الإماء؛ يقول- رحمه الله -: "في هذه الآية دَلالةٌ على أنَّ المرأةَ الشابَّةَ مأمورةٌ بسَتْر وجْهِها عن الأجنبيِّين، وإظهارِ السِّترِ والعفافِ عند الخروجِ؛ لئلَّا يطمعَ أهلُ الريب فيهنَّ، وفيها دلالةٌ على أنَّ الأَمَةَ ليس عليها سترُ وجهها وشَعرها؛ لأنَّ قوله تعالى: (وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) ظاهرُه: أنه أراد الحرائرَ، وكذا رُوِي في التفسير؛ لئلَّا يكُنَّ مِثلَ الإماء اللاتي هنَّ غيرُ مأموراتٍ بستر الرأس والوجه، فجَعَل السِّترَ فَرقًا يُعرَفُ به الحرائرُ من الإماء" [أحكام القرآن 5/245]، فمَن نظَر إلى النصِّ الأوَّل فقط سيحكُم بأنَّ الوجه مُباحٌ كشفُه عند الجصَّاص، ومَن نظَر إلى النص الثاني فقط عكَس القضيةَ، وفي ذلك إساءةٌ للعالِم، وقد يُسارعُ مسارعٌ إلى الحُكم بالتناقُضِ، أو يحاولُ تقديمَ أحد النصَّينِ على الآخَر، غير أنَّ المتعيِّن هو التدقيقُ في فَهم النصَّينِ، ووضْعُ كلٍّ في موضعِه، وعدمُ ضرب بعضها ببعض.

إنَّنا بحاجةٍ ماسَّة لاستيعاب هذه القضية عمومًا، وبشكلٍ خاصٍّ في مسألة عورة المرأة؛ لأنَّنا في واقع الأمر سنجِدُ عددًا من العلماء ومِن أهل التفسيرِ- ممَّن حُكي عنه القولُ بأنَّ الزِّينة في سورة النور هي الوجهُ واليدان- ينصُّ في آيةِ الأحزابِ على وجوبِ تغطية الوجه، منهم الآن الحَبْر ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما، والحسن، وإبراهيم النَّخَعي، وقتادة. [تفسير ابن أبي حاتم 8/2574، المحرر الوجيز 7/147، وتفسير القرطبي 17/230]، ونسَب الواحديُّ هذا القولَ للمفسِّرين ولم يَحكِ خلافًا، كما في الوسيط 3/482 والبسيط 18/292، بل هو ظاهرُ اختيار الطبريِّ 19/181.

ويَتبيَّن لنا مِن هذا: أنَّ مَن قال: إنَّ آية النور هي في الوجه واليدين، فلا ينبغي الاستعجالُ، وأن ننسُبَ إليه أنَّه يُبيح كشْفَ الوجه مطلقًا،، وأظنُّ سائلًا يقول: فما مرادُهم إذن؟ وهو ما سأوضِّحه في الملحوظة التالية

الملحوظة الرابعة:

ظهَر لنا من خلال النَّقل السابق أنَّ قولَ بعض العلماء من المفسِّرين وغيرهم: إنَّ الزينةَ المباحَ إبداؤُها هي الوجه والكفان، لا يعني بالضرورة أنَّه يُجوِّز كَشفَهما مطلقًا، والسؤال هو: فما مرادُ هؤلاء بإظهارها إذن؟

والجواب: للعلماء في ذلك توجيهاتٌ مُتعدِّدة، أذكر منها ما يلي:

-         أنَّ هذا كان في أوَّل الإسلام، وقبلَ نزول آية الحجاب التي في سورة الأحزاب، وهو رأي شيخ الإسلام. [مجموع الفتاوى 22/110] وانظر ثَمَّةَ مُؤيِّداتِه.

-         أنَّ الاستثناء مرادٌ به ما يقعُ بضرورةِ حركةٍ فيما لا بدَّ منه، أو إصلاح شأنٍ، ونحو ذلك؛ فما أدَّتْ إليه الضرورةُ فهو معفوٌّ عنه، وهو قول ابن عطية. [المحرر الوجيز 6/375].

-         أنَّ المرادَ ما ظهَر منها بغير اختيارها، كأنْ كشفته الريحُ، وهو رأي الشِّهاب الخفاجي، وأيَّد كلامَه أنَّ الآية هي فيما ظهَر لا فيما أَظْهَرْن. [حاشية الشهاب 6/372]، والفرق بينه وبين ما قَبْلَه: أنَّ السابق أظهرتْه هي لحاجةٍ أو ضرورة، وأمَّا هذا فظَهَر بغير اختيار.

-         أنَّ المراد جوازُ إظهارها للحاجةِ المعتبرة شرعًا، كالعلاج والشهادة ورؤية الخاطِب، وهو رأيُ جمهرةٍ من الحنفيَّة والشافعيَّة. المرجع السابق.

-         أنَّ المراد بالزينة هنا: الزِّينةُ التي نُهي عن إبدائها، لا ما أُبِيحَ إبداؤُه. [تفسير ابن كثير 6/45].

وليس مُرادي حصْرَ توجيهات المفسِّرين- لابن عبَّاس توجيهٌ سيأتي قريبًا- وإنَّما توضيحُ عدم الملازمة بين تفسير الآية بالوجه والكفَّين وبين إباحةِ كَشفهما مطلقًا؛ وعليه: فمَن قال بالأوَّل لا يصحُّ أن يُنسَب له الأمرُ الثاني إلَّا بكلام صريح، بل إنَّه من العسير جدًّا أن نرى عالِمًا يُشار له بالبنان يُبيح صراحةً لِمَن تُلفِتُ الأنظارَ أن تَبرُز للناس غاديةً ورائحةً كاشفةً وجههَا، فضلًا عن أن تكونَ متجمِّلةً بأنواع الزِّينة، بل على العكس من ذلك يَنصُّون على تحريمه، فهذا أبو الحسن ابن القطَّان مع أنه يرى أنَّ الوجه ليس بعورةٍ، إلَّا أنه يقول: " إذا قَصَدتْ بإبداء ذلك- الوجه والكفين- التبرُّجَ وإظهارَ المحاسن، فإنَّ هذا يكون حرامًا" [النظر في أحكام النظر ص 62].

فإنْ قال قائل: فما حقيقةُ قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما في ذلك؟

ورَدَ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في تفسير آية النور أنَّ المراد الوجه والكفَّان، وكل الطرق إليه في ذلك ظاهرةُ الضَّعْفِ سِوى ما جاءَ من طريق عليِّ ابن أبي طلحةَ، عن ابن عبَّاس، والأقرب إنْ شاء الله أنَّها طريقٌ حسنةٌ- على خِلافٍ في ذلك؛ لأنَّ ظاهرها الانقطاع– ولفظه: (قال: والزِّينةُ الظاهرةُ: الوجهُ، وكُحل العين، وخِضاب الكفِّ، والخاتم؛ فهذه تَظهَرُ في بيتِها لِمَن دخَل مِن الناس عليها). [الطبري 17/259]. فإذا تأمَّلنا في هذا النصَّ وجَدْنا أنَّ ابن عباس لا يأذن للمرأةِ أن تَخرُجَ للناس باديةً ذلك، وإنما في بيتها، أي: لمحارمها، وليس لغيرهم، وهذا مقطوعٌ به، ومع ذلك نصَّ عليه ابنُ عبَّاس في تفسيرِ قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ)... إلى قوله: (عَوْرَاتِ النِّسَاءِ)- قال: الزِّينةُ التي تُبديها لهؤلاء: قُرطاها، وقِلادتها وسِوارها، فأمَّا خَلْخَالَاها ومِعْضَداهَا, ونَحْرُها، وشَعرُها؛ فإنَّه لا تُبديه إلَّا لزَوجِها. [الطبري 17/264]، فابن عبَّاس يُشدِّدُ فيما تُبديه المرأة لمحارمها خلافَ ما يظنُّه بعضُهم من تَساهُله رضِي الله عنه، وأنَّه يُبيح للمرأةِ أن تُبدي ذلك لكلِّ أحد، وهذا المرويُّ عن ابن عباس هنا يتوافَقُ مع روايته الأخرى في سورة الأحزاب من طريقِ عليِّ بن أبي طلحة أيضًا، حيث قال: " أمَر اللهُ نِساءَ المؤمنين إذا خَرجْنَ مِن بُيوتهنَّ في حاجةٍ أن يُغطِّين وجوههنَّ مِن فوق رؤوسهنَّ بالجلابيب، ويُبدين عينًا واحدةً". [الطبري 19/181].

فانظرْ هنا كيف نصَّ ابنُ عباس على الخروجِ ولم يذكره هناك، وأوجب هنا تغطيةَ الوجه وهناك جعَل كشفَهما للمحارمِ؛ فليس بين قولي ابن عباس أيُّ تعارُضٍ لا مِن قريبٍ ولا من بعيد، وتأمَّل الجنايةَ على أقوال ابن عبَّاس حين يَزعُم بعضُهم أنَّها متعارضةٌ، ثم يتطلَّب ترجيحَ بعضها على بعضِ بأقوال تلاميذِ ابن عباس!!!

وواقعُ الأمر: أنَّ كِلتا الرِّوايتينِ بنفس الإسناد، ومتونها لا تتعارض؛ فلا حاجةَ للترجيح أصلًا، كما أنَّ الترجيحَ بأقوال تلاميذ ابن عباس لا يَحُلُّ الإشكالَ أصلًا؛ لأنَّ جماعةً منهم رُوي عنه وجوبُ تغطية الوجه كما تقدَّم.

بل لو كان الأمرُ يحتاج إلى ترجيحِ أحد النصَّينِ على الآخَر، لكان الأَوْلى تقديمَ النصِّ المانع من كشْف الوجه؛ لأنَّ له شاهدًا على شرْط الشيخين يَذكر فيه ابنُ عباس تَغطيةَ المُحرِمة لوجهها- مع أنها مُحْرِمة– ويَذكر فيه تفسيرَ إدناءِ الجلباب– وهو ما رواه أبو داوودَ في مسائله لأحمدَ، عن ابن عباس قال: " تُدني الجلبابَ إلى وَجهِها، ولا تَضْرِبُ به".

قال رَوْحٌ في حديثِه، قُلتُ: وما لا تَضرِبُ به؟ فأشارَ لي كما تُجَلْبِبُ المرأةُ، ثُمَّ أشارَ لي ما على خَدِّها من الجِلبابِ، قال: تَعْطِفُه وتَضرِبُ به على وَجْهِها، كما هُو مَسْدُولٌ على وجْهِها" [ص: 155]، فأوجب ابنُ عباس على المحرِمة هنا غطاءَ الوجه، وتبيَّن بالنص أنَّ الإدناءَ سدلُه على الوجه.

والترجيح بالنصِّ المؤيِّد أَوْلى اتفاقًا مِن الترجيحِ بأقوال التلاميذ.

فظهَر بهذا حقيقةُ قول ابن عباس، وأنَّه لا يَحِلُّ أنْ يُنسب إليه السفورُ.

وإذا كانت هذه حقيقةَ قول ابن عباس؛ فهل صحَّ عن الأئمَّة؛ أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، أنَّهم أباحوا للمرأةِ كشْفَ وجهها؟ وما مرادُ أتْباعهم حين نَسبوا إليهم أنَّ وجه المرأة ليس بعورةٍ؟

وقَبل الإجابة أحبُّ أن أُذكِّر بما يلي:

الملحوظة الخامسة: يجبُ على الباحث أن يُفرِّق بين عورة الصَّلاة بالنسبة للمرأةِ، وعورةِ النَّظر؛ وعليه: فإذا وجَدْنا نصًّا عن عالِم يذكر فيه أنَّ عورةَ المرأة في الصَّلاة الوجه والكفَّان، فلا ينبغي أن نسحبَ ذلك على عورةِ النَّظرِ وما يَنبغي أن تَستُره.

في المعيار المعرب (1/402): " لأنَّ عورة الصلاة والعورة التي يجوزُ النظر إليها نوعانِ مُختلفان؛ ولذلك يوجد أحدُهما دون الآخَر, فالمَحرَمُ يَنظُر إلى ذِراع ذات مَحْرَمِه وغير ذلك مِن أطرافها, ولا يجوزُ إبداؤها ذلك في الصَّلاة، والزوج يرَى من زوجته أكثرَ ومِن نفْسه ما لا يجوزُ إبداؤُه في الصَّلاة، والعورة في نفسها تختلف أحكامُها في الصلاة؛ فإنْ أبدت الحُرَّةُ شَعرَها أو صدْرَها أو ظهورَ قدميها أعادتْ في الوقت خاصَّةً على المشهور, وذلك حرامٌ على الأجنبيِّ النظرُ إليه، وفي العورة الحقيقيَّة تُعيد أبدًا كالرَّجُل، والنظر إلى العورةِ مِن الرَّجُل لا يَحِلُّ بحالٍ مع الاختيار, وطلبُ سَتْر العورةِ لذات الصَّلاة في الخَلوةِ مُختلَفٌ فيه؛ فدلَّ جميعُ هذا على أنَّ للعورةِ بالنسبة إلى النَّظر حُكمًا، وبالنسبة إلى الصَّلاة حُكمًا آخر, يدلُّ على طلب ستر الوجهِ للحُرَّة أنَّها لو صَلَّتْ متنقبة لم تُعِدْ".

وقال شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة: "فليستِ العورةُ في الصلاة مرتبطةً بعورة النَّظر، لا طردًا ولا عكسًا" [مجموع الفتاوى 22/115]. وأنصح بمراجعة كلامِه في هذا مِن أوَّلِه– رحمه الله.

الملحوظة السادسة: يَنبغي لشرح أقوال العلماء معرفةُ ما فَهِمه أتباعُهم من ذلك، وقد أحسن الدكتورُ حاتم حين قال مُعلِّلًا لذلك: "فهُمْ أعرفُ الناس بأقوالِه وآمنُهم على مذهبِه"، لكن ينبغي مع ذلك التأكُّدُ من عدم وجودِ الخِلاف بينهم، وأنْ يكون الباحثُ على دِرايةٍ بطُرق تحرير قولِ المذهب حين يوجدُ الخلافُ فيه.

إذا تَقرَّر هذا؛ فلننظر إلى أقوال المذاهبِ مُبتدئين بأبي حنيفةَ.

جاءَ عن أبي حنيفةَ ما ذكَرَه الدكتور حاتم من قولِ محمَّد بن الحسن: "وأمَّا المرأةُ الحُرَّة التي لا نِكاحَ بينه وبينها ولا حُرمة ممَّن يَحِلُّ له نكاحُها، فليس ينبغي له أن يَنظُرَ إلى شيءٍ منها مكشوفًا إلَّا الوجه والكف، ولا بأسَ بأنْ ينظُرَ إلى وجهها وإلى كفِّها ولا يَنظُر إلى شيءٍ غيرِ ذلك منها، وهذا قولُ أبي حنيفة، وقال الله تبارك وتعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) [النور: 31]، ففسَّر المفسِّرون أنَّ ما ظَهَر منها الكُحلُ والخاتم، والكحلُ زينةُ الوجه، والخاتم زينةُ الكفِّ؛ فرُخِّص في هاتين الزينتين، ولا بأسَ بأن ينظُر إلى وجهها وكفِّها إلَّا أن يكونَ إنَّما ينظُر إلى ذلك اشتهاءً منه لها" [الأصل 53 -54].

 وظاهره جوازُ النظر إلى وجْه الأجنبيَّة وكفِّها، وأنَّهما الزينةُ المباح إظهارُها بشَرْط عدم الاشتهاء!!

والسؤال هنا: هل يُبيح أبو حنيفة كشْفَ الوجه مطلقًا، وهل يُجوِّز للنساءِ الخروجَ بين الرِّجال كذلك، وهل يصحُّ للرجِّال النظرُ لوجوههنَّ كيفما شاؤوا إذا لم يَحصُل اشتهاءٌ؟

إنَّ مَن يقرأ هذا النصَّ قدْ يتوهَّم ذلك، ولكن مَن يطَّلع على آراء أبي حنيفة والحنفيَّة في مسائلَ أخرى متعلِّقة بالنساءِ سيَضَعُ هذا النقلَ مواضعَه.

ومن هذه الآراء ما يلي:

1-  يَمنع أبو حنيفة غيرَ العجائزِ من شُهودِ الجماعة؛ لغلبة الفسادِ، وأمَّا العجائز فأباح لهنَّ حُضورَ فرضينِ فقط، ثم جاء متأخِّرو الحنفيَّة ومَنعوا حضورَ النِّساء كافَّةً كلَّ الفروض، وبيَّنوا أنَّ هذا هو حقيقةُ قول أبي حنيفة، وأنَّ المنع مِن حضور مجالسِ الوعظِ والاستسقاءِ أَوْلى وأَوْلى. [البحر الرائق 1/380]ٍ.

2-   يرَى الحنفيَّةُ أنَّ للزوج الحقَّ في ضَرْب زوجته على خروجها من البيت إلَّا لزيارةِ المحارم؛ فيجوز في السَّنةِ مرَّةً، وأمَّا الوالدان فاشترط أبو يوسفَ أنْ لا يتمكَّنَا من المجيء إليها، وقالوا: إنَّ زيارتها لوالديها في الأسبوع مرَّةً كثيرٌ مخالف للأمْر بالقرارِ في البيت، ولأنَّ في كثرةِ الخروج فتْحَ باب الفِتنة!! [شرح فتح القدير 4/398، درر الحكام 1/416].

3-   عند الحنفيَّة أنَّ ما تستأذن له الزوجةُ للخروج سبعةُ مواضع فقط، وهي: زيارة الأبوين، وعِيادتهما، وتَعزيتهما، وزيارة المحارم، وإنْ كان لها حقٌّ مِن دَين أو غَيره أو لغيرِها عليها حقٌّ، والسادسة: القابلةُ، والسابعة: المُغسِّلة. وفيما عدا ذلك تُمنع، فتُمنَع من زيارةِ غير المحارمِ، ومِن الوليمةِ والعِيادة، ولو أذِن لها الزوجُ فإنَّه وإيَّاها عاصيانِ!!!. [البحر الرائق 1/380].

4-   يرى الحنفيَّة أنَّ الزوجة التي تُوفي عنها زوجُها وله أبناءٌ من غيرها وهم في بيت واحدٍ، أنَّ عليهم أن يضعوا سِترًا بينهم وبينها- مع أنَّهم محارمُ بالاتفاق- ويُنظر توجيه ذلك عندهم. [البحر الرائق 4/168].

5-   المشهور عند الحنفيَّة أنَّه لا يحلُّ للمرأة رفْعُ صوتها عند الأجنبيِّ حتى لو قيل: إنَّه ليس بعورة. [شرح فتح القدير 1/260، حاشية ابن عابدين 1/406].

6-   يرَى الحنفيَّة أنَّ ما يَنظُر إليه الخاطبُ الوجهُ. [بدائع الصنائع 5/122].

7-  يرَى الحنفية أنَّ المحرِمة تُغطِّي وجهَها عن الأجانب وجوبًا، وأنَّه يستحبُّ لها ذلك عند عدمهم. [حاشية ابن عابدين 2/528].

فهذا غيضٌ من فيضٍ مِن آراء الحنفيَّة، وفيها من التشديد ما ترَى؛ أفيُعقَلُ بعد هذا أن يُنسَب إليهم تجويزُ خروجِ النِّساءِ عامَّةً، والشوابِّ خاصَّةً إلى الأسواقِ والمقاهي ونحوِها وقد كشَفْنَ وجوههنَّ، والرِّجال ينظرون إليهنَّ؟!!

إذا كانت المتزوِّجةُ لا تخرُج عندهم في منصوص أئمَّتهم إلَّا إلى أماكنَ خاصَّةٍ؛ فما قولهم في الشابَّة والعزباء؟! وإذا كان الخاطبُ عندهم لا يرَى إلَّا الوجهَ؛ فما قِيمةُ ذلك لو كانوا يُبيحون كشْفَ الوجه مطلقًا ونظَرَ الرجال إليه؟! سيكون هذا مِن تحصيل الحاصلِ، وتأمَّل كيف أوجبوا على المُحرِمةِ سترَ وجهها مع أنَّ إحرامها في وجهِها؟!

إنَّ مراد الإمام بعيدٌ كلَّ البُعدِ أن يُراد به كلُّ النِّساء وعمومُ الناظرين وفي كافَّة الأحوال، ولا أقول هذا القول لِمَا تَقدَّم فحسبُ، بل لِمَا سأورده الآن من عِبارات أئمَّتهم المانعة من كشْف الوجه والنَّظر إليه، مُذكِّرًا نفْسي وإخوتي بأنَّه لا ينبغي أنْ نختارَ من أقوال أتْباع المذاهب ما يَروقُ لنا، ثم نجعله المذهبَ أو قولَ إمام المذهب!

في المحيط البرهاني في الفقه النعماني (8/ 291): (والنظرُ إلى الأجنبيَّة مع ما فيه من خوفِ الفِتنة لا يجوزُ إلَّا لضرورة).

وقال في مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (1/ 285): (ودلَّتِ المسألةُ على أنَّ المرأةَ لا تَكشِف وجهَها للأجانبِ من غيرِ ضرورةٍ).

في البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق 1/284: (قال مَشايخُنا: تُمنَعُ المرأةُ الشابَّةُ من كشْفِ وجهِها بين الرِّجال في زَماننا للفِتنة).

 وفي مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر 1/81: (وفي المُنتقَى: تُمنَعُ الشابَّةُ عن كشْفِ وجهِها؛ لئلَّا يُؤدِّي إلى الفِتنة، وفي زَمانِنا المنعُ واجبٌ، بل فرضٌ؛ لغلبة الفسادِ).

وفي حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص241: ("إلَّا وجهها" ومنع الشابَّة مِن كَشْفِه؛ لخوف الفتنة).

وفي حاشية ابن عابدين (رد المحتار) 1/406 – وهو مِن العُمَد في معرفةِ الصَّحيح عند الحنفيَّة-: (والمعنى: تُمنَعُ من الكشْفِ لخوفِ أن يرَى الرجالُ وجهَها، فتقع الفتنةُ؛ لأنَّه مع الكشف قد يقَعُ النظر إليها بشهوةٍ).

وفي الحاشية أيضًا 2/528: (وفي المحيط: ودلَّت المسألة على أنَّ المرأة منهيَّةٌ عن إظهارِ وجهِها للأجانب بلا ضرورة؛ لأنَّها منهيَّةٌ عن تغطيتِه لحقِّ النُّسك، لولا ذلك وإلَّا لم يكُن لهذا الإرخاءُ فائدةٌ. اهـ،  ونحوه في الخانية، ووفَّق في البحر بما حاصلُه: أنَّ محمل الاستحباب عند عدَم الأجانب).

ثم بيَّن ابن عابدين أنَّ وجوب التغطية هو رأيُ علماء الحنفيَّة.

وسبَق ذِكر كلام الجصَّاص في وجوبِ غِطاء الوجه في أوَّل البحث.

إنَّ هذه الكوكبةَ من علماء الحنفيَّة أدْرَى بمرادِ أبي حنيفة من كلامِه وأعرفُ بمقصوده، ومن خلال كلامِهم يظهر بجلاءٍ أنَّ ما نقَلَه عنه محمَّد بن الحسن من الكشفِ والنظرِ مُقيَّد بالحاجةِ، أو الضرورة، وأنْ لا يكون الكشفُ ممَّن تمتدُّ إليها الأنظار.

وإنَّ الواقع السيِّئ لكثيرٍ من نِساء المسلمين لا يصحُّ بحالٍ أن يُنسَب تجويزُه لأبي حنيفة- رحمه الله- أو إلى مذهبِه.

وأمَّا مذهب الإمام مالكٍ، فلا يَبعُد عن ذلك، غير أنَّه لا بأسَ من التذكير بأمورٍ، ومعها بعض زِيادات فأقول:

-         ما يَنقُله المالكيَّةُ عن الإمام مالكٍ من تفسيرِ الزينة الظاهرة بالوجه واليدين، لا يَعني بالضرورةِ أنَّ الإمامَ يُبيح الكشفَ على كلِّ حال، وأنَّهما ليسَا بعورة، ولا يصحُّ العبثُ بنصوص الأئمَّة؛ ففي مثالنا هذا نقَلَ ابنُ بُكيرٍ أنَّ الإمامَ مالكًا فسَّر الزينةَ في آية النور بالوجه والكفين فحسبُ، ولم يقُلِ ابنُ بكير إنَ مالكًا يرى أنَّهما ليسا من العورة، ولا أنَّه يجوز كشْفه للأجانب، وقد سبَق بيانُ عدم الملازمة بين تَفسيرِها بالوجه واليدين وبين الحُكم عليهما بكونِهما عورةً أو يُباح كشفُهما بإطلاق.

-         كذلك ما يَذكُرونه عن عورةِ الصَّلاة لا يَنسحِبُ بالضرورةِ على عورة النَّظر، وقد سبق النقلُ عن المعيار المعرب.

فعلى الباحثِ عن رأيِ الإمام مالكٍ أن يضعَ هذه النقطةَ وما قبلها نُصبَ عينيه؛ ليحسن التعامُل مع النصوص الواردة عن الإمام.

-         رأيتُ بعضَ الباحثين، ومنهم الدكتور حاتم، يستدلُّون على إباحةِ الإمام مالكٍ لكَشْفِ الوجه بتناوُل المرأةِ الطعامَ مع غير مَحرَمٍ.

والواقع أنَّ الإمام ما ذَكَر هنا كشْفَ الوجه واليدين، وإنما فَهِم هذا بعضُ المالكيَّة، وخالفَهم آخرون كما سيأتي، نعمْ لو أَطبقوا على هذا الفَهم لاحتَمَل ذلك. ولو سَلَّمْنا جدلًا أنَّ الإمام يرى أنَّ المرأة في هذه الحالة تُبدي وجهَها ويديها، فلا يلزم منه إباحةُ ذلك لكلِّ امرأة، ولعلَّ الإمامَ يَعدُّ هذه من الحاجاتِ المعتبرة شرعًا التي يسوغ معها كشفُ الوجه، وبكلِّ حال لا نستطيع مِن خلال هذا النصِّ فقط- لِمَا يَتطرَّق إليه من احتمالاتٍ- أن نجعلَ ذلك قولًا للإمامِ في عُمومِ الأحوال وعموم النِّساء.

وأؤكِّد على أنَّ المرأةَ قد تأكُل بحضرة أجانب وهي ساترةٌ لوجهها، وقد رأيتُ ذلك عِيانًا، كما أنَّ القاضي عياضًا- رحمه الله- كان أمينًا في نقْله، حيث نقَل تفسيرَ الأزهريِّ لكلامِ مالكٍ بأنَّه أكْل المرأة في الحِجال؛ قال: (وقال الأزهري: معنى قول مالك المتقدِّم فى المؤاكلة ذلك فى الحِجَال– جمْع حَجلة، وهو بيتٌ كالقُبَّة يُستَرُ بالثياب) [إكمال المعلم 6/267، لسان العرب 11/144]، وهذا يُفيد أنها لم تُغطِّ وجهها فقط، بل حجَبَتْ كلَّ جِسمها!

وعليُّ بن الجهمِ حمَل هذا على العجوزِ المتجالَّة. [النظر في أحكام النظر ص 50].

كذلك ما يَنقُلونه عن الإمامِ في مسألةِ الرِّجال يُيمِّمون المرأةَ، ليس فيه التصريحُ بأنَّها كاشفةٌ؛ فقد يُيمِّمون المرأةَ وهي مستورة.

لا سيَّما والإمام مالك يرَى أنَّه لو ماتت امرأةٌ في فلاة ليس معها سوى ابنِها، أنَّه يُغسِّلها من وراءِ الثوب. [النوادر والزيادات 1/551].

سَلَّمْنا أنَّها كاشفةٌ، فلتُحْمَل على الضرورةِ، أو الحاجةِ المعتبرة شرعًا.

وأمَّا إباحة المرأةِ الـمُظاهَر منها أن تكشفَ وجهها لزوجها، فهو لأنْ يكون دليلًا على تغطيته أقربُ منه لأنْ يكون دليلًا على كشْفِه، فقصارى ما يدلُّ عليه أنَّ الظِّهار لا يجعلها محرَّمةً عليه، بل تَبقَى الزوجيَّة، فيراها زوجُها ويراها غيرُه ممَّن أُبيح له ذلِك.

وقد علَّق أبو الحسن ابن القَطَّان على هذه الرِّواية عن مالك، فقال: (يُمكن تأويلُه على أنَّه قد يراه غيرُه للضرورةِ من شهادةٍ، أو خِطبة، أو غير ذلك) [النظر في أحكام النظر ص 49-50]- وإنْ كان لم يَرتضِه، لكنَّه لم يأتِ بشيءٍ ظاهرٍ يردُّه.

 وأقول: لو كان الوجهُ مباحًا رؤيتُه لكلِّ أحد، لقال الإمام: وكلُّ أحد له النَّظر، ونحو ذلك مِن العبارات الدالَّة على الحِليَّة المطلَقة، وليس أنْ يقول: ( وقد يَنظُر غيرُه أيضًا إلى وجهِها) وهي عبارةٌ تدلُّ على التقليل، وهنا أنصحُ نْفسي وإخوتي بعدم نِسبة أقوال إلى الأئمَّة أخذًا من عِبارات مُجمَلة، لا سيَّما وقد حارَ فيها أتباعُهم!

لقد سُئل الإمام مالك– كما في البيان والتحصيل 7/296- عن الرجُلِ يَشتري الجارية؛ أترَى أن ينظُرَ إلى كفَّيها؟ قال: أرجو أنْ لا يكون به بأسٌ.

فهذه أَمَة كفَّاها غيرُ عورةٍ إجماعًا، ومع ذلك يُجيب الإمامُ بإجابة المتورِّعِ بادئًا بقوله: (أرجو)؛ فكيف يُنسب له إباحةُ ذلك من الحُرَّةِ مطلقًا؟!

لو كان الإمامُ يَرى أنَّ الكفَّينِ ليسَا من العورةِ، لأجاب بأنَّ ذلك جائزٌ من الحُرَّة، فالأَمَة أَوْلى، لا أنْ يُجيب بهذه الطريقةِ.

كما أنَّ حُدودَ نظر الخاطب عند المالكيَّة هي الوجهُ والكفَّان فقط، وبشَرْط أن يَغلِبَ على الظنِّ إجابتُه!! [الخرشي على مختصر خليل 3/165-166، حاشية الدسوقي 7/330]؛ فلو كانَ مكشوفًا في كلِّ أحوالها؛ فما قِيمةُ تقييد الرؤية بالوجهِ، وبقَيدِ ظنِّ الإجابة أيضًا؟!

ويَرون أنَّ المُحرِمة إنْ خُشِي منها الفتنةُ وجَب عليها أنْ تُغطِّي وجهَها، وإلا استحبَّ ذلك. [حاشية الصاوي 2/75].

ومن خلال ما وقفتُ عليه من نقولٍ كثيرةٍ عن المالكيَّة يظهر أنَّهم يرون وجهَ المرأة عورةً يجبُ سترُها إذا خُشِي منها الفتنة، وإذا نظَر إليها أحدٌ تلذُّذًا كنظر المحدِّق، ولو كانت مُحرِمةً، وأنه يجوزُ أن تكشفَ لحاجةٍ كشهادةٍ، وعلاجٍ، ورؤيةِ خاطب، والعجوزُ يجوزُ لها ذلك، أمَّا الكافرُ فعندهم جميعُ جسدِها بما في ذلِك الوجه والكفَّان عورةٌ، لا يَحِلُّ لها أن يرَى الكافرُ الأجنبيُّ منها شيئًا.

وبناءً على ما تَقدَّم فلا يصحُّ للمرأة أنْ تَخرُجَ بين الرجال كاشفةً؛ لأنَّه لا يخلو الأمرُ من ناظرٍ بتلذُّذ، وليستِ الفتنةُ مأمونةً، ولَمَّا كان مآلُ الأمر في الواقع إلى التغطية اختارَ جمهرةٌ من المالكيَّة أنَّ كلَّ بدن المرأة عورةٌ، كابن عطية، وابن العربي، والقرطبي.

إنَّ النُّصوصِ عن المالكيَّة بوجوب ستر الوجه كثيرة جدًا، وقول علماء المالكية بكون الوجه واليدان ليسا بعورة لا يريدون به إباحة الكشف مطلقًا وإنما عند الحاجة والضرورة

وأسوق الآن طرفًا من هذه النصوص:

قال ابنُ خُويز منداد: (إنَّ المرأةَ إذا كانتْ جميلةً وخِيف من وجهِها وكفَّيها الفتنةُ، فعليها سترُ ذلك، وإنْ كانت عجوزًا أو مقبَّحة، جاز أن تكشفَ وجهها وكفَّيها). القرطبي 12/229.

وفي البيان والتحصيل (4/ 428): (فجائزٌ للرَّجُل أن يَنظُر إلى ذلك من المرأةِ عند الحاجةِ والضرورة)، أي: الوجه والكفَّين.

وقال الحطَّاب: (واعلم أنَّه إنْ خُشي من المرأة الفتنةُ يجبُ عليها سترُ الوجه والكفَّين؛ قاله القاضي عبد الوهاب، ونقلَه عنه الشيخُ أحمد زروق، وهو ظاهرُ التوضيح) [مواهب الجليل 1/499].

قال في الفواكه الدواني 2/277: (اعلم أنَّ المرأةَ إذا كان يُخشى من رُؤيتها الفتنةُ، وجَبَ عليها سترُ جميعِ جسدِها، حتى وجهِها وكفَّيها).

وفي 2/313: ("وأمَّا المُتجالَّة" وهي العجوزُ الفانية "فله" أي: الأجنبي "أن يرَى وجهَها" وكفَّيها "على كل حال"، ولو لغيرِ عُذر؛ للأمنِ ممَّا يحصُل برؤية الشابَّة).

في الشرح الكبير 1/214: (فإذا خِيف من أَمَة فِتنةٌ وجَب سترُ ما عدا العورةِ؛ لخوف الفتنةِ، لا لكونها عورةً، وكذا يُقال في نظيره كستر وجهِ الحرَّة ويديها).

وفي حاشية الصاوي 2/75 عن المحرِمة قال: (حاصلُ المعتمَد: أنَّها متى أرادتِ السترَ عن أعينِ الرِّجالِ، جاز لها ذلك مطلقًا، عَلِمتْ أو ظنَّتِ الفِتنة بها أم لا، نعمْ إذا عَلِمتْ أو ظَنَّت الفتنة بها وجَبَ كما قال الشارحُ) قال الزرقاني: لأنَّه يصير عورةً. [شرح الزرقاني على مختصر خليل 2/290].

وفي جواهر الإكليل 1/41: (وأمَّا الأجنبيُّ الكافر فجميعُ جسدِها، حتى وجهها وكفَّيها، عورةٌ بالنسبة له).

قال ابنُ عَطيَّة: (لَمَّا كانتْ عادةُ العربيَّات التبذُّلَ في معنى الحِجْبة، وكنَّ يكشِفْنَ وجوههنَّ كما يفعلُ الإماءُ، وكان ذلك داعيةً إلى نظر الرِّجال إليهنَّ، وتشعُّب الفِكر فيهنَّ- أمَرَ الله تعالى رسولَه عليه السلام بأمرهنَّ بإدناءِ الجلابيب؛ ليقعَ سترُهنَّ، ويَبِين الفرقُ بين الحرائر والإماء، فيُعرف الحرائرُ بسترهنَّ) [المحرر الوجيز 7/147].

وقال ابن العربي في أحكام القرآن 3/616: (والمرأةُ كلُّها عورةٌ؛ بَدنُها وصوتُها، فلا يجوزُ كشفُ ذلك إلَّا لضرورةٍ أو لحاجةٍ، كالشَّهادة عليها).

أنتقل الآن إلى مذهب الشافعيِّ مُبتدئًا بعِدَّة نِقاط:

-         إنَّ ما ورد عن الإمامِ من نقولٍ؛ إمَّا أن تكونَ في عورةِ الصلاة، وإمَّا أن يكون تفسيرًا لآية النور، وسبَق أنه من الخطأ تنزيلُ ذَينك الأمرينِ على عورةِ النظر.

-         جاء عن الشافعيِّ إباحةُ نظر الخاطب إلى الوجه والكفَّين فقط. [مختصر المزني الملحق بكتاب الأم 8/264]، وقد ذكرتُ دلالةَ هذا على تغطية الوجه والكفَّينِ سابقًا.

-         إنَّ المعتمَد عند الشافعيَّة هو ما اتَّفق عليه الرافعيُّ والنوويُّ، ثم الهيتميُّ والرمليُّ.

-         إنَّ أكثرَ مذهب يَحكي الإجماعَ على تحريمِ خروج المرأةِ سافرةً هو مذهبُ الشافعيَّة.

إذا تَقرَّر ما سبَق، فإنَّ الرافعيَّ والنوويَّ اتَّفقًا على أنَّ وجه المرأة عورةٌ لذاته، لا لكونه مظنَّةَ الفتنة، وأنه يجب غضُّ البصر حتى مع أمْن الفتنة، وحتى لو كانتْ متنقبةً. [منهاج الطالبين ص 204، تحفة المحتاج 7/192-193، مغني المحتاج 4/209، جواهر العقود 2/4].

قال السبكيُّ: الأقربُ إلى صنيعِ الأصحاب أنَّ وجهها وكفَّيها عورةٌ في النظر. [نهاية المحتاج 6/187].

قال الرمليُّ: (وحيثُ قيل بالتَّحريم- وهو الراجحُ- حرُمَ النظرُ إلى المنتقبةِ التي لا يَبينُ منها غيرُ عينيها ومحاجرِها، كما بحَثه الأذرعيُّ ولا سيَّما إذا كانتْ جميلةً؛ فكم في المحاجرِ مِن خناجِر! وأفهم تخصيصُ الكلامِ بالوجه والكفَّين حُرمةَ كشْفِ ما سوى ذلك من البَدن، وما اختاره الأذرعيُّ تبعًا لجمْعِ مَن حلَّ نظَرَ وجهِ وكفِّ عجوزٍ تُؤمَن الفِتنةِ من نظرها لآيةِ (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ) [النور: 60]- ضعيفٌ مردودٌ بما مرَّ مِن سدِّ الباب، وأنَّ لكلِّ ساقطةٍ لاقطةً) [نهاية المحتاج 6/188].

ويُبيِّن العمرانيُّ معنى كشْف المحرِمة لوجهها، فيقول: (وإذا أَحرمت المرأةُ.. فإنَّه لا يجبُ عليها كشْفُ رأسها، ولكن لا يجوزُ لها تغطيةُ وجهها، ولَسْنا نريد بذلك أنَّها تُبرزه للناس، وإنما نُريد أنَّها لا تُغطِّيه؛

فإن أرادتِ المرأة أن تسترَ وجهها عن الناس.. عقدَتِ الثوبَ على رأسها، وسَدَلَتْه على وجهها) [البيان في مذهب الشافعي 4/154-155].

وأمَّا الإجماعات التي يَنقُلها الشافعيَّةُ على تحريم السُّفور، أو على أنَّ عادة النساء في كلِّ عصرٍ تغطيةُ الوجه فمتعدِّدة، فقد حكاه الموزعيُّ. تيسير البيان 2/1001، والجويني. نهاية المطلب 12/31، والغزالي. إحياء علوم الدين 2/47، وابن حجر. فتح الباري 9/324.

إنَّ عادةَ المسلِماتِ تغطيةُ الوجه على مرِّ العصور، وأحسَبُ أنَّ هذا هو الذي صرَفَ الأئمَّةَ كأبي حنيفة ومالك والشافعي عن التنصيصِ عليه، أو على خِلافه، وهم أجلُّ مِن أن يُنسَبَ إليهم جوازُ ما ابتُلي به عصرُنا من كثرة السُّفور وشُيوعه، بل ما هو أشدُّ!

يقول الموزعيُّ الشافعيُّ: (والسَّلف والأئمَّة كمالكٍ والشافعيِّ وأبي حنيفة وغيرِهم لم يَتكلَّموا إلَّا في عورة الصلاة... وما أظنُّ أحدًا منهم يُبيح للشابَّةِ أن تَكشِفَ وجهَها لغير حاجة) [تيسير البيان 2/1002]، وما قاله الموزعيُّ ظنًّا، أقوله جزمًا.

بقِي رأي الحنابلة في عورة المرأة.

المعتمَد في مذهب الحنابلة- كما في كشاف القناع وغيره-: أنَّ الوجه والكفَّين من المرأة عورةٌ، وهو ما نصَّ عليه الإمامُ أحمد.

قال الإمام أحمدُ: (كلُّ شيءٍ من المرأة عورةٌ، حتى ظُفرها، وقال: الزينةُ الظاهرة، والثياب، وكلُّ شيءٍ منها عورة- يعنى: المرأة- حتى الظُّفر، وقال: ظُفر المرأة عورةٌ، وإذا خرجت فلا يَبين منها لا يَدُها ولا ظُفرُها ولا خُفُّها؛ فإنَّ الخفَّ يصِفُ القدمُ) [أحكام النساء للإمام أحمد- رواية الخلال ص32-33].

وفي كشاف القناع 1/266: ("وهما" أي: الكفَّان "والوجه" من الحُرَّةِ البالغة "عورةٌ خارجَها" أي: الصلاة "باعتبار النَّظرِ كبقيَّة بدنِها").

قال في نيل المآرب 1/125: (والوجْهُ والكفَّانِ من الحُرَّةِ البالغةِ عورةٌ خارجَ الصلاة باعتبار النظرِ كبقيَّة بدنها).

وقال في كشف المُخدَّرات 1/116: (والوَجْهُ والكفَّان عَورةٌ خارجَها باعتِبارِ النَّظرِ كبقِيَّةِ بدنِها).

يقول شيخُ الإسلام: (اختلفت عبارةُ أصحابِنا في وجْه الحُرَّة في الصلاة؛ فقال بعضُهم: ليس بعورةٍ، وقال بعضُهم: عورةٌ وإنَّما رُخِّص في كشْفِه في الصلاة للحاجة، والتحقيق: أنَّه ليس بعورةٍ في الصَّلاة، وهو عورةٌ في باب النَّظر إذْ لم يَجُز النظر إليه) [الفتاوى الكبرى 5/324]. قال المرداويُّ: (وهو الصوابُ) [الإنصاف بحاشية المقنع والشرح الكبير 3/207].

وأختِمُ بتنبيه الراغب في بحْثِ هذه المسألة- على أنَّه حِين يُصرِّح بحُسنِ نيَّة على أنَّ وجه المرأة وكفَّيها ليسَا بعورةٍ- فعليه أنْ يرَى الواقعَ الذي يَعيشه، وأن يتأمَّلَ في تِلك الشروطِ والمُحترَزات والتَّقييدات التي يَذكُرها الفقهاءُ؛ صونًا لجناب الشريعةِ، وحمايةً للأعراض، وأنْ لا يُحمِّل كلامَ العلماء ما لا يَحتمل، أو يُنزل كلامَهم على الواقِع المُزرِي الذي نَعيشه، فيَجني على نفْسِه، وعلى العلماءِ وعلى مُجتمعِه.


منصور بن حمد العيدي