السياحة الدينية من منظور شرعي

منذ 2015-01-19

ولكن العاقل من يتعظ بسفره ويجعل سياحته تقربه لربه، وتزيد من إيمانه ومعرفته وثقافته، ولما أراد أعداء ابن تيمية طرده من بلاده قال - يرحمه الله -: "ما ينقم مني أعدائي، أنا جنتي في صدري، قتلي شهادة، وتسفيري سياحة، وسجني خلوة".

تعتبر صناعة السياحة من أعظم الروافد الاقتصادية في هذه الأزمنة؛ نظراً لسهولة الأسفار، ومعاناة البشرية من ضغوطات العمل والروتين.

وتنقسم السياحة إلى أنواع حسب الغرض من السياحة، ومن أنواعها: السياحة الدينية، إلا أن هناك موقفاً من كثير من العلماء والمصلحين من السياحة الدينية؛ بسبب أنها في الغالب تطلق على زيارة أضرحة الصالحين لدعائها وطلب الحاجات منها، مما يروج للخرافة والبدع والشرك، لكن هل يعني وجود الممارسات الخاطئة، واستخدام اسم السياحة الدينية، لنشر الخرافة وعبادة الأضرحة، يجعلنا نرفض هذا المصطلح بإطلاق؟ أعتقد أن السياحة الدينية لا يمكن رفضها بإطلاق ولا قبولها إلا بما ورد في الشرع.

وقد ورد في الحديث عن أبي أمامة - رضي الله عنه -: "أنَّ رَجُلاً قال: يَا رَسُولَ الله، ائْذَنْ لِي بالسِّيَاحَةِ". قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ في سَبِيلِ الله عَزَّوَجَلَّ)).

عندما كان الإسلام لا يأمر بالذهاب في الأرض، ومفارقة الوطن والأحباب قهرًا للنفس بمفارقة المألوف وهجر المباحات، بين النبي - عليه الصلاة والسلام - "أن الإسلام دين الحياة والجهاد في سبيل الله في هذه الأرض ولن يعدم المسلم بابًا من أبوابه".

وقد كان كثير من العباد من أهل الديانات قبل الإسلام يتركون ملذات الدنيا ويعيشون في الكهوف، بعيداً عن مخالطة الناس، ويتنقلون في البراري، ويرضون باليسير من الأقوات، رغبة في حصول الصفاء، وظناً أن هذا الأمر مما يقرب إلى آلهتهم، ويطلق على هذا التنقل سياحة، وهي معروفة عند عباد النصارى والبوذيين والهندوس وغيرهم من الديانات الشرقية. فظن هذا الصحابي أن التنقل مما يشرعه الله لأجل البعد عن الملهيات التي تلهي عن العبادة؛ فاستأذن نبي الله - صلى الله عليه وسلم -، فأرشده إلى دين الله الحق ليس في العزلة والتنقل وتعذيب النفس، وإنما هو رحمة للبشرية، ولا بدّ من نقله إليهم بالدعوة والجهاد.

وكما أخبر - صلى الله عليه وسلم - إلى حقيقة مُرة، وهي: حقيقة التقليد والاتباع للفرق السابقة، كما في حديث أبي سعيد - رضي الله عنه -: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لَتتَّبِعُنَّ سَنَنَ من كان قبلَكم؛ شِبراً بشِبرٍ، وذِراعاً بذِراع، حتّى لو سَلَكوا جُحرَ ضَبٍّ لَسَلكتُموهُ)). قلنا: "يا رسولَ الله، اليهودَ والنصارَى"؟ قال: ((فمن))؟.

لذا نجد بعض من ينتحلون التصوف مذهباً يرشدون أتباعهم إلى تصفية النفس من العوالق بالسياحة، وهي الانتقال في البراري والوحدة عن الخلق للتأمل بلا زاد ولا صاحب، فتركوا الجمع والجماعات والجهاد، ولم يشاركوا في بناء مجتمعاتهم وتنميته. لذا اشتد نكير أهل الحق من العلماء الربانيين عليهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "وأما السياحة التي هي الخروج في البرية من غير مقصد معين فليست من عمل هذه الأمة، ولهذا قال الإمام أحمد: ليست السياحة من الإسلام في شيء ولا من فعل النبيين ولا الصالحين".

لقد صحح الإسلام هذا المفهوم الخاطئ عند الديانات القديمة، فوردت السياحة بمفاهيم محمودة في القرآن كصفة من صفات أهل الجنة من المؤمنين، حيث قال - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ العَابِدُونَ الحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ) [التوبة: 111-112].

ثم وردت كلمة السياحة مرة أخرى في وصف أفضل النساء اللاتي ينبغي أن يكن أزواجاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - قال الله - تعالى -: (عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً منكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيبَاتٍ وَأَبْكَاراً) [التحريم: 5]

قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "وفسرت السياحة بالصيام، وفسرت بالسفر في طلب العلم، وفسرت بالجهاد، وفسرت بدوام الطاعة".

لقد كانت السياحة قبل الإسلام تعني: الرهبانية، فقد كان الرهبان يُسمَّونَ سُياحاً؛ لأنهم يتركون الدنيا ويخرجون إلى الفلوات ليعيشوا مع الوحوش.

إن سياحة هذه الأمة هي: الجهاد في سبيل الله،  والمساهمة في البناء الحضاري بطلب العلم وغيره من المقاصد الطيبة.

ومن المعلوم أن الجهاد لا ينحصر في القتال، فقد تساءلت عائشة - رضي الله عنها - عن جهاد النساء فقالت: "يا رسول الله، هل على النساء من جهاد"؟ قال: ((نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهادٌ لا قِتالَ فِيهِ: الحَجُّ وَالعُمْرَةُ)).

كما أن مقارعة خصوم الحق ومناقشتهم ودعوتهم إلى اتباع سبيل المؤمنين من الجهاد الشرعي، كما في قوله –تعالى-: (فَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً) [الفرقان: 52].

وفي الحديث: ((جاهدوا المشركين بألسنتكم وأنفسكم، وأموالكم، وأيديكم)).

فتبين أن الجهاد: جهاد السِّنَان والقتال، وجهاد اللسان بالأقوال، وقصد البيت الحرام للحج والعمرة.

وأما حكم الإسلام في المفاهيم السياحية الجديدة: فكما هو معلوم أن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني؛ لأن العرف الحالي حدد معنى آخر للسياحة غير المفهوم الذي تحدث عنه السابقون، فالسياحة في العرف هي: الانتقال من بلد لبلد لغرض ما، فهي مرادفة للسفر في العرف اللغوي. وأقسامها متنوعة بحسب الغرض من السياحة.

أقسام السياحة:

1- السياحة الدينية: وهي ما كان القصد منها طلب الثواب والأجر. وقد يكون القصد شرعياً؛ كالحج والعمرة، وزيارة المسجد النبوي والمسجد الأقصى. وقد يكون بدعياً؛ كزيارة الأضرحة المشاهد والأماكن التي تقصد لعمل البدع.

2- السياحة الثقافية: لطلب العلم، وزيارة معارض الكتب ونحو ذلك.

3- السياحة الصحية: لطلب العلاج والاستشفاء، وذلك بزيارة الأطباء الحاذقين والمياه الحارة المعدنية، والبحار ذات الملوحة المفيدة لبعض أمراض الروماتيزم وغيرها.

4- السياحة التجارية: بزيارة المعارض الدولية، وعقد الصفقات، وإيجاد عملاء جدد.

5- سياحة الاستجمام والتغيير.

6- سياحة الترفيه: وهي تطلق عادة على الأمور المخالفة للدين، من معاقرة الخمور، وحضور الحفلات الغنائية والأفلام السينمائية وغيرها من المحرمات والكبائر.

الحكم الشرعي لأقسام السياحة:

ومن هذا التقسيم نستطيع أن نتصور الحكم الشرعي في هذه الأقسام، إذ ينطبق على السياحة الأحكام الخمسة:

1- فتكون واجبة: كالحج والعمرة.

2- وتكون مستحبة: كالحج والعمرة لمن قضى فرضه، وكزيارة المسجد النبوي والأقصى، ومسجد قباء لمن كان في المدينة، والسفر لطلب العلم وصلة الرحم والزيارات الأخوية.

3- وتكون مباحة: وهي ما كان للتجارة والاستجمام والتطبب، وقد يؤجر العبد عليها بالنية الصالحة.

4- وتكون مكروهة: وهي الإكثار من السفر، إذ من المقرر أن الإكثار من المباح مكروه؛ لأنه يشغل عن عبادة الله - تعالى - وبناء المجتمع.

5- وتكون محرمة، وهي نوعان:

أ - فقد يكون الغرض طيباً: لكنه ليس مما جاء به الإسلام، فيكون من قبيل البدع؛ كالسفر لزيارة الأضرحة والمشاهد وأماكن البدع.

ب - وقد يكون الغرض محرماً من الأساس: كسياحة الترفيه، وحضور المهرجانات الغنائية، ولعب القمار والميسر ونحو ذلك.

وللأسف فإن السياحة عند إطلاقها عند كثير من الناس خارج الجزيرة العربية يراد بها هذا النوع. فصارت السياحة في هذه الأيام ليس فيها ذكر للجهاد ولا للعبادة، بل هي تنصل من الجهاد والعبادة. بل إن سياحة كثير المسلمين في هذه الأزمنة هي السياحة على المفهوم الغربي الشهواني. فالغربي يعمل طوال العام ويجمع المال في حرص وشح حتى إذا جاء وقت الإجازة عطل عقله، وعطل تفكيره، وعطل أخلاقه -إن كان له بقية أخلاق-، ثم أصبح بهيمة من البهائم: (يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) [محمد: 12].

وبعد هذه التقسيمات يجدر بنا أن نتحدث عن بعض القضايا التي يتساءل عنها الكثير، وهي مسائل خمس:

المسألة الأولى: حكم زيارة الأماكن الأثرية التي هلك أصحابها بالعذاب، كقوم صالح.

لقد ثبت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمرنا أن لا ندخل على القوم المعذبين.. أمرنا ألا ندخل مدائن ثمود إلا ونحن باكين، حتى لا يصيبنا ما أصابهم من العذاب. والمقصود استحضار الخشية والخوف من الله عند دخول هذه الأماكن.

وحين مر - صلى الله عليه وسلم – بالحجر، قال: ((لا تشربوا من مائها شيئاً، ولا تتوضؤوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئاً، ولا يخرجن أحد منكم إلا ومعه صاحب له))، ففعل الناس إلا أن رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء، فأخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((ألم أنهكم أن لا يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه))، ثم دعا للذي خنق على مذهبه فشفي، وأما الآخر فأهدته طيء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم المدينة.

ولا بدّ أن يعُلم أنه لا يصح أن يعتز أحد بقوم مكذبين، مثل: قوم صالح، أو أصحاب الأخدود، أو بقايا الأحقاف، أو أي قوم عذبهم الله - تعالى - في الدنيا، وإنما يعتز في بلادنا المباركة؛ كونها موطن الدعوة ومهبط الوحي ومأرز الإسلام. فما ينشر من بعض الكتاب أننا بلاد حضارات عريقة، مثل: أصحاب الأخدود وغيرهم، أمر لا ينبغي أن يقال؛ لأنهم لا يستحقون الفخر، وقد صدر منهم ما صدر من الجبروت والطغيان.

المسألة الثانية: حكم زيارة الأماكن الأثرية التي لقوم كفار وليست أماكن عذاب.

وذلك مثل: أهرامات مصر والنوبة، وأماكن الحضارة الرومانية في الشام وغيرها، وليس في الشرع ما يمنع زيارة هذه الأماكن، والأجدر بالمؤمن أن يتعظ برؤية هذه الحضارات، وكيف انتهت بعد أن وصلت إلى مكان عالٍ من التحضر والترف، كما قال - تعالى -: (وَإِنَّكُمْ لتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِالْلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) [الصافات: 137-138].

المسألة الثالثة: حكم زيارة الأماكن الأثرية الإسلامية لغير التعبد.

وذلك مثل: المباني القديمة ونحو ذلك، وليس في الشرع ما يمنع ذلك.

المسألة الرابعة: حكم زيارة الأماكن التي هي مقصد للبدع والتعظيم المحرم.

وتحت هذه المسألة عدة فروع لا بدّ من التنبيه عليها؛ لكثرة الغفلة عنها، ووقوع الكثير من المجتمعات الإسلامية في براثن البدعة والشرك للجهل بها.

- الحقيقة الأولى: لا يجوز بناء المساجد على القبور والمشاهد.

وقد تواترت الأحاديث في التحذير من ذلك، ومنها:

عن عائشة –رضي الله عنها-: "أن أم سلمةَ –رضي الله عنها- ذكرت لرسولِ الله- صلى الله عليه وسلم - كَنيسةً رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، فذكرت له ما رأَتْ فيها منَ الصُّوَرِ، فقالَ رسولُ اللّهِ- صلى الله عليه وسلم -: ((أُولئكِ قومٌ إِذا ماتَ فيهمُ العبدُ الصالحُ - أو الرجُلُ الصالحُ - بَنَوا عَلَى قَبرهِ مسجداً، وصَوَّروا فيه تلكَ الصُّورَ، أَولئِك شِرارُ الخَلْقِ عندَ اللّه))". قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -: "فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل".

وعن عائشة وابن عبّاس - رضي الله عنهم - قالا: "لما نُزِل برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - طَفِقَ يَطرَحُ خميصةً على وجههِ، فإِذا اغتمَّ كشفهَا عن وَجههِ، فقالَ وهوَ كذلك: ((لعنةُ الله على اليهودِ والنصارَى، اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مَساجدَ. يُحذِّرُ ما صنَعَوا)).

وروى مسلم عن جندب بن عبد الله –رضي الله عنه- قال: "سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: ((إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى الله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ الله - تعالى - قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلاً، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً مِنْ أُمَّتِي خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً. أَلاَ وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلاَ فَلاَ تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ. إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذلِكَ))".

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -: "فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن - وهو في السياق - من فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يُبْنَ مسجد، وهو معنى قولها: خشي أن يتخذ مسجداً، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً، كما قال –صلى الله عليه وسلم-: ((جُعلت لي الأرضُ مسجداً وطهوراً))".

وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد))".

وعن أبي هريرة –رضي الله عنه-: عن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً، لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)).

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "لَعَنَ رسولَ الله زَائِرَاتِ الْقُبورِ، والمتَّخِذِينَ عليها المسَاجِدَ والسُّرجَ)).

وسبب هذه البدع: الإعجاب في البداية، ثم التعظيم الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى عبادتهم، فقد روى ابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: (أفرءيتم اللات والعزى)، قال: "كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره"، وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس –رضي الله عنهما-: "كان يلت السويق للحاج".

وفي (الصحيح) عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "صارتِ الأوثان التي كانت في قَوْم نُوح في العرب بعد، أما وُدٌّ فكانت لكلْبٍ بدوْمَةِ الجنْدَل، وأمَّا سُواعٌ فكانت لهُذَيل، وأمَّا يَغوثُ فكانت لمرادٍ، ثم لبني غُطيف بالجوف عند سَبَأ، وأمَّا يَعوق فكانت لهمْدانَ، وأمَّا نَسْرٌ فكانت لِحمير، لآِلِ ذِي الكَلاع، أسماءُ رجالٍ صالحين من قومِ نوحٍ. فلمَّا هَلكوا أَوْحَى الشَّيْطانُ إلى قومهم أَنِ انْصِبُوا إلى مَجالِسِهِم التي كانوا يَجْلِسون أنْصاباً وَسَمُّوها بأسمائِهِم فَفَعلوا، فلم تُعْبَدْ، حتى إذا هَلَك أُولئك وَتَنَسَّخ العلْم عُبِدت)).

وقال ابن القيم: "قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".

وأما وضع أماكن لنحر القرابين لأصحاب القبور، كما عند قبر البدوي وغيره، فأمر لا يقره الشرع؛ لأنه إعانة على الشرك الأكبر، فقد صح عن علي - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((لَعَنَ اللّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللّهِ، وَلَعَنَ اللّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثاً، وَلَعَنَ اللّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ)).

- الحقيقة الثانية: وجوب مساواة القبور بالأرض وعدم رفعها فوق شبر:

وهذا من واجبات الدولة الإسلامية للقضاء على الخرافة والشرك والبدع، فقد روى مسلم عن أبي الهياج قال: "قال لي عليّ: أَلاَّ أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -، أَنْ لاَ تَدَعَ تِمثْالاً إِلاَّ طَمَسْتَهُ. وَلاَ قَبْراً مُشْرِفاً إِلاَّ سَوَّيْتَهُ".

- الحقيقة الثالثة: حرمة زيارة هذه الأماكن التي تمتلئ بالبدع والشرك والخرافة، لغرض التفرج والاطلاع:

فقد قال - تعالى -: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) [النساء: 140].

وقال - سبحانه -: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين)[الأنعام: 68]، وثبت عن ثابت بن الضحاك - رضي الله عنه -، قال: "نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَنْحَرَ إبِلاً بِبُوَانَةَ، فَأَتَى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: إنِّي نَذَرْتُ أنْ أنْحَرَ إبِلاً بِبُوَانَةَ، فَقالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: ((هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ))؟ قالُوا: لاَ. قالَ: ((هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أعْيَادِهِمْ))؟ قالُوا: لاَ. قالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: ((أوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإنَّهُ لاَ وَفَاءَ لِنِذْرٍ في مَعْصِيَةِ الله، وَلاَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ ابنُ آدَمَ)).

- الحقيقة الرابعة: لا يجوز التبرك بالأماكن ولا بالأشجار:

عن أبي وَاقِدٍ الَّليْثِيّ: أَنَّ رَسُولَ الله –صلى الله عليه وسلم- لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ، مَرَّ بَشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَها ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فقالوا: "يا رسولَ الله، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ"، فقال النبيُّ –صلى الله عليه وسلم-: ((سُبْحَانَ الله، هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: (أجْعَلْ لَنَا إلهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)، وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)).

ولما رأى عمر - رضي الله عنه - الناس يقصدون شجرة العقبة التي حصلت فيها البيعة، أمر بقطعها؛ لأنها تفضي إلى التبرك المحرم ومن ثم لا يستبعد أن تعبد مع تطاول الأزمان وغلبة الجهل.

ونجد الأماكن التي لها تاريخ في السيرة؛ كجبل النور، وجبل الرحمة، ومبرك الناقة، ومسجد القبلتين، ومسجد الغمامة، والمساجد السبعة، يكثر زوارها ومرتادوها للبدع. وهي أماكن لم يرد في الشرع تخصيصها بصلاة ولا زيارة.

المسألة الخامسة: حكم زيارة الأماكن التاريخية لفهم الواقعة:

وهذا أمر لا يمنعه الشرع، وقد كان الواقدي - رحمه الله - يتتبع أماكن المغازي؛ ليفهما ويوفق بين الروايات المختلفة فيها. ومن أوضح الأمثلة غزوة أحد، إذ إنك لا تستطيع تصور الواقعة إلا بعد الوقوف على مكانها.

وأخيراً أقول: التغيير بالسفر أمر لا بدّ منه ولا يعارضه الشرع؛ لأن فيه مصلحة واضحة جلية، قال الشافعي:

ما في المقام لذي عقل وذي أدب  *** من راحة فدع الأوطان واغترب

سافر تجد عوضاً عمن تفارقه ***  وانصب فإن لذيذ العيش في النصب

إني رأيت وقوف الماء يفسده ***  إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب

الأسد لولا فراق الغاب ما قنصت *** والسهم لولا فراق القوس لم يصب

والشمس لو وقفت في الفلك دائمة *** لملها الناس من عجم ومن عرب

والبدر لولا أفول منه ما نظرت *** إليه في كل حين عين مرتقب

والتبر كالترب ملقى في أماكنه *** والعود في أرضه نوع من الحطب

فإن تغرب هذا عز مطلبه ***  وإن أقام فلا يعلو على رتب

وقال:

الكحل نوع من الأحجار منطرحاً *** في أرضه كالثرى يرى على الطرق

لما تغرب نال العز أجمعه *** فصار يحمل بين الجفن والحدق

ولكن العاقل من يتعظ بسفره ويجعل سياحته تقربه لربه، وتزيد من إيمانه ومعرفته وثقافته، ولما أراد أعداء ابن تيمية طرده من بلاده قال - يرحمه الله -: "ما ينقم مني أعدائي، أنا جنتي في صدري، قتلي شهادة، وتسفيري سياحة، وسجني خلوة".