الباروكة المستعارة

منذ 2015-03-25

هي بحاجة إلى من يساندها لتستعيد ما فقدته من ثقة بنفسها، ربما جاء في الوقت المناسب ليقف بجانبها تجاه السد المنهمر من الضحكات والسخرية والفوضى الدامية التي ملئت المكان..

في مستشفى فاخرة تعثرت فتاة وسقطت باروكة مستعارة بنية اللون كانت ترتديها، تستتر خلفها بحذر، ضحك الجميع بصوت مرتفع، وتعالت ضحكاتهم لترسل دويًا في الدور الرابع الذي كانوا يمكثون فيه، حتى المرضى في الغرف الداخلية سمعوا ذاك الدوي الحاد! كأن هدف قد أحرز في نهائي تصفيات كأس العالم بين مصر الجزائر!

بينما هم شاب عشريني أنيق يبدو عليه الوقار والرجولة، قام إليها يساعدها ويلملم ما تبقى من خجلها الذي بعثروه على رخام المستشفى الفاخر المرطب بمنظف طيب، وضعوه في الصباح ليعقموا الأدوار وينظفوها..

- ألم يكن أحرى أن يعقموا القلوب وينظفوها قبل الرخام؟!
- أليست قلوبنا أحوج إلى تلك المنظفات من الرخام والمراحيض الفاخرة التي توضع في تلك المستشفيات؟!
أي ألم يعتقد هو أنه سيلملمه ويخففه عنها؟

- أهو الألم الجسدي، ألم التعثر وإنثناء ركبتها تحتها فانكفأت ساقطة على الرخام قبل أن يذهب هو إليها مسرعًا ليلتقطها دون تفكير؟

- أم ألمها النفسي العميق الذي تعرضت له ساعة سخروا من سقوط باروكتها المستعارة، وتعليقاتهم الساخرة التي اخترقت جسدها النحيف كسهم أصاب رميته نظرتهم الحادة التي تركت داخلها جرح عميق كسر ثقتها بنفسها؟ لربما هي أصلاً لم يعد عندها شيء يسمى الثقة بالنفس مذ كانت في السابعة عشر من عمرها، -ألمنا النفسي أصعب بكثير من أي ألم عضوي-

- أم ترى أنه سيلملم ألم المرض الذي استولى على جسدها النحيل، وجعل بشرتها باهتة شاحبة بعدما كانت بيضاء ساطعة كبدر متلأليء في منتصف شهر هجري، يبدو أن البدر لاح بجانبه المظلم واختفى نوره الذي يسطع على الوجوه، فيزيدها بريقًا ولمعانًا -وكلنا كالبدر له جانب مظلم-، لربما تلك النظرات الحادة التي رمقتها بحدة لن تجعلها تقدر على القيام مرة ثانية.. تقوم يعني أنها تقاوم مجتمع بأكمله أراد سقوطها -هكذا هو مجتمعنا العربي، يدفعنا ولكن ليس للرقي والمعرفة بل للسقوط والوقوقع-.

هي بحاجة إلى من يساندها لتستعيد ما فقدته من ثقة بنفسها، ربما جاء في الوقت المناسب ليقف بجانبها تجاه السد المنهمر من الضحكات والسخرية والفوضى الدامية التي ملئت المكان.. -أن يكون بجانبك أحدهم خير من أن تكون وحيدًا في مواجهة التيار والموجات المتلاحقه-.

- هو القشة التي أتتها وهي في وسط بحر لجي فتعلقت بتلك القشة، وتمسكت بها وكأنها طوق النجاة وحبل الأمل الذي جاء ينتشلها من بركة الأحزان القاتلة، -يا لوقاحة البشر حين تخلوا ملامحهم وقلوبهم من الإنسانية والرحمة-.

أمسك بيدها الضعيفة بين يديه، ونظر إلى عينيها الباليتين برفق يتحسس فيها شيء لم يلمحه من قبل، وكأنها أول عين ينظر إليها، عين هادئة كقطة وديعة رموشها ساقطة تعطيها هدوء أكثر، ولونها الأخضر يعطيها رونقًا ووداعة يحيطها السواد، ويملئها الأرق، لا شيء يحجز دموعها المتناثرة على خدها الرقيق..

نزلت نظراته على خدها سريعة كدموعها حتى وصلت إلى ثغرها الصغير، ولسانها المرطب حين سمعها تهمهم بصوت مذبوح، يخرج وكأن هناك حاجز يمنعه من الخروج، صوت مكتوم تخنفه العبرات وتسيل معه دموعها كالندى المنساب لتقول: ما ذنبي أنا؟ ما ذنبي أن أسقط السرطان شعري ونحل بدني؟!

أي قدر هذا الذي يجعلك تكره المرض، وتكره البلاء الذي حل بك؟
ليفتح هو عينه بقوة من زهول ما قالت، لم يستفق من بكائه إلا حين لامست كفًا ناعمة خده تمسح تلك الدموع الصادقة عنه، لربما لو علموا ما الذي أتى بها لتقطعت قلوبهم على ما سلب منها ولم يسلب منهم -وكأن النقص فينا لن يزول-.

أتت متخفية حذرة لتأخذ تلك الجرعة، جرعة الكيماوي التي اعتادت أن تأخذها كل شهر مذ كانت في السابعة عشر من عمرها.. -هكذا المريض يعيش على أمل البقاء، وكم من أمل جاء بألم؟-.

أخذها إلى غرفتها الصغيرة بجدرانها الهادئة، التي ستأخذ جرعتها المحددة فيها، تركها على سريرها الناصع بياضًا جميلاً بعد أن أغمضت عينيها البريئتين لتبدو ملائكية أكثر نقاء وطهر في نومتها، نزل إلى الدور الثاني حيث جاء يتبرع بكيس من الدم لحالة عاجلة، سيستأصلون ورمًا خبيثًا من جسدها الهزيل وهي في عمر الزهور.. -وكم من زهرة قطفت فقدنا عطرها الجميل ورحيقها الحلو-.

أجلسوه على كرسي طويل، مد ساقه برفق وأسند راسه للوراء، أخذ نفسًا عميقًا ثم سرح بخياله بعيدًا.
بينما جاءت الممرضة ووضعت الإبرة في شريانه الظاهر كنهر مرسوم في خريطة العالم العربي، لتسيل دمائه هاربة متساقطة في قعر الكيس الذي أعدوه بعناية وحذر.

- يفقد من دمه ليروي تلك الزهرة العطرة المتعطشة إلى دمه.
- سرح بخياله نحو النافذه التي وقف عليها عصفور حزين رمادي اللون له بقعة سوداء في رقبته تميزه.
- تذكر والده المسكين حين رحل وتركه يكابد أعباء الديون، ومتطلبات الحياة التي لا تنتهي، والدته الهرمة الضعيفة، التي استولى عليها المرض كغاز استولى على مستعمرة سبى صبيانها ونساءها وقتل رجالها.

- كان السرطان يفترسها أمام عينيه ببطئ يفتك، كل ما بداخلها لتصبح مجوفة هشة من الداخل، وقوية في الظاهر! هو لا يقوى على فعل شيء لها.. يود لو أعطاها من عمره إلى عمرها.. يود لو وهبها من صحته إلى صحتها.. ولكن ليت ينفع -وحدهم الموجوعون من يحسون بألم من يتوجع-.

- يتذكر يوم قالت له ابتسم للقدر، افتح له صدرك، لا تجعل الحياة تقسو عليك، تقتل كل شيء جميل فيك، وكأنها تعلم أن النهايه باتت وشيكة وأن الحياه تقتل أجمل ما فينا، وتطفئ تلك البسمة التي كانت تنير دروب الأحزان المظلمة، -إنها الحياة تقتلنا ببطئ في كل يوم-، وكأنه الآخر يعلم أن الضربة الثانية التي ستقسم ظهره -وهي موت أمه- قد أصبحت قريبة..

- نزلت حبات دمع باردة على خده الثمين، أخفاها سريعًا..
قبل أن تأتي تلك الممرضه العصبيه لتنتشل الإبرة من يده، معلنة تحرره بعدما أصبح الكيس أحمر، شاحب اللون بينما جاءت أحدهم بالعصائر ليعوض ما فقده، وهل كل ما نفقده سيعوض؟ (كم فقدنا مالاً يسترد)

- وحده الأمل لو فقدته فقدت كل شيء..
هو ما نعيش به بعد كل تلك الخسائر التي نتكبدها..
ليكمل حياته البائسه بين صخب القدر وخيبات الدهر المتلاحقة، مع أول قطرة عصير تجرعها ببطئ تذكر الألم والشقاء الذي تجرعه قطرة قطرة.. يوم طرد من الجامعه، يوم دخل السجن، يوم فقد الحب.. 

يتبع..

 

عمرو سليمان

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام