الإعلام الإسلامي وتحديات العولمة

منذ 2015-03-26

ولعل الوجه الأبرز والأكثر حضوراً للعولمة هذه الأيام هو الوجه الاقتصادي، ومعظم المؤتمرات ـ أو المؤامرات ـ التي تعقد في الشرق أو الغرب تحت مظلة أو لافتة «العولمة» هي ذات وجه اقتصادي واضح وصريح، كما حدث في سياتل الأمريكية، وأخيراً في «جنوا» الإيطالية التي شهدت أول قتيل «أوروبي» في انتفاضة الضمير الإنساني ضد مخاطر العولمة.

قَدَرُ الفكر الإسلامي، بل الفكر الإنساني عامة أن يواجه في العقدين الأخيرين سلسلة متلاحقة من المصطلحات الجديدة في السياسة والاقتصاد والفكر والدين وغير ذلك؛ بصورة ترهق العقل الإنساني إذا حاول التأمل والتفكيك لهذه المصطلحات وتدوير النظر فيها وتعميقه. وكان مصطلح العولمة واحداً من أحدث هذه المصطلحات التي ابتلينا بها، والتي نحاول منذ سنوات التأمل فيه وتفكيكه والبحث في مراميه وخلفياته، ونحاول فهمه في ضوء ما ابتلينا به سابقاً من مصطلحات أو ظواهر إنسانية مختلفة، ورغم محاولاتنا ومحاولات غيرنا فإن مصطلح العولمة ما زال يحمل قدراً كبيراً من المراوغة وعدم الوضوح، ويتجلى ذلك في العديد من التأويلات والتفسيرات التي طرحت له من قِبَل مفكرين عرب ومسلمين وغربيين، وبصورة تجعل محاولة الانشغال بضبط المصطلح علمياً أمراً غير ذي جدوى، وحسبنا الإطار العام الذي تدور فيه دلالات المصطلح، ألا وهو النزوع نحو الهيمنة الاقتصادية والثقافية والإعلامية والقيمية للقوى القادرة والمستكبرة في عالم اليوم على غيرها من الأمم والشعوب، وبصورة تؤدي إلى «تنميط» الحالة الإنسانية وهندسة البناء الاجتماعي وفق معادلات تم وضعها سلفاً وبصورة حاسمة ومدمرة للشخصية الإنسانية.

ولعل الوجه الأبرز والأكثر حضوراً للعولمة هذه الأيام هو الوجه الاقتصادي، ومعظم المؤتمرات ـ أو المؤامرات ـ التي تعقد في الشرق أو الغرب تحت مظلة أو لافتة «العولمة» هي ذات وجه اقتصادي واضح وصريح، كما حدث في سياتل الأمريكية، وأخيراً في «جنوا» الإيطالية التي شهدت أول قتيل «أوروبي» في انتفاضة الضمير الإنساني ضد مخاطر العولمة.

وبروز هذا الوجه الاقتصادي للعولمة على غيره إنما يعبر في الحقيقة عن الوجهة العامة للمؤسسات الدولية المتحكمة في مسار التاريخ الإنساني الآن؛ إذ إن «القيم المادية» هي الهدف وهي البوصلة وهي الطريق الوحيد أو الأبرز والأساس الذي تتجه إليه هذه المؤسسات، ويأتي الشأن الثقافي والفكري والإعلامي وحتى السياسي فيما بعد نوعاً من الدعم أو «الخدمة» لهذه الوجهة؛ ومن ثم فلنا أن نتصور الحديث عن العولمة بوصفها وجهاً للهيمنة الاقتصادية لرأس المال المحتكر للطاقة البشرية، وبحثه عن «تطويع» العقل والوجدان الإنساني بحيث يتعايش مع هذه الهيمنة ولا يتنافر معها، وفي سبيله إلى هذا «التطويع» لن يعدم استغلال إمكانياته الهائلة في «إغواء» أو حتى «إذلال» المؤسسات الإعلامية أو الثقافية أو «الدينية» ـ مع الأسف الشديد ـ لكي تدعم توجهاته وأهدافه، وهي الأهداف التي تتلخص في صناعة شخصية إنسانية شهوانية، فاقدة لأية قيم إنسانية راسخة، دينية أو أخلاقية، ذات هوس استهلاكي وفراغ عقلي ووجداني، وفاقدة لأية مناعة نفسية أو وجدانية أو عقلية ضد عمليات «التنميط» للشخصية الإنسانية؛ بحيث يمكن إعادة هيكلة اتجاهاتها وعواطفها كل حين كما لو كانت زياً في الملابس «موضة» وقصة الشعر.

والحقيقة أن محاولات الدخول إلى العقل الإسلامي بقيم العولمة من بوابة الثقافة والفكر، والتي لم تعد تحتاج جهوداً أجنبية؛ حيث هناك من بني جلدتنا ولساننا من يتولون الدعوة الصريحة والفجة لها، أقول: هذا المدخل يعود أساساً إلى غياب الوعي والإدراك الكامل لمفهوم التبعية في العالم الثالث؛ حيث روجت القوى الثورية واليسارية والقومية التي قادت حركة الفكر في نصف القرن الأخير في العالم العربي والإسلامي، روجت للمفهوم السياسي والاقتصادي للاستقلال؛ بينما تجاهلت ـ أو جهلت ـ الأخطر والأفدح، وهو الاستقلال الفكري والثقافي؛ فكنت تجد بعض المدافعين عن الاستقلال الوطني ـ مثلاً ـ يمثلون ـ هم أنفسهم ـ بوابات التغريب والتبعية الثقافية في العالم العربي والإٍسلامي، بل من مفارقات الأمور التاريخية المذهلة ما سجله التاريخ المصري الحديث عن «صفية زغلول» المسماة بأم المصريين، زوجة الزعيم المشهور سعد زغلول، حيث قادت مظاهرة نسائية كبيرة في عشرينيات القرن الماضي ضد الاحتلال البريطاني وداعية إلى الاستقلال، وفي التظاهرة أعلنت ـ هي ورفيقاتها ـ خلع الحجاب وكأن ذلك جزء من النضال التحرري؛ رغم أنها في الحقيقة بهذا العمل الرمزي إنما تعلن التبعية الثقافية والقيمية للمستعمر الذي تطالب بالتحرر السياسي منه.

إن من المفارقات الغريبة لدى بعض الكتاب والباحثين المشتغلين بالشؤون العامة - الفكرية والسياسية والحضارية - أنك تجدهم يتكلمون بانفعال وصرامة في أمر «التبعية» السياسية والاقتصادية للغرب أو الشرق، وينعون على مجتمعاتهم أو بعض القوى فيها عدم اكتراثها بالوقوف في وجه «التبعية» وفضح آثارها ومخاطرها، ومسها بمصالح المجتمع وكرامته ومستقبله كله، ثم إذا أنت تكلمت مع هؤلاء عن «التبعية الفكرية» ومخاطرها وآثارها ـ بعيدة المدى ـ في مصالح الأمة وشخصية إنسانها ـ وجدتهم يتعجبون من كلامك ويستنكرون عليك منطقك ويتهمونك بالغلو والتطرف، وساموك أبشع ألوان الاستهزاء والسخرية، ثم أرهقوا أذنيك وأعصابك بالحديث عن العالم الذي أصبح قرية واحدة، والتلاقح الفكري، والانفتاح الثقافي... إلى آخره.

ولا شك أن هذه المفارقات تكشف عن غياب الوعي الراشد بجوهر مفهوم «التبعية» وأبعاده المختلفة، واستحالة الانتقاء في الموقف تجاهه، بحيث تقبل التبعية في جانب وترفضها في آخر. إن التبعية رذيلة إنسانية وحضارية بكل أبعادها، وهي مؤشر للانهيار الحضاري، وعقم المجتمع، وانعدام الإحساس بالتميز والكرامة معاً، وتلاشي قوى الأمة وقدراتها الإبداعية، ثم إن المنطق اليسير يؤكد أن «التبعية» - في المجال الفكري والثقافي ـ أخطر بكثير من التبعية في السياسة أو الاقتصاد؛ إذ إن العلاقات السياسية أو الاقتصادية هي مما يتميز باللحظية والتحول، وكثيراً ما تتصل بمصالح مشتركة؛ مما يجعل لها وجه اشتباه ـ لدى العامة ـ في الإحساس بخطر «التبعية» فيها، وبما يؤمل معه القدرة على رفض هذه التبعية أو التخلي عنها في لحظة أخرى. أما في مجال الثقافة والفكر، فالأمر لا يتعلق بلحظة وإنما يتعلق بصياغة الشخصية الإنسانية ذاتها، ومعتقداتها، وقيمها، ومفهوماتها، ونظرتها إلى مختلف شؤون الحياة؛ فإذا حدث اختراق لهذا الكيان فهو تأسيس لشخصية جديدة بمواصفات جديدة يستحيل تغييرها بين لحظة وأخرى، وتكون معالجة الشرخ الاجتماعي - الذي تحدثه - شديدة الصعوبة، كما أن «التبعية الفكرية» هي ـ في الحقيقة ـ التي تمهد الواقع الاجتماعي للتبعية السياسية والاقتصادية، بل إنها هي التي تفقد الإنسان الإحساس بوجود تبعية من أساسها؛ إذ إن الإحساس بوجود التبعية يعود إلى تصور مسبق بأنك كيان متميز غير متمازج أو متماهٍ مع كيان آخر، وأن من حقك على هذا «الآخر» أن يحترم استقلال رأيك وقرارك ومصالحك الاقتصادية وغيرها.

في العالم العربي الآن ـ على سبيل المثال ـ توجهات جديدة مثيرة في النشاط الإعلامي، في مرحلة ما بعد المحلية، أعني في مرحلة البث الفضائي، وهو جزء ـ شئنا أم أبينا ـ من آليات العولمة الجديدة، في المجال التقني على الأقل. هناك الآن في العالم العربي ظاهرة وجود نشاط ملحوظ لعدد جديد من البرامج الإعلامية التي ترسخ قيماً جديدة وخطيرة للغاية في البناء النفسي والعقلي للإنسان المسلم، ولعل الجدل الديني والصحفي الذي احتدم مؤخراً عن برامج «المسابقات» في قنوات تلفزيونية عديدة، يشير إلى أي مدى تجري المحاولات لاختراق المجتمع حتى المؤسسات الدينية لكي توظف في النهاية من أجل دعم توجهات «العولمة» على الصعيد المحلي؛ فهناك الآن برامج تلعب على «دغدغة» مشاعر الناس، والبسطاء بوجه خاص، وترسخ في روح المجتمع فكرة البحث عن «الثراء» السريع والخاطف هدفاً وطموحاً نهائياً، بدون بذل جهد حقيقي، وهي نوع من اللعب بالأوراق أو الأرقام، وبعض هذه البرامج يكون فيها «المقامرة» واضحة، سواء من خلال المقامرة بما يكتسبه المتسابق في مراحل سابقة من البرنامج المعروض، أو فيما يدفعه المتسابقون من أموال للاتصالات بأسعار خاصة، كأن يكون سعر الدقيقة المعتادة جنيهاً فيدفع في دقيقة الاتصال بالبرنامج خمسة جنيهات؛ فالأربعة الأخرى إسهام في مقامرة حقيقية، وعقب ما أصدره بعض العلماء من فتاوى صريحة بأن هذا قمار محرم شرعاً، فوجئنا بمؤسسات «دينية» رسمية تجتمع على عجل وبشكل استثنائي لكي تخرج على الناس، وعلى معالي الوزير، بفتوى تقول إن برامج المسابقات التي يبثها التلفزيون الرسمي حلال ولا شيء فيها.

توظيف المؤسسة الدينية في خدمة توجهات السلطة السياسية هو أمر شائع إلى حد ما في العالم الثالث، وخاصة في النظم القمعية والاستبدادية، ولكن المثير للدهشة الآن أن توظيف المؤسسات الدينية لم يعد يتعلق بالسلطة السياسية ومصالحها مباشرة، بل هو توظيف لخدمة توجهات عالمية تصب في النهاية في خدمة احتكارات دولية كما تصب في خدمة قيم مدمِّرة ومخرِّبة للبناء النفسي والعقلي والاجتماعي في المجتمع؛ لأنها ترسخ معنى أن الحياة «مقامرة» وضربة حظ، وأن العمل الجاد والصبور والبناء ليس هو سبيل الثراء، وحينما تترسخ هذه المعاني في مجتمع يعاني ضعف الفعالية الإنتاجية أصلاً، ويعاني اختلالات هيكلية في اقتصادياته، فإن الأمر يكون أكثر تدميراً. والمثير للدهشة أن يتم هذا التدمير بمباركة مؤسسات دينية، وبصمت مذهل من نخب ثقافية تزعم الاستنارة والتحرر ومقاومة التبعية.

الحادثة السابقة هي ـ بلا شك ـ وجه من وجوه العولمة في بُعدها الإعلامي، وإن كانت تكشف عن «توظيف» كل شيء لخدمة مخططات العولمة، بما في ذلك المؤسسات الدينية.

والعولمة ـ على الصعيد الثقافي والقيمي ـ تستغل بعض المؤسسات الاجتماعية النسائية أيضاً لتمرير مشروعاتها ونسقها القيمي؛ بحيث تجري عملية تضليل للأولويات الاجتماعية؛ فتجد بعض الجمعيات النسائية في العالم العربي تخدم مخططات تخريبية في أوطانها لحساب قوى أخرى أجنبية دون أن تدري؛ بسبب الغفلة والبحث عن «الأصداء الإعلامية» العالمية لنشاطاتها المتحررة في بلاد العالم الثالث. وعلى سبيل المثال توقفت أمام خبر «معتاد» في صحيفة خليجية، والخبر يتعلق بنشاط بعض المنظمات النسائية في بلد عربي خليجي، وكان عنوانه يتحدث عن جهود لوضع صيغة قانونية صارمة من أجل تأخير سن الزواج للفتاة المسلمة في هذه الدولة؛ بحيث لا تقل عن ثمانية عشر عاماً، وكذلك تأخير سن الزواج للشباب. والذي يقتلك غيظاً وكمداً أن هذه الدولة تعرف ـ حسب الإحصائيات ـ واحدة من أعلى نسب العنوسة بين الفتيات!! ومع ذلك تأتي منظمة نسائية لكي تتجاهل هذه الحقيقة المرة والمخيفة والمتعلقة بصميم بنية المجتمع وسلامته النفسية والأخلاقية والدينية لكي تحارب من أجل إصدار قانون لا يمثل أية أولوية اجتماعية أو نفسية في هذا البلد على الإطلاق؛ وإنما هو تقليد أعمى لتصورات وأولويات بلاد أخرى وشعوب أخرى لها نسيج اجتماعي مغاير تماماً لطبيعة مجتمعاتنا، ولها منظومة قانونية وأخلاقية مختلفة عن منظومتنا التشريعية والأخلاقية، ولو كان هناك إخلاص وعقل وتجرد للمصالح الحقيقية لأوطاننا وشعوبنا، لكان عكس الدعوة السابقة هو المطلب الملحّ مع وضع البرامج التربوية والنفسية المعينة عليه والموجهة له؛ أي أننا في حاجة إلى تبسيط الزواج وسبله بالنسبة للفتيات والشباب على السواء، وإلى خفض سن الزواج بالنسبة للاثنين بحيث تجد الفتاة والشاب فور بلوغهما ما يروي فطرتهما التي يشعل شياطين الإنس من حولهما جذوة نيرانها في كل موطئ قدم يطؤونه أو مكان يتلفتون إليه، في الشارع والمذياع والتلفاز والسينما والمسرح والإعلان والموسيقى والأغنيات التي تتبارى الآن في مستوى الخلاعة والتماجن، والبرامج الإباحية المتسترة في ثوب التثقيف الجنسي والاجتماعي، والروايات والقصص التي ينشرها مرضى وشواذ ومهووسون جنسياً. سيل عجيب ومتوالٍ يحاصر الفضيلة والعفة، ويعكر صفو الخاطر ويلوث الفطرة، ويدمر قيمة الحياء وبهاءها، بل وجدنا من يكتب أو ينشر أو يذيع برامج لمعالجة ظاهرة الحياء عند الفتاة أو الشاب، معتبراً ذلك مرضاً نفسياً لا بد من مقاومته، وإنما الصحة والعافية في التبجح والصفاقة وقلة الحياء. في مثل هذه الدوامات تكون الدعوة إلى حرمان الفتاة من حقها الفطري والإنساني في الحياة الزوجية الهانئة جريمة في حقها واعتداءً على حقها الإنساني، ولكن الذي لا يُذكر في الخبر وفي الواقعة أن معظم هذه «التوابل» السابقة التي أشرنا إليها أصبحت «صناعة» ولا بد لها من سوق، وحينما تتشكل مؤسسة الزواج بشكل فطري وطبيعي؛ فأين تكون أسواق بضاعة الجنس بمختلف صورها وأشكالها في الموسيقى والأفلام والبرامج والمجلات والقصص والأغاني والإعلانات وغيرها؟! فضلاً عن الأهداف غير المباشرة والمتمثلة في تدمير إمكانات المقاومة في نسيج المجتمع لأية قيم وافدة، وتحويل «الشهوة» والإشباع المادي إلى أن يكون هو الهدف وهو الغاية وهو الحياة؛ ومن ثم: توسعة سوق التجارة العالمية الجديد.

من المهم ـ في هذا السياق ـ أن نوضح بعض المداخل المهمة التي يتخذها مروجو «العولمة» سبيلاً إلى «تهيئة» العقل والوجدان الإنساني لقبولها، ولعل من أبرز هذه المداخل مقولة: «العالم أصبح قرية واحدة»، وهي أصبحت محور الرسالة الإعلامية الجديدة التي تقابل الإنسان العربي والمسلم الآن في الصحيفة والبرنامج الإذاعي والتلفزيوني وغير ذلك، وأصبحت هذه العبارة اللطيفة الظريفة إحدى بوابات التخريب القيمي في مجتمعات المسلمين، والعالم الثالث بوجه عام، بل هي ـ في تقديري ـ أحدث أنواع المخدرات الثقافية التي تستخدم لشل طاقات النقد والتمحيص تجاه الوافدات الفكرية والقيمية التي تتسلل إلى ديار المسلمين عبر أكثر من منفذ ووسيلة، فإذا أراد بعض «المستوردين» أو الوكلاء المحليين للتيارات القيمية والأدبية الأجنبية أن يسوِّقوا بضاعتهم المستوردة في مجتمعاتنا، على ما فيها من إباحية أو شذوذ فكري أو فساد عقَدي ـ فتجدهم لا يكلفون أنفسهم عناء بذل الجهد الفكري والمعرفي المخلص لنقد هذا الجديد، وطرح المسوِّغ الموضوعي لتمريره بين الناس، على ما فيه من خطر بالغ، وإنما يكفيهم أن يصكوا وجهك بالعبارة السحرية: «يا أخي! إن العالم أصبح قرية واحدة»! بمعنى: إنك لا تستطيع أن تعزل نفسك عن مجريات العالم وتياراته، وعلى الرغم من معقولية منطلق هذه العبارة، فإن ترجمة الموقف المترتب عليها هو الذي يحمل الخبث والتضليل؛ فالعالم تتقاطع المؤثرات العالمية فيه، وتمرر الكثير من هذه التيارات عبر أجهزة الاتصال الحديثة التي تطوي المسافات بل وتلغيها، إلا أن هذا الاختراق التقني لا يمكن بحال أن ينفي خصوصيات الشعوب، ولا أن يدمر بنيان القيم، ولا أن يزلزل ثبات المعتقد والدين، ولا أن يبدل المقومات الأساسية للمجتمع، أي مجتمع؛ ولذلك تجد أن الدول الأوروبية ذاتها ـ التي سوَّقت لنا هذه العبارة الرشيقة ـ تتخذ أحياناً من القوانين والإجراءات ما يقطع بفساد قصة: «العالم الذي أصبح قرية واحدة»، كرفض السلطات الفرنسية السماح للعرب المهاجرين باستخدام أجهزة البث الفضائي «الدش» في بعض المناطق، ومصادرة السلطات السويسرية لبعض كتب روجيه جارودي، ومصادرة السلطات البريطانية لكتاب عن «مارجريت تاتشر» أو فيلم عن المسيح رأت أنه مغرض ومسيء، ومصادرة السلطات الفرنسية لكتب سيد قطب وأحمد ديدات، ثم تراجعها عن بعض ذلك، وموقفها من الحجاب، ومن استعمال كلمات غير فرنسية لمحلات ونحوها، كما أن التجوال في العالم المعاصر يؤكد لنا بالبرهان الحي ـ أنه على الرغم من الجبروت الإعلامي عابر القارات، فإن طبائع الشعوب وخصوصياتها، الثقافية والدينية والخلقية تبقى متمايزة، بمعنى أن الصمود ممكن، والحفاظ على الهوية يرتبط بإرادة الشعب الذي يرفض الذوبان فيما يصنعه الآخرون، وأن العالم يبقى ـ على الرغم من كل شيء ـ ثقافات وهويات، وليس هوية واحدة، وليس قرية واحدة، ولكن الإلحاح ما زال مستمراً على تمرير هذه المقولة في أوساط النخب الثقافية والإعلامية في بلادنا، بل تسللت إلى أحاديث رجل الشارع.

كيف يمكن أن نتفاعل مع «العولمة» في المجال الإعلامي؟

من دون مبالغة يمكننا القول أن أهم المكتسبات التي حققتها العولمة لشعوب العالم وأعظمها هي تلك التي تكونت على الصعيد الإعلامي؛ حيث إن ظهور شبكة الإنترنت الرهيبة مثَّل انقلاباً كبيراً في معنى التواصل الإنساني، ومعنى الحوار، ومعنى الرسالة الإعلامية العالمية، كما أن ظهور البث الفضائي الإذاعي والتلفزيوني أتاح فرصاً مدهشة للتواصل الإعلامي الفعال مع كل إنسان في العالم، وبشكل لم يتصوره الناس من قبل. وكذلك تخفيف حساسيات الدولة القومية من وجود النشاطات الإعلامية والإنسانية الأجنبية على أراضيها جعل هناك مساحة واسعة من الحركة والتفاعل الإنساني بين الصوت الإسلامي والإنسان المعاصر في غير ما مكان من عالم اليوم. والذي لا شك فيه أن هذه الآليات هي نتاج تغوُّل فكرة العولمة، والبحث عن وسائل لاختراق الحدود أو تجاوزها وبسرعة توصيل الرسالة الفكرية والإعلامية المراد توصيلها إلى كل إنسان على وجه الأرض وبسرعة فائقة. وقد نجحت بلا شك المؤسسات الإعلامية الدولية في الاستفادة من هذه الآليات بما يخدم مصالحها، وقد وصل جزء كبير من الفساد عن هذا الطريق إلى الإنسان المعاصر في العالم الإسلامي والعربي بشكل خاص، ولكن بالمقابل فإن هذه الآليات قد أتاحت قدراً مدهشاً للحركة أمام النشاط الإسلامي الإعلامي والثقافي، ويكفي أن نشير إلى أن غالبية المواقع العربية على شبكة الإنترنت هي لمؤسسات إسلامية صغيرة أو كبيرة أو حتى شخصية، واستخدامات البريد الإلكتروني وساحات الحوار ونحو ذلك خير شاهد على هذه الحقيقة.

هناك أيضا المئات بل الآلاف من الإصدارات والمجلات والصحف الإسلامية التي تبث الآن عبر الإنترنت وتصل إلى أنحاء العالم كافة مخترقة حواجز رهيبة كان من العسير عليها في السابق اختراقها مهما أوتيت من قوة وقدرة مالية أو غيرها؛ بل إن شــبكة الإنترنت أعطـت الجهاد الشيشاني ـ على سبيل المثال ـ إمكانية الصمود أمام آلة الإعلام الروسي الجبارة، وأصبح موقع المجاهدين على الشبكة أحد أهم مصادر وكالات الأنباء الدولية عن الأوضاع في الشيشان، وكذلك مصدراً مهماً للصحف والمجلات، ولو كان هذا الأمر قبل عشرين أو ثلاثين عاماً لما شعر أحد بالمعاناة الشيشانية ولتم دفنها كما دفن الجهاد الكشميري زمناً طويلاً قبل أن يبدأ في التواصل مع العالم الخارجي.

إن شبكة الإنترنت ساعدت على إحياء معاني كبيرة وجليلة في الحالة الإسلامية، وفي مقدمتها معنى «الجسد الواحد» للأمة إذا اشتكى منه جزء تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، ورغم كل المكتسبات التي حققتها الصحوة الإسلامية من خلال الاستفادة من شبكة الإنترنت، فإن هناك مجالات رحبة وواسعة يمكنها استغلالها بشكل أفضل؛ ومن ذلك إنشاء صحف يومية مختلفة وقنوات إذاعية وتلفزيونية عبر الشبكة. ومما يبشر بالخير أن نجد الكثير من الشباب الإسلامي متميزاً للغاية في خبرة التعامل مع التطور التقني والمعلوماتي الجديد بصورة تبهج النفس، ويبقى حضور الأفق الجيد الذي يرسم خريطة الحالة الإسلامية؛ ومن ثم يرصد احتياجاتها، ثم يحدد الطرق والوسائل التي يسد بها هذه الاحتياجات من خلال هذا المنفذ الجديد والمثير.

أيضاً على صعيد البث الفضائي، أعتقد أن هذه نافذة مهمة للغاية، وما زال الإسلاميون عاجزين عن الاستفادة منها. صحيح أن هذه الخدمات تحتاج إلى إمكانيات مادية أعلى بكثير من تلك التي يحتاجها العمل من خلال الإنترنت، إلا أن الإسلاميين لا يهتمون بتدريب الكفاءات الفنية التي يمكن لها تحريك عمل مثل هذا مستقبلاً، كما لا يوجد ـ في حدود علمي ـ جهود حقيقية لدراسة الإمكانيات الفعلية لتحقيق هذا الطموح، وفي تقديري أنه إذا نجحت الدعوة الإسلامية في اختراق هذه الآلية الجديدة للتواصل مع القواعد العريضة من الناس فإنها ستربح كثيراً من الوقت والجهد وتقفز بالدعوة قفزات كبيرة. وقد لمست ذلك بنفسي من خلال تجربة محدودة في العمل من خلال إحدى القنوات الفضائية الإسلامية، ولمست كيف يمكنك أن تصل إلى الملايين من أقصر طريق وبأفضل تأثير، وأذكر أن أستاذًا جامعياً إسلامياً في مصر، ظل على مدى أربعين عاماً يكتب في الشأن الإسلامي وفي الدعوة والتنمية وغيرها، فلم يعرفه ويعرف دعوته إلا نفر قليل، ثم ظهر في برنامج تلفزيوني لعدة حلقات وكان موفقاً فيه فأصبح يتابعه الملايين وتحول إلى نجم جديد وكبير، وأفردت له صحيفة الأهرام المصرية ـ أكبر صحيفة مصرية وربما عربية ـ صفحة كاملة كل أسبوع يكتب فيها ما يشاء. وكذلك فإن الحضور المتتالي لبعض الرموز الدعوية ممن أثاروا جدلاً واضطراباً بفتاواهم، يعود بشكل مباشر إلى نجاحهم في استثمار البث الفضائي والحضور الجيد من خلاله، في حين لم ينجح ـ وربما لم يتحمس ـ آخرون فخسروا الكثير من تأثيرهم الدعوي، كما خسر جمهور الناس إمكانية الاستماع والتواصل مع الرأي الفقهي الآخر.

الذي لا شك فيه أن «العولمة» هي نوع جديد من أنواع الاستعمار فيه كل ما في الاستعمار القديم من صفات، وله ما لسَلفه من الأهداف والغايات، غير أنه طور نفسه مستغلاً آليات حديثة مدهشة، واستفاد من دروس الماضي حين أخفى مخالب الاستعمار القاسية تحت ألفاظ ناعمة: كالتعاون، والشراكة، والتعاون المتبادل، وحشد ـ إلى جوار القوة العسكرية ـ هيمنة المال والاقتصاد والتقنية الحديثة ووسائل الثقافة والإعلام، وأسباب التسلية والترفيه. وهذه الهجمة الكاسحة ـ على مناطق الضعف والفراغ ـ سوف تُحدث أثرها دون شك، لكن ذلك سوف يكون لمدى محدود، يطول أو يقصر وفقاً للظروف، وبالأساس وفقاً لقدرات الشعوب على المقاومة والمحافظة على استقلاليتها، وقدرتها على حفظ هويتها وصلابتها في الصمود أمام تيارات الإغراق الإعلامي والثقافي والاستهلاكي التي تهجم عليها من كل جانب. ونحن على يقين من أن العولمة ـ بقدر ما يظهر عليها من علامات القوة والسطوة ـ فإنها تحمل معها بذور ضعفها وانهيارها، ومن شأن هذه البذور أن تزداد نمواً كلما اتسعت الدائرة وتعددت مناطقها ومساربها؛ وأهم نقاط الضعف أنها نظام مادي صِرف يقوم على الجشع والسيطرة والاستغلال، وشهوة الكسب، ويثير أكثر الميول وضاعةً في النفس الإنسانية: ميول التقليد الأعمى، وتخدير العقل حقيقة أو مجازاً، وعشق المظاهر، والتبذير، واعتماد الانتهازية في السلوك والكسب، والعمل وفق منطق «الحظ والمصادفة»، والاستسلام للشهوات، وبتعبير آخر: إطلاق الوحش البدائي الذي يسكن أعماق الإنسان، وتحطيم تلك الكوابح الأخلاقية التي جاء بها الأنبياء، أو حتى تلك البقايا الأخلاقية التي تحدث بها فلاسفة وحكماء، ومن شأن هذه الميول أن تزداد ضراوة كلما اشتدت التناقضات التي تفد مع المادية كالطبقية والظلم الاجتماعي، وتفاوُت الدخول، وغَلَبَة الاستهلاك على الإنتاج، وفي غيبة التدين وانحسار القيم والأخلاق تصل هذه التناقضات ذروتها في موجات العنف، والإرهاب، والتصدعات الاجتماعية العنيفة، والحروب الأهلية، وتقع الصورة التي حذر منها القرآن الكريم أمثال هذه المجتمعات: ( {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ) (26) سورة النحل، ويبقى أن يبذل المخلصون من أبناء هذه الأمة جهدهم الدؤوب والصبور من أجل التبصير بالمخاطر، وحماية الناشئة، والتميز والإبداع في بث القيم الراشدة وبالأسلوب المناسب عبر الآليات الجديدة؛ فكل هذه الجهود من شأنها أن تثمر ـ بإذن الله ـ في جعل أمتنا عصية على «التنميط» والتبعية؛ ومن ثم بعيدة عن دوامات العولمة، على الأقل في جانبها العقدي والقيمي.


جمال سلطان