العولمة تهمش الدين

منذ 2015-03-26

عانى العالم الغربي من حربين عالميتين في القرن العشرين راح ضحيتهما عشرات الملايين من الأشخاص، وانتهكت فيهما كافة حقوق الإنسان، وقد دعا ذلك إلى إصدار ميثاق عالمي لحقوق الإنسان سنة 1948م، ومن أهم ما أنتجته العولمة حديثاً الاهتمام بحقوق الإنسان واعتبارها قضية تهم المجتمع الدولي.

عانى العالم الغربي من حربين عالميتين في القرن العشرين راح ضحيتهما عشرات الملايين من الأشخاص، وانتهكت فيهما كافة حقوق الإنسان، وقد دعا ذلك إلى إصدار ميثاق عالمي لحقوق الإنسان سنة 1948م، ومن أهم ما أنتجته العولمة حديثاً الاهتمام بحقوق الإنسان واعتبارها قضية تهم المجتمع الدولي، وله الحق في اتخاذ إجراءات تأديبية من خلال هيئة الأمم المتحدة ضد كل من يتطاول على هذه الحقوق، ولا شك أن حماية حقوق الإنسان من أهم المقاصد التي تسعى إليها البشرية، وهو سلوك حضاري يحبذه الجميع، ولكن ينبغي أن نذكر بعدة أمور في هذا الصدد:

أولاً: أن تطبيق حقوق الإنسان من قبل الحضارة الغربية لم يكن شاملاً، ولم يكن موضوعياً في كثير من الأحيان، بل قد يختلف حسب اختلاف جنس ووضع ودين من انتهكت حقوقه، فحقوق اليهود مثلاً محفوظة، بل المطالبة بها قد تجاوزت المعقول، واعتدت على حقوق الآخرين مثل مطاردة أعداء السامية، ومن يتهم بأنه أسهم في تعذيب اليهود في الحرب العالمية، أو له علاقة بالنازلة، والأمثلة أكثر من أن تحصى، أما عندما يتعلق بانتهاك حقوق الإنسان بأفراد من العالم الثالث - وخاصة إذا كانوا مسلمين - فلا تجد الحماس والمتابعة والتنفيذ من قبل الأجهزة التي أنيط بها حماية حقوق الإنسان، ولعل ما حدث للشعب الفلسطيني وتشريده من أرضه يعطي مثالاً صارخاً على أكبر انتهاك لحقوق الإنسان في التاريخ استمر وما زال مستمراً لأكثر من خمسين عاماً، ومثل هذا يمكن أن يقال عن قضية كشمير وغيرها من القضايا الإسلامية المتعددة التي غابت عنها حقوق الإنسان، ولعل أحدث مثال على انتهاك حقوق الإنسان ما قام به الصرب تحت سمع وبصر العالم من قتل وتشريد واغتصاب للشعب المسلم البوسني في البلقان دون أن تفعل هيئات حقوق الإنسان شيئاً يذكر، بل إن المأساة تتكرر الآن في كوسوفا بنفس الأسلوب، ونفس المجرم، وما زال العالم يتعامل مع هذه القضية بنفس عدم المبالاة التي قتلت الفلسطينيين والبوسنيين والكشميريين وغيرهم من المسلمين.

ثانياً: لقد جاء الإسلام قبل أربعة عشر قرناً بمنهج متكامل لحقوق الإنسان شمل وثيقة حقوق الإنسان، وتجاوزها في أمور ما زالت غائبة عن المهتمين بحقوق الإنسان، وأنه يحافظ عليها دون النظر إلى جنس الشخص أو لونه أو دينه، ومن المعروف في الفقه الإسلامي حفاظ الإسلام على الكليات الخمس: النفس، والمال، والدين، والعقل، والنسل، وهذه الخمس التي تشمل كافة ضروريات الإنسان هي ما تحتاج البشرية فعلاً إلى حفظه الحفظ الحقيقي، وغني عن القول: إن موقف القانون الدولي ونظرة الحضارة الغربية من حفظ العقل والدين والنسل فيها كثير من التساهل والتجاوز، وذلك لعدم وجود ضوابط تمنع الخمر والمخدرات والزنا والردة وغير ذلك، وهذا يعني أن حقوق الإنسان كما يعرضها الغرب ما زالت قاصرة عن تقديم الضمان الكامل لحقوق الإنسان في كل مكان.

ثالثاً: ومع أن الإسلام يتبنى حقوق الإنسان، ويدافع عنها؛ إلا أنه لا يمكن أن يقبل باعتبار إقامة حدود الله على القاتل والسارق والزاني وغيرهم انتهاكاً لحقوق الإنسان، وبالتالي لا بد من إيقافها، هذا المطلب الذي تنادي به كثير من جماعات حقوق الإنسان مطلب مرفوض من وجهة النظر الإسلامية، ويدل على قصر نظر من قبل هيئات حقوق الإنسان التي عجزت عن أن ترتفع إلى مستوى المفهوم الإسلامي لحقوق الإنسان الذي يحاول أن يحفظ أفراد المجتمع من التعدي حتى لو قاد ذلك إلى إلحاق بعض الضرر بأحد أفراده، وذلك أن الإسلام يقدم حقوق المجموع على حقوق الأفراد، ولا بد في حالات معينة من ارتكاب أخف الضررين تحقيقاً لأعلى المصلحتين من حماية المجتمع من المفاسد الأخلاقية والصحية وغيرها.

ويتضح من الأمثلة القليلة التي ذكرتها أعلاه أن عولمة الأفكار الغربية سواء كانت في مجال الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو الإسلام أو غيرها من القضايا الرئيسة التي يحتاجها الإنسان في مجتمعاته المتعددة لا تتفق مع المنظور الإسلامي في كثير من جوانبها، بل تتعارض مع التعاليم الشرعية، ولا يمكن أن تقبلها المجتمعات المسلمة، ولا شك أن الموقف الحكيم للحضارة الغربية أن تكف عن اعتبار نفسها أفضل الحضارات، ولا تحتاج أن تأخذ من غيرها، بل لم تكتف بذلك وإنما أخذت تعمل جاهدة لغرض قيمتها ومفاهيمها على الشعوب الأخرى من خلال العولمة، وأجهزتها المتعددة، وهي في كثير من مفاهيمها وممارساتها تقود البشرية إلى الهلاك والدمار، وتحطيم الإنسان روحياً ليصبح كالحيوان أو أضل، وما زلنا ننتظر اليوم الذي يدرك فيه أقطاب الحضارة الغربية أن حضارتهم تحتاج إلى كثير من الجوانب المشرقة في الحضارات الأخرى وخاصة الحضارة الإسلامية التي ما زالت ولله الحمد تستنير بنور الوحي، وتهتدي بتوجيهات القرآن الكريم وهدي السنة المطهرة، ورغم أنه قد وجدت بعض الأصوات النشاز في المجتمعات الغربية التي أدركت بعض جوانب التميز في الحضارة الإسلامية، ودعت قومها إلى الاستفادة من ذلك؛ إلا أن التيار الغالب على هذه الحضارة هو التكبير والعنجهية، والتعالي على بقية الشعوب، ومحاولة فرض فكرها ومفاهيمها على الجميع من خلال العولمة وغيرها من وسائل الهيمنة الحضارية.


مانع بن حماد الجهني