اغتسال من أسلم .. حكمه وفوائده

منذ 2015-04-06

الاغتسال مأخوذ من الغسل وهو: إسالة الماء على الرأس وجميع الجسم، فإذا استحضرت فيه نية التقرب إلى الله - تعالى - صار عبادة مكتوبة الأجر، ولذا عرف جمهور العلماء الغسل بقولهم: إفاضة الماء الطهور على جميع البدن مع النية.

تمهيد:

الإسلام دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهو يشهد اليوم انتشارا كبيرا وإقبالا واسعا عليه بين غير المسلمين، على اختلاف جنسياتهم وتنوع شرائحهم ومستوياتهم الاجتماعية والثقافية، ومن أسباب ذلك ما يتصف به الإسلام من سماحة وواقعية، وشمول وعالمية، فضلا عن بساطة عقيدته وتعاليمه وبعدها عن التعقيد والغموض.

هذا، ومما يحتاج إلى معرفته في هذا الصدد حكم اغتسال من دخل في الإسلام، وما يترتب على ذلك من آثار نفسية وتربوية ودينية، وهذا بيان ذلك:

حقيقة الاغتسال في الإسلام

الاغتسال مأخوذ من الغسل وهو: إسالة الماء على الرأس وجميع الجسم، فإذا استحضرت فيه نية التقرب إلى الله - تعالى - صار عبادة مكتوبة الأجر، ولذا عرف جمهور العلماء الغسل بقولهم: إفاضة الماء الطهور على جميع البدن مع النية.

ومن الطريف ما ذكر: أن غسل الجنابة كان معروفا في الجاهلية، وهو من بقايا دين النبي إبراهيم - عليه السلام -، ومما يدل على ذلك أن أبا سفيان بن حرب حلف حين تلقى نبأ هزيمة قريش في معركة بدر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة، إلا بعد الثأر من محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.

مشروعية الاغتسال لمن أسلم:

يرى عامة العلماء مشروعية الغسل لمن دخل في الإسلام، ويستدلون لذلك بقصص ووقائع لعديد من غير المسلمين الذين أسلموا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، منهم عمر بن الخطاب، وقيس بن عاصم، وثمامة بن أثال.. - رضي الله عنهم -.

وكان من قصة عمر ما ذكره كتاب السيرة أنه خرج يوما متوشحا سيفه يريد القضاء على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصرفه رجل عن ذلك إلى بيت أخته فاطمة التي أسلمت هي وزوجها سعيد بن زيد - رضي الله عنه -، فما أن اقترب من البيت سمع قراءة من داخله، فلما دخل على أخته وزوجها قال: ما هذه الهينمة - الصوت الخفي-  التي سمعتها عندكم؟ فقالا: كنا نقرأ قرآنا، قال: لعلكما صبوتما - خرجتما عن دين قريش - ثم وثب على صهره فضربه ووطئه، فجاءت زوجته تدفعه عنه فضربها فأدمى وجه.. فقالا له عند ذلك بتحد واضح: نعم أسلمنا فافعل ما بدا لك.

فلما يئس عمر ورأى ما بأخته من الدم ندم واستحيا، وقال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه، قالت أخته: إنك مشرك نجس، ولا يمسه إلا المطهرون، فعمد عمر إلى مكان في البيت فاغتسل، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وطفق يقرأ من سورة (طه) حتى انتهى إلى الآية إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري [طه: 14] فقال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه.. ثم انطلق نحو المكان الذي فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعلن إسلامه.

هل اغتسال من أسلم واجب أم مستحب؟

للعلماء قولان في حكم اغتسال من دخل في الإسلام:

القول الأول: يستحب الاغتسال لمن دخل في الإسلام ولا يجب عليه ذلك، إلا إذا كان الداخل في الإسلام جنبا ولم يغتسل من ذلك قبل إسلامه، أو كانت الداخلة في الإسلام على جنابة، أو حائضا، أو نفساء، فطهرت ولم تغتسل قبل إسلامها، ففي هذه الحالات ونحوها يجب على هؤلاء الغسل، لا لدخولهم في الإسلام، وإنما لكونهم أصحاب حدث أكبر وعلى غير طهارة، وهذا قول الحنفية والشافعية.

القول الثاني: يجب الاغتسال مطلقا على من دخل في الإسلام، ولو كان قبل إسلامه طاهرا من الجنابة، أو كانت المرأة قد اغتسلت من الحيض والنفاس قبل إسلامه.. وهذا قول المالكية والحنابلة.

أدلة القائلين باستحباب غسل الداخل في الإسلام: استدل الحنفية والشافعية على استحباب غسل الداخل في الإسلام لا وجوبه بأدلة منه ما يلي:

الدليل الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يثبت عنه أنه أمر كل من أسلم أن يغتسل، وإنما كان بعض الداخلين في الإسلام يغتسلون من عند أنفسهم.

الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر معاذا - حين أرسله داعيا إلى اليمن - أن يأمر الداخلين في الإسلام بالاغتسال، وقد روى الشيخان أن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن فقال: (إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهن خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).

وجه الاستدلال: أن هذا الحديث لم يتضمن وجوب اغتسال الداخل في الإسلام، مع أنه تضمن ذكر فرائض الإسلام كالصلاة والزكاة، بل ليس في هذا الحديث ذكر للغسل أصلا، ولو كان واجبا لبينه لهم كما بين الصلاة والزكاة.

أدلة القائلين بوجوب غسل الداخل في الإسلام:

استدل المالكية والحنابلة على وجوب غسل الداخل في الإسلام بأدلة منها ما يلي:

الدليل الأول: ما أخرجه أحمد وأبو داوود - وصححه الألباني - عن قيس بن عاصم - رضي الله عنه - (أنه أسلم، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يغتسل بماء وسدر).

الدليل الثاني: ما أخرجه أحمد عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يذهب بثمامة بن أثال بعد إسلامه فيغتسل).

وجه الاستدلال: أن الحديثين فيهما أمر صريح للداخلين في الإسلام - قيس وثمامة - بأن يغتسلا، من غير استفسار عما إذا كنا جنبين أو غير ذلك.

الاختيار والترجيح: يبدو للناظر في أدلة الفريقين رجحان ما ذهب إليه القائلون بوجوب الغسل على من دخل في الإسلام، وسبب ذلك ما يلي:

أولا: أن ما ذكره الأولون من اغتسال بعض الداخلين في الإسلام من عند أنفسهم، لم ترو فيه حادثة واحدة صحيحة، وإذا كان الأمر كذلك فلا يعول على هذه الدعوى التي ليس لها دليل.

ثانيا: أن ما ذكره الأولون أيضا في قصة معاذ - رضي الله عنه - لا يسلم بالاستدلال به، لأن الحديث لم يذكر صوم رمضان - مع أنه كان قد فرض - فهل يعني عدم ذكره أن صوم رمضان مستحب وليس واجبا كما قالوا في مسألة الاغتسال؟

ثالثا: أن من يوجبون الغسل اعتمدوا على أدلة صحيحة مستفيضة، وهي خاصة في موضوع الخلاف بين الفريقين وهي غسل الكافر إذا أسلم، وما كان كذلك كان أولى بالرجحان على غيره ممن لا يرتقي إلى درجته في الثبوت والتصريح بوجوب الاغتسال.

قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - : جرت عادة من دخل في الإسلام أن يغتسل، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر به، وهو واجب على من أجنب في حال كفره ومن لم يجنب.

الحكمة من الاغتسال وآثاره ومنافعه:

لا شك أن في وجوب اغتسال من أسلم حكما تربوية ومنافع نفسية ومقاصد شرعية، ومن ذلك ما يلي:

أولا: امتثال أمر الله - تعالى -: فإذا اغتسل الداخل في الإسلام كان هذا منه أول مظهر عملي يدل على إخلاصه لعبودية الله - تعالى -، وامتثال أمره والخضوع الكامل له - سبحانه -، وخاصة إذا لم يكن - فيمن أسلم - سبب للغسل حال كفره كجنابة ونحوها، وبهذا الغسل يكون المسلم قد اقترب من ربه - سبحانه - واكتسب حبه ورضاه، وأسلم له جسمه بعد أن أسلم له قلبه وعقله، قال الله - تعالى - في الآية 108 من سورة التوبة: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} [التوبة: 108]

ثانيا: الشعور ببدء حياة جديدة مختلفة تماما عن الحياة القديمة: وذلك أن إفاضة الماء على الرأس وجميع الجسم مع المضمضة والاستنشاق، يصاحبه شعور من الارتياح النبيل، وتغير ذهني صادق، يوحي للمغتسل بأنه قد تخلص من حياة قديمة مليئة بالسيئات والأخطاء والآثام، ونجا منها إلى حياة جديدة مشرقة بالأمل الكبير في رحمة الله - تعالى -ورضوانه، ومن هذا القبيل ما أخرجه أحمد والطبراني من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن العاص - رضي الله عنه - حينما أسلم وسأله عما اقترفه قبل ذلك من أخطاء وذنوب ندم عليها، هل يحاسبه الله - تعالى -عليها؟ فقال له: (يا عمرو، أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله) ومعنى يجب ما قبله: يقطع ويمحو ويمسح الخطايا والذنوب.

ثالثا: تخليص الأعضاء والجوارح من خطاياها السابقة: يحتاج الداخل في الإسلام إلى التخلص من الخطايا والآثام التي اقترفها سابقا بلسانه وعينيه ويديه ورجليه وبقية أعضائه وحواسه، ومما يساعده على ذلك غسل الجسم والأعضاء بنية التعبد له - تعالى -، ومع ما في هذا العمل من جوانب تربوية، فإن الاغتسال يعتبر عبادة جلى وطهارة كبرى، فهو يشتمل على الوضوء وزيادة، وقد أخرج مالك ومسلم والترمذي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كانت بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيا من الذنوب».

وخلاصة ما سبق أن من دخل في الإسلام يشرع له أن يتطهر فيغسل رأسه وجميع بدنه بالماء، تعبدا وتقربا إلى الله - تعالى -، وهذا واجب شرعي في حقه في القول الراجح عند أهل العلم.

ولا يخلو هذا الاغتسال من مقاصد دينية، وفوائد تربوية، وآثار نفسية، يستشعرها الداخل في الإسلام، فيزداد خيرا على خير وبرا على بر.


حسن عبد الغني أبو غدة