مسيحيو بلادنا ليسوا مصريين أصلاء

منذ 2008-11-06
الأقليات العرقية والدينية والمذهبية في العالم، عادة ما تتميز بالقلق ومحاولة تخطي الحواجز وفي هذه المحاولة يصبح التاريخ عبئاً والتخلص منه ضرورياً، ويتم اختيار الأسطورة بديلا للحقيقة؛ لأنها تعين على الانتصاف من ذلك التاريخ.



وفي ظل ذلك السياق لا تتعثر فقط في إقامة الحجج على صدق دعواها بل تقوم باستصناع التاريخ وتزييفه إذ لم تستطع تطويعه لخدمتها ليصبح جزءاً من قواعد لعبة سياسية تهدف للهيمنة، مما يوقعها في التناقض العلمي والتاريخي وأيضا التناقض مع دعاويها الفكرية.



ولا يخفى أن المجتمع المسيحي المصري يمر الآن بأزمة نفسية حرجة ومعقدة فمن جهة تحديد هويته اختار لنفسه نسبة (إيجي أو إيجه) أقامها على فكرة أسطورية تزعم اختلاف الأصل العرقي بين المسيحيين والمسلمين معتمدا قراءة تاريخية مفادها أن المسلمين هم أحفاد الغزاة العرب المتوحشين، وبعد فتحهم لمصر تزاوجوا مع أعداد كبيرة من سكان مصر المسيحيين، بالإضافة إلى تحول جزء آخر من المسيحيين إلى الإسلام بسبب عجزهم عن دفع الجزية.



وهكذا تستمر تلك الرؤية حتى تخلص إلى أن سكان مصر الحاليين من مسيحيين هم السكان الأصليون للبلاد والذين تعود أصولهم بدون أي «شوائب» عرقية إلى المصريين القدماء أصحاب الحضارة الفرعونية العظيمة، بينما لا يتمتع مسلمو مصر بهذا «النسب العريق» بسبب اختلاطهم.


وتمضي الأسطورة حتى تصور القوم أنفسهم وكلاء عن شعب مصر في ماضيه وحاضره، كما زينت لهم الأساطير أن شعب مصر كان على ما هم عليه من اعتقاد اليوم، كما تزين لهم اليوم أعداد وأحوال وأهوال لا ليس لها واقع إلا في أذهانهم.

فما هي الحقيقة؟ وما هي طبيعة الجغرافيا السكانية لمصر في ذلك الزمان؟ كم كان عدد المصريين حين الفتح الإسلامي؟



نقاء العنصر



على الرغم من عنصرية الفكرة وسخافتها ورفضها دينيا وحضاريا؛ إلا أنها لا تخدم مسيحيي بلادنا في دعواهم، فقد اختلط المصريون بشعوب شتى من المناطق المجاورة لهم، فلم يكن كل من كان يعيش في مصر قبل دخول الإسلام من أصل فرعوني، فسكان مصر كانوا عبارة عن خليط من أجناس وأديان وأعراق عدة، وأغلبهم كان من الإغريق واليهود بالإضافة إلى أعداد من آسيا الصغرى، وكذلك العرب.



يقول المؤرخ د.محمد شفيق غربال في كتابه "تكوين مصر عبر العصور" ص (14): " أعني بالمصري: كل رجل يصف نفسه بهذا الوصف، ولا يحس بشيء ما يربطه بشعب آخر، ولا يعرف وطناً له غير هذا الوطن، مهما كان أسلافه غرباء عن مصر في واقع الأمر".
ثم يقول في بيانه للأسلاف ص (27) إنهم: "ا لإغريق واليهود ومَن إليهم من الغرباء".



يؤكد ذلك ما هو ثابت من كون اليهود والإغريق كانوا يعملون كمرتزقة في جيش أبسماتيك الثاني (593-589 ق.م)، إضافة إلى أن ملوك الأسرة السادسة والعشرين الذين كان أبسماتيك ينتمي إليهم ذوو أصول ليبية .وقد عرف عصرهم بالعصر الصاوي نسبة إلى صالحجر.



ويذكر د. مصطفى عبد العليم أن: ملوك العصر الصاوي كانوا يشجعون الأجانب على القدوم إلى مصر للاشتغال بالتجارة والجندية .

وقد وقف أولئك اليهود الذين كانوا يتمتعون بتمام الحرية موقفا سلبيا من المصريين حين الغزو الفارسي (525 ق.م) لها وكذلك حين شاركوا في إخماد ثورة المصريين ضد الفرس ؛ وأما الإغريق فقد رحبوا بالإسكندر واحتفوا به حال دخوله لمصر عام (332ق.م)، مما أوغر صدور المصريين ضدهم ولذا لم يقبلوا الديانة المسيحية التي جاءتهم على يد المبشرين اليهود واليونان.



"وما أن دخل الإسكندر الأكبر مصر حتى حرص على فتح أبوابها للمهاجرين الإغريق خاصة المقدونيين" .
وعلى الرغم من قصر الفترة التي قضاها بمصر إلا أنها حولت مصر إلى فلك الحضارة الإغريقية.
ثم قام بطليموس (305ق.م) من بعده بإنشاء مدينة جديدة في صعيد مصر ليوطن فيها الجنود المسرحين المقدونيين ...... ومكانها الآن المنشأة بمحافظة سوهاج، ...... وقد أقام هذه المدينة لكي تكون مركزا لنشر الحضارة الهيلينية في قلب مصر.



وقد فعل الرومان نفس الأمر أيضا فقد كان الجندي بعد أن يقضي حوالي ربع قرن في الخدمة يقوم بالتوطن في البلاد وشراء الأراضي وربما الزواج أيضا في أثناء الخدمة إلا أن الاعتراف القانوني كان يتم بعد الانتهاء من الخدمة بالجيش.
وعندما تعلم أن مصر في عهد أوكتافيانوس كان بها ما يزيد على اثنين وعشرين ألف جندي وأنه انخفض في بعض الأوقات إلى 16 ألف و11ألف ؛ فلك أن تتخيل كم أولئك الجنود الغرباء الذين استوطنوا مصر على مدار ألف عام (300 عام من حكم البطالمة 320 عام تقريبا من حكم الرومان، 325 عام الحكم البيزنطي)



ويذكر بيللينى: أن قبائل عربية كانت تعيش في برنيقى وهى ميناء على البحر الأحمر يعود الفضل في إنشائها إلى بطليموس الثاني . إضافة لما ذكره سترابون من أن مدينة "فقط" كانت تعد مدينة عربية.



وهكذا فإن مصر لم تعرف العنصرية منذ القدم وامتزجت بسماحتها مع جميع الأجناس، إلا أن الأكثرية كانت لليهود والإغريق القادمين من جزر بحر إيجة والذين بلغوا من الكثرة حدا جعلهم ينازعون المصريين في بلادهم وبخاصة الإغريق الذين قاموا بتغيير اسم البلاد من أرض مصر إلى أرض "إيجي" (إيجبتوس). وكذلك ما تم من تغيير لأسماء المدن فمثلا إرسنيوي بدلا من الفيوم وبانوبوليس بدلا من أخميم، وهيراكليوبوليس بدلا من أهناسيا، وهرموبوليس بدلا من الأشمونين. إضافة نوكراتيس وبطلمية وغيرها من المدن. مما يبين لك مدى ما كان للإغريق من غلبة على سكان مصر الأصليين ليوضح لك عميق حزنهم وجرحهم من المسلمين حين فتحوا مصر فعادت لأهلها وفقدوا ما كانوا عليه من غلبة وتمييز.


كثرة اليهود والإغريق بمصر


تقول بتشر: أن سكان مصر قبل استيلاء الرومان على مصر، كانوا ثلاثة طوائف: اليونان واليهود والمصريين. وأن ذلك كان بسبب موجات الهجرة في العهد البطلمي حتى أصبح كل فريق منهم أمة أجنبية مستقرة في البلاد ممتازة بشريعتها ولغتها عن سواها .
ولك أن تتخيل ذلك عندما تعلم أن المؤرخ اليهودي يوسفيوس (يوسف) ذكر أن عدد اليهود بمصر كان لا يقل عن مليون نسمة في عهد فلاكوس حاكم مصر عام 38م ؛ وقد تابعته على ذلك بتشر في كتابها تاريخ الأمة القبطية (1/8) وأضافت في (1/38): أنه في عام 70م بعد سقوط الهيكل اقتيد لمصر 97 ألف يهودي ليعملوا في معادن مصر بالأخص، بالإضافة إلى عدد غفير تبعهم رجاء أن يجدوا عونا لدى يهود مصر الأغنياء.


هذا مع العلم أن يوسفيوس قدر عدد سكان مصر في ذلك الوقت بسبعة ملايين ونصف.
أي أن ما يقرب من عشرين بالمائة من السكان كانوا يهودا ولم يكونوا مصريين.
وأما الإغريق فكانوا أكثر عددا من اليهود ولم يكونوا يرون أنفسهم أمة أجنبية كما تقول بتشر، بل منذ دخول الإسكندر لمصر كانوا يرون أنفسهم أهل البلاد وأصحابها؛ وقد كانت السلطة تتعامل معهم أيضا من هذا المنطلق "فكانوا يتمتعون بجميع أنواع الحريات في ذلك العصر من حمل للسلاح وعضوية المجلس البلدي الشعبي وغيرها من الحريات" .


أوضاع طبقات المجتمع المصري


وعلى الرغم من أن الإغريق بعد دخول الرومان إلى مصر 31ق.م وحتى الفتح الإسلامي قد فقدوا بعضا من امتيازاتهم إلا أنهم ظلوا في وضع أفضل من جميع السكان ويليهم اليهود، فكانوا هم أصحاب المناصب والإقطاعات (أي الإغريق) وكان يسمح لهم بالانخراط في الجيش أحيانا وكان يتم إعفائهم من الجزية وغير ذلك من المزايا على العكس من المصريين الخلص.

ولذا حين دعاهم المقوقس إلى مصلحة المسلمين على دفع الجزية أنفوا، يقول يعقوب نخلة: أن المقوقس حين دعا قومه لمصالحة المسلمين على دفع الجزية قالوا له على وجه الإنكار: سنكون عبيدا لهم فأجابهم بقوله: نعم تكونون عبيدا مسلطين في بلادكم آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم .



ولا يأنف من دفع الجزية إلا من لم تكن هناك جزية مقررة عليه، خاصة أنه من المعلوم أن المقوقس كان يدفع للروم تسعة عشر ألف ألف دينار (19مليون) وكان يجبيها من المصريين عشرون مليونًا؛ أما عمرو بن العاص رضي الله عنه فقد مقدار الجزية التي فرضها هو عشرة ملايين.
فما الفارق بين أن تدفع لعمرو المسلم أو تدفع لهرقل الهرطوقي أو لكسرى الفارسي عابد النار؛ خاصة وأن ما تدفعه لعمرو أقل؟



الهوية الحقيقية لمسيحي مصر


وهذا يقودنا إلى الحقيقة المقررة تاريخيًا وتخفى على الكثير من المصريين وهي ما يصرح به كل من لوفيفر وشميدت وشولتز على أن المسيحية ظلت غريبة على أهل مصر الأصليين ، وإنما انتشرت بين الغرباء عن الأصول المصرية من اليهود واليونان.
يقول جاك تاجر في كتابه مسلمون وأقباط ص(11): "ظل الشعب القبطي، بعد انتشار المسيحية على يد الرومان والبيزنطيين يعبد بحرارة آلهته الفرعونية ويكرم آثار ماضية التليد......كما أنه لم يقبل المسيحية إلا بتحفظ شديد لأنها جاءته من الخارج".

يعرف ذلك من بين سطور كتب التاريخ فيذكر الشماس منسي: أن بطرس الرسول أتى مصر لتبشير اليهود المتشتتين فيها كما هي خدمته فتقابل معه مرقس في مدينة بابيليون التي فيها حرر رسالته الأولى .



ومن المعلوم تاريخا أن مدينة بابيليون أقامها اليهود القادمون من مدينة بابل الفارسية واختصت بإقامتهم فيها ولذا أطلق عليها اسمهم.
فالهدف الأساسي إذن هو خراف بني إسرائيل الضالة، وأما إلى طريق أمم فلا يذهبوا. ولذا كتب مرقس المبشر بالمسيحية في أرض مصر إنجيله باليونانية (الإغريقية) التي كانت هي لغة اليهود في الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت والتي كانت التوراة ترجمت إليها في وقت سابق فيما عرف بالتوراة السبعينية أو الترجمة السبعينية والتي صارت نصا مقدسًا.


ولذا اتخذ مرقس من الإسكندرية مقرا لخدمته حيث كانت حينذاك تعج باليهود إضافة إلى اليونان وأجناس أخرى مختلفة من مصريين وحبش ونوبيين وغيرهم.


وتقول بتشر في تاريخ الأمة القبطية (1/45) أن: اليهود بعد أن قمعت ثورتهم (كانت في الفترة من 115م إلى 117م) في عهد الإمبراطور ترجان أصبحوا يعتنقون الديانة المسيحية أفواجا أفواجا. فلعل فيما ذكرته بتشر يكشف لم يستنجد المتظاهرون منهم بشارون وبوش؟
إضافة إلى كون البطريرك الأول لكنيسة الإسكندرية بعد مرقص أنيانوس (حنانيا) كان يهوديا .

وأما اليونان (الإغريق) فقد دخلوا في الدين الجديد أفواجا أفواجا أيضا، يقول منسي ص (29): "وفي عهد البابا أنيانوس نجحت التعاليم المسيحية واتسع نطاقها وتمذهب بها الكثيرون من أرباب المناصب العالية والأكابر والأعيان وبعض رجال الدولة". وهؤلاء الأكابر وأصحاب المناصب إنما كانوا إما من الإغريق أو الرومان.



وتتضح الصورة أكثر إذا نظرت في قائمة أسماء آباء كنيسة الإسكندرية أو مديري المدرسة اللاهوتية فلا تجد غير الأسماء اليونانية فمثلا إكليمنضس مدير المدرسة اللاهوتية بالإسكندرية تقول بتشر (1/62) في حقه:"اسم هذا الرجل الشهير هو تيطس فلافيوس إكليمنضس وفيه إشارة إلى وجود بعض الصلة بالعائلة الإمبراطورية". وللعلم فـ "تيطس" هو اسم روماني خالص.
وكذلك أستاذه بنتيوس وأول مدير لمدرسة اللاهوت كان صقليا، وهكذا إذا استعرضت باقي القائمة لم تظهر إلا الأسماء ذات الصبغة اليونانية (أوريجانوس، ألكسندروس، أثناثيوس، ديمتريوس، ......ألخ).



واليهود كانوا قد درجوا في العصر الهيلينسي والروماني على استخدام الأسماء الإغريقية والرومانية. بعكس المصريين الخلص، أما أبناء الزيجات المختلطة بين المصريين واليونان فكانت أسمائهم إغريقية أيضا.



ونظرا لغلبة الجنس الإغريقي واليهودي على مسيحي مصر أصدر الإمبراطور ساويرس في سنة 202م أمرا يحرم فيه على رعاياه الدخول في الديانة المسيحية أو اليهودية في مستقبل الأيام . حيث كان يخشى الأباطرة في ذلك الحين من أن تجمع هؤلاء رابطة الدين الجديد وتشجعهم للخروج عليه، إذ أن اليهود كانوا دائمي الثورة على الرومان والإغريق كانوا ينقمون على الرومان لأنهم سلبوهم ملكهم وسلطانهم من وجهة نظرهم، وتلك الأسباب هي التي جرَّت على المسيحيين من اليهود واليونان الويلات والاضطهاد التي لم يعانيها مسيحيو روما وسائر مسيحيي الإمبراطورية وذلك لانتفاء الأسباب السابقة في حقهم.



وهكذا ظلت المسيحية غريبة على الشعب المصري وكهنتهم الذين حرضوا الإمبراطور فاليريان لاضطهاد المسيحيين (257م-260م) لما بينهم من العداء، وبخاصة إنكار الكهنة المصريين لمسألة الصلب .



وأما المصريون الخلص من الفلاحين فلم يكن يأبه لهم أي من السلطة أو الإغريق أو اليهود، ويؤكد ذلك ما وقع من اضطهاد عام للمسيحيين في الإمبراطورية لما كثرت محاولات الخروج على السلطة في بلدان عدة بأنحاء المملكة ،وربما عانت مصر منه بصورة أشد من غيرها وهو ما عرف باضطهاد دقلديانوس وتطلق عليه الكنيسة عصر الشهداء؛ ولقد قاسى من هذا الاضطهاد علية القوم وأكابرهم، وكان منهم كبار موظفي وضباط الجيش والأغنياء، ومن المعلوم أن المصريين الخلص كانوا محرومين من الخدمة في الجيش أو تقلد الوظائف الرسمية بالدولة. ولذا فطبقة المسيحيين من العمال والفقراء والذي كان أغلبهم من المصريين لم يمسهم كبير سوء .



الغرباء يكرهون أهل البلاد على ترك ديانتهم



وحقيقة أن السوء قد مس المصريين الخلص من المسيحيين والوثنيين على حد سواء حين أعلن الإمبراطور الروماني ثيوديوس في عام 391م المسيحية ديانة رسمية ولكن طبقا لقانون الإيمان النيقاوي، والذي ينص على تأليه المسيح:

يقول جاك تاجر في كتابه مسلمون وأقباط ص(11) أن: مسيحيو مصر تركوا ديانة أجدادهم مكرهين لأن ديانة الفراعنة ومعابد الفراعنة وآلهة الفراعنة كانت تذكرهم بمجد مصر في مختلف عهودها.


أي أن المصريين بداية من القرن الخامس إنما دخلوا في المسيحية مكرهين حينما تم الاستيلاء على معابدهم وحولت إلى كنائس وأديرة، تلك المعابد التي هي ملك للمصريين وليس لليونان واليهود فيها أي حق حتى وإن كانوا مسيحيين.
حيث يقول جاك: ولما زالت عبادة الأصنام وكفت السلطة عن حمايتها لم يستطع المصريون تلافي المسيحية .

هذا بالنسبة للوثنيين، أما المسيحيون من المصريين الخلص فحدث ولا حرج حيث كانوا يختلفون عن اليهود والإغريق في المعتقد وفي الأناجيل المعترف بها، يرشد إلى ذلك مجموعة المخطوطات التي وجدت بالقرب من نجع حمادي بمحافظة قنا التي تقع في أقصى جنوب مصر وفي ذلك دلالته، إذ أنها لم توجد بمدينة الإسكندرية ذات الأغلبية اليونانية والهوية الإغريقية أو في بطليمية (سوهاج) أو إرسينوي (الفيوم) أو غيرها من المدن التي كان يكثر بها أولئك المسيحيين الأغراب وإنما وجدت في مدينة بعيدة عن السلطة المركزية ويضعف فيها سلطان أولئك القائلين بالصلب وألوهية المسيح، في حين أن تلك المخطوطات تهزأ من تلك المعتقدات.



ففي بعض مما ورد بمكتبة نجع حمادي القبطية عن موت يسوع المسيح في كتاب (كشف) بطرس (يقول الكتاب الذي لا يحتوي على فقرات مرقومة)" :وقلت ما هذا الذي أراه يا سيدي؟ .. أهذا أنت نفسك الذي يأخذونه؟ ..وأنت الذي تمسكني بقوة؟.. أو من هذا الشخص الذي يضحك سعيداً أعلى الشجرة؟ .. وهل هو شخص آخر الذي يخرقون يداه وقدماه؟


قال المخلص لي: هذا الذي تراه على الشجرة يضحك سعيداً هو المسيح الحي. وهذا الذي يدقون المسامير في يديه وقدميه هو جسده المادي الذي هو البديل يوضع في العار، الذي بقي في شبهه، لكن.. انظر إليه وانظر إلي وعندما نظرت قلت: سيدي .. لا أحد ينظر إلينا، دعنا نغادر هذا المكان."


وفي كتاب آخر بعنوان " المقالة الثانية ليست الأكبر" يقول:" كان شخص أخر، أباهم، الذي شرب المرارة والخل، لم يكن أنا، ضربوني بالقصبة، كان آخر، سيمون، الذي حمل الصليب على كتفه، وكنت شخص آخر غير الذي وضعوا إكليل الشوك على رأسه، وكنت أنا مبتهجاً في الأعالي فوق ثروة حاكمهم ونسل خطاياهم ومجدهم الزائف، أضحك لجهلهم" .


وفي كتاب آخر بعنوان " مقالة القيامة " فإن المسيح مات كأي شخص آخر ولكن روحه المقدسة هي التي لا يمكن لها أن تموت.
كما أنها لم تكن تزين بالصليب الروماني الذي كان يمثل آله الإعدام لعقاب الخارجين على قانونها وإنما نقش عليها ما يقولون عنه بالصليب ذو الرأس البيضاوي وهو ما كان معروفا لدى المصريين بمفتاح الحياة .


وأما أسماء الكتب فهي إنجيل المصريين وإنجيل تحتمس وإنجيل يحمس وهذه كما ترى أسماء مصرية خالصة وليست يونانية كالتي تطالعك في قوائم أسماء بطاركة الإسكندرية إضافة إلى إنجيل فيليب ويهوذا ومريم.

فتلك كانت عقائد المصريين الخُلص وأناجيلهم والتي اعتبرها كل من اوريجانوس وجيروم أنها من الكتابات المزورة. ومع ذلك فقد بلغت الآفاق طيلة القرن الرابع (وهو ما عرف بمذهب أريوس) تقول بتشر: أن الإنجيل الذي كان ينسب للمصريين ..... نشر حينئذ في البلاد بكل حرية وبدون أدنى معارضة من تلك الكنيسة المسيحية .
وقد تم دفن تلك الكتب حين بدأ اضطهاد أهل ذلك المذهب وذلك في بداية القرن الخامس كما قدمنا آنفا. وعلى الرغم من قصر الفترة التي تمتع بها أصحاب ذلك المذهب من حرية فقد برع من المصريين فيه الأسقف جرجس المعروف "باسم مارجرجس وهو بالأساس أريوسي المعتقد" .



وكان للأريوسيين بمصر ثلاث كنائس باسمه والذي قتله الوثنيون لشدته عليهم، وقد صُوِّرَ راكبا على ظهر جواد وتحت سنابكه تنين قد أغمد فيه سيفه في إشارة إلى تغلبه على أثناسيوس (صاحب قانون الإيمان النيقاوي) بقوته ومهارته. ومن هذه الكنائس كنيسة مار جرجس المقامة داخل أسوار القلعة الرومانية بمصر القديمة. وكذا الكنيسة المقامة بمصر الوسطى بسوهاج (بطليمية) وقد تغلب اسم القديس الأريوسي المصري على الاسم اليوناني فصارت تدعى جرجا إلى يومنا هذا .
وما أن بدأ اضطهاد المصريين من أصحاب المذهب الأريوسي حتى تم الاستيلاء على تلك الكنائس من قبل المسيحيين ذوي الأصول اليونانية واليهودية.


فهل يملك مسيحيو اليوم الشجاعة ويتقدموا لأهل البلاد من المصريين بالاعتذار عما أصابهم من بلاء على أيدي أجدادهم، أم أن العرق دساس؟.


عموما نحن بالسماحة المصرية المعهودة والتي عمقها الإسلام نغلق ملف الماضي، ولا نبحث عن أصول أقوام مضى عليهم ما يقرب من ألفي عام سواء كانوا مصريين أم إغريق أم يهود فالجميع اليوم مصريين.

ولكن، كلمة أخيرة



إن عودة العرب لمصر هي عودة لنقاء العنصر لمن يبحث عن نقاء العنصر حيث أن العرب نصفهم مصري إذا أن العرب هم من أبناء إسماعيل عليه السلام الذي هو بدوره ابن إبراهيم عليه السلام وهاجر رضي الله عنها المصرية الخالصة.
ولو كانت العقائد يدان بها من أجل الجنس لكان الإسلام هو أولى ما يدين به المصريون والله عز وجل يقول: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم".




المصدر: لواء الشريعة