وسطية بطعم التطرف

منذ 2015-05-14

الوسطية ليست عملية حسابية أجمع فيها ما يريده الله سبحانه إلى ما يريده الملحدون ثم أقسّم على (2)، وليست النقطة المتوسطة بين التدين والإلحاد، الوسطية هي ما أراده الله منا من أحكام وشرائع وعقائد، دون غلو ولا تفريط، فمن أراد الوسطية فعليه أن يواجه الطرفين لا أن يصطف مع طرف دون آخر، وإلا كان منافقًا يدعي التعددية ما دامت في صفه، ويتقبل الآخر ما دام في جنبه..

ربما نتابع بشغف الحملة التي يشنها العالم العربي على الإرهاب والتطرف، ونرى كمية الموارد والإمكانيات التي توضع في سلة المواجهة، ونستمع ليلًا نهارًا للخطب الرنانة حول خطورة التطرف وأهمية الوسطية ودورها في المجتمعات الإسلامية، وتقبل الآخر واحتضانه وتقبيله وتغطيته ليلًا إن برد، وإعداد الطعام له إن جاع، ولهذا الهدف تحشد الآيات والأحاديث والقصص والمواقف والإحصائيات، ولا ريب فنحن أمة الوسطية كما يقولون.

طبعًا دعونا نتغافل قليلًا عن أن معنى الآية التي يقرقعون الرؤوس استدلالًا بها وهي قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة من الآية:143]، ليس له علاقة بالمعنى الذي يقصدونه وهو أقرب للمتوسط الحسابي منه إلى أي معنى شرعي معتبر، دعونا نتغافل عن هذه الحقيقة ونمضي معهم في هذا الاستدلال ونقول: إن كان الوسطية هي معنى بين معنييين أو نقطة بين نقطتين، إحداهما مغرقة في اليمين والثانية منحرفة إلى اليسار، فيفترض بنا أن ننتقد ونفنّد الطرفين ليتحصل لنا الوسط، وإلا قوينا الطرف الآخر، وخسرنا وسطيتنا الغالية.

ولكننا في الحقيقة ننتقد طرفًا انتقادًا شديدًا، ونترك الطرف الأخر دون أي كلام، مما يجعلك تتسال عن السبب، هل مجتمعاتنا تعاني من التطرف أكثر من الإلحاد والعلمنة؟ هل يكمن الخطر على بنياننا في أولئك المجرمين وليس في هؤلاء المجرمين؟ هل عدد المعتنقين لذلك التطرف أكبر من المحبين والمؤيدين للتطرف الآخر؟

إذا عقدنا مقارنات بسيطة لن نستهلك وقتًا طويلًا قبل أن ندرك أن الأطراف في هذه المعادلة ليست متساوية إطلاقًا، فعدد (التكفيريين أو الجهاديين) -سمّهم ما شئت- في مجتمعاتنا لا تكاد تذكر بالمقارنة مع عدد (المنفتحين على الآخر)، والليبراليين والعلمانيين بل والملحدين، والطرف الأول منبوذ اجتماعيًا مقصي وظيفيًا، مجرّم دينيًا، بينما يعيش الطرف الثاني براحته ينشر فكره متمتعًا بميزات دولته المدنية التي أعطته حريته المنشودة.

حتى لو تجاوزنا تلك الحقائق لميدان أكثر تطرفًا؛ كم هم ضحايا الطرف الأول بالمقارنة مع ضحايا الطرف الثاني، ضحايا الإرهاب أرقام معروفة ومسجلة لا تبلغ في أقصى حدودها عشرة آلاف خلال السنوات العشرين الماضية، بينما ذهب ضحية تطرف القوميين واليساريين والعلمانيين أعداد لا تحصى ولا تعد.

الوسطية ليست عملية حسابية أجمع فيها ما يريده الله سبحانه إلى ما يريده الملحدون ثم أقسّم على (2)، وليست النقطة المتوسطة بين التدين والإلحاد، الوسطية هي ما أراده الله منا من أحكام وشرائع وعقائد، دون غلو ولا تفريط، فمن أراد الوسطية فعليه أن يواجه الطرفين لا أن يصطف مع طرف دون آخر، وإلا كان منافقًا يدعي التعددية ما دامت في صفه، ويتقبل الآخر ما دام في جنبه، وأخشى ما أخشاه أن يكون هو الطرف الآخر.

 

يوسف القرشي

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام