اللِّي ـ برَّا ـ ليَّهْ!

منذ 2009-04-30

"إنَّ كلمة الليبرالية مصطلح عريض، وغامض، ولايزال إلى يومنا هذا على حالة من الغموض والإبهام" دونالد سترومبرج، (تاريخ الفكر الأوربي الحديث ص 337).


قال الحق سبحانه: {بَلْ كذَّبوُا بالحقِّ لمّا جاءَهَمْ فَهُمْ في أَمْرٍ مَرِيجْ} [سورة ق:5].

{وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [سورة الحديد: 14]

"إنَّ كلمة الليبرالية مصطلح عريض، وغامض، ولايزال إلى يومنا هذا على حالة من الغموض والإبهام" دونالد سترومبرج، (تاريخ الفكر الأوربي الحديث ص 337).

"النازيون والفاشيون، على الرغم من جرائمهم الضخمة لايهاجمون إلاّ مجموعات بشرية محددة، وكانوا ينكرون إنسانية هذه المجموعات ويدمرونها بالقتل الجماعي، لكنّ الليرالية الجديدة تهاجم الإنسانية جمعاء، وفي غضون عدّة عقود، سوف يقدّم هؤلاء الرجال الذين يحكمون العالم حساباً خطيراً عما يفعلون" لجون زيغلر، (سادة العالم الجدد ص 211).

بعد أن سيطرت الفكرة الليبرالية الرأسمالية الغربية الحمقاء على الغرب، وهيمنت على النظام المالي العالمي:

85% من المجتمع الإنساني يعيشون على 15% من الناتج العالمي.

و15% يعيشون على 85% على من الناتج العالمي.

2 مليار إنسان يعيشون تحت خط الفقر.

30 ألف طفل يموت يوميا بسبب الفقر.

انتشرت البطالة في العالم بصورة لم يسبق لها مثيل.

أحرقت 100 مليون إنسان في حروبها لإقتسام المستعمرات، والأسواق في القرن الماضي، وهي الآن تفعل المزيد لإعادة الإستعمار، فقد استهلت هذا القرن بحرب الثلاثة تريليون دولار، كما قال كلُّ من ستيجليتز، وبيلميز، في كتابهما: ""حرب الثلاثة تريليون دولار" أن احتلال العراق وأفغانستان كلف الخزينة الأمريكية عام 2007 وحتى نهاية سبتمبر، 845 مليار دولار أ.هـ.

أما حرب إحتلال العراق التي ذهب ضحيّتها مليون قتيل، وملايين المهجَّرين، فقد كانت الأكثر كلفة في التاريخ بعد الحرب العالمية الثانية، وهي باكورة الكوارث الإنسانية بعد تفرد الفكرة الليبرالية بالسيطرة العالمية!

يقول جان زيغلر في كتابه القيـِّم (سادة العالم الجدد): "الليبرالية الجديدة تستخدم كلمة (حرية).. حرية كاملة لكل فرد ، مساواة في الفرص، وإمكانيات مفتوحة لسعادة الجميع.."، ثم يقول: "كلُّ هذا هراء، إنَّ السعادة بنظر الأقوياء... تكمن بالإستمتاع الفردي بالثورة المكتسبة عن طريق سحق الآخر" (ص 54).

ثم يضرب مثالا في بلاده سويسرا فيقول: "نجد اللاَّمساواة الصارخة هي القاعدة 3 بالمائة من دافعي الضرائب يملكون ثروة شخصية تساوي مجموع ما يملكه ألـ 97 بالمائة الباقون، ويملك ألـ 300 شخص الأغني مجتمعين ثروة تساوي 374 مليار فرنك، وعام 2001م إزدادت ثروة ألـ 100 شخص الأغني بمقدار 450 % .. وعام 2002 استأثر عشرون بالمائة من سكان العالم بما يزيد على 80% من ثرواته، ويمتلكون أكثر من 80% من السيارات، ويستهلكون 60% من الطاقة، أما الباقون وهم 5 مليارات من الرجال، والنساء، والأطفال، فيتقاسمون 1% فقط من الدخل القومي، وبين عام 1992 وعام 2002 م ـ أي حقبة هيمنة الفكرة الليبرالية على العالم ـ هبطت حصة الفرد الواحد من الدخل القومي في 81 بلداً ،وفي بعض البلاد مثل رواندا، لايزيد متوسط العمر على 40 سنة، وفي إفريقيا كلها يساوي 47 سنة، بينما هو في فرنسا 74 سنة، وفي العالم الثالث ينتشر الفقر بسرعة مذهلة ، ففي عقد واحد من السنين زاد عدد المعدمين من الفقراء 100 مليون" (ص 56).

وقد اعترفت الليبرالية أخيراً أنها السبب فيما أصاب العالم من إنهيار إقتصادي، كان مردُّه إلى الجشـع الذي هو نتاج عقيدتها المادية النفعية الخبيثة، فكانت آثار هذا الإنهـيار مدمّرة على البشرية، وحدث بسببها من الفساد العظيم، ما الله به عليم، وصدق فيهم قوله تعالى "وإذا قيل لهم لاتفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لايشعرون".

وإنَّ فساد الليبرالية أشد بكثير من فساد مرض الأيدز، كما قال بيير بورديو تماما "إن الليبرالية الجديدة مثل مرض الإيدز تدمر جهاز المناعة في ضحاياها".
Pierre Bourdieu "politik ist entpolisitisiert" der Spiegel :29

وكما أحدثت الليبرالية هذا الفساد الهائل على إقتصاد العالم، كذلك فعلت على مستوى الأخلاق، والقيم، والعلاقات البشرية، ووصل الجشع البشري في وقتها إلى مستوى لم يتحدر إليه قط في تاريخ البشرية.

لقد وعدت الليبرالية العالم بعصر الحرية، والرفاهية، والمساواة، فأوردتها دكادك الشقاء، ومدارك البلاء، وكذلك كلُّ أعرض عن هدى الله تعالى، فهو إلى هذه الغاية مرجعـه، ونحو هذا الدرك مصيره ومصرعه.

وليس العجـب ـ والله ـ من ضلال من لم يعرف وحي الله وهداه، ولكن العجـب ممن هـُم من بني جلدتنا ، الذين تنكبُّوا هدى الله الذي به اختصَّهم، وفيه رفع قدرهم، (فاستحبوا العمى على الهدى)، وأخذوا بأذناب الضالين التائهين، ورضوا لأنفسهم أحـط المذاهب، مبدلِّين نعمة الله عليهـم كفراً، حالِّين دار البوار، متبعين نهج الكـفا.

وأعجب شيءٍ فيهم، أنهم لم يأخذوا من فكرة الليبرالية إلاّ أرذل ما فيها، وأخسّ ما احتوت عليها، فليس يشغلهم إلاّ البحث عن الشهوا، ولا شيء أحبّ إليهم من التنقيب عن اللخانة، والفرح بإنتشار الرذيلة، ولايستهويهم من مدارج الحضارة، ومظاهـر التقدُّم، إلاَّ الأجساد العارية، والأخلاق التي على سنن الشياطين جارية.

وقد تركوا الدعوة إلى حرية الإنكار على جور السلطة، والمناداة بحقوق الفقراء، والضعفاء، والمساكين، والطبقات الكادحة، فهذه من الليبرالية المزعومة لاتعنيهم، بل صار جلُّ نشاطهم في الدعوة إلى (احتلال المراة) وليس تحريرها، وغايتهم إخراجها من عفِّتها، وطهارتها، إلى حيث يعبثون بها، ويستخدمونها لإفساد المجتمع.

فإنْ صعدوا درجة إلى استعمال عقولهم، استعملوهـا في الطعن في القرآن، والتطاول على الأنبياء والرسل الكرام، والسخرية من الدين، والاستهزاء بشريعة المسلمين.

ثـمَّ تفاصحوا على أمِّتهم ، مغترين بتمكين الغرب لهم في وسائل الإعلام، فأقحموا أنفسهم في الأدب إقتحام اللصّ، وألحقوا ثرثرتهم الفارغة فيه إلحاق الحسِّ بالإسِّ، وزعموا أنهم أدبـاء الحداثة، وذلك أنهم خائبون في كلِّ شيء، لايحسنون سوى اللعلعة، والمعمعة، والتزلف عند السلطة بالجعْجعة.

فخذ أمثـلة منهم، ولاتسأل إلاَّ الشيطان عنهم، ملعون آخرهم وأولهم، كمثل السياب الذي قال: "كفرت بأمة الصحراء، ووحي الأنبياء على ثراها"، وهذيان علاء الدين حامد في: (الفراش)، و"مسافة في عقل رجل"، وقحة حيدر حيدر في وليمته المتعفنة، ثم ادونيس الذي لم يجد إلاَّ اسـم صنم ليختاره لقباحته، وأنطون فرح، وسلامة موسى، ولطفي السيد، وطه حسين، ولويس عوض، ويوسف الخال، وصلاح عبد الصبور، والبياتي، وصلاح فضل، وجابر عصفور، وعبدالمعطي حجازي، ومحمود درويش، وسلمان رشدي، ونسرين، ونجيب محفوظ عدوّ الله ورسله... إلـخ

وغيرهم كثير، ممـَّن مردوا على النفاق من الكبار، وآخرون منهم لاحـقون بهم، وهم حدثاء صغار، يرضعون من أولئك، وينبتون اليـوم في جزيرة العرب، كما تنبت الخباثة في حميل سيل الدياثة، من أحفاد مسيلمة الكذَّاب، ظهر قرنهم لما ضعف الدين، وخُذلت الشريعة، واستنكرت شعيرة إنكار المنكر، فانتشروا في الصحف، ووسائل الإعلام، إنتشار الخفافيش في الظُّلمة، تحت حماية الظَّلَمَة، وهمُّهم إبطال الإسلام، وغايتهم إفساد الأنام، قاتلهم الله أنى يؤفكـون.

وهـم شتىَّ، لايجمع غيـر إعجابهم بكلِّ شيء سوى أمِّتهم ، ودينها، وثقافتها ،حتى قيل إنَّه "لما زار شارل بيلا إحدى البلاد العربية سأله أحد الصحفيين العرب: ماذا تقرأ في الأدب العربي، القديم أو الحديث؟ فأجاب القديم وحده، فقال له: ولماذا؟ فأجاب: لأنَّ الحديـث ليس سوى أدب غربي، مكتوب بحروف عربية!" الغزو الفكري وموقفنا منه، (د. محمد عبدالمنعم خفاجي).

فكأنَّ لسان حالهم يقول: دينُنـا هو رفض ديننا، فليس لنا إلاَّ ما أتانــا من الخارج، أو بالعامية (اللِّي ـ برَّا ـ ليَّه)، فعجبا لتوافق اللفظ (الليبرالية).

وصدق الله تعالى.

وصدقت العرب.

قال تعالى: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [سورة الرعد: 19].

وقال: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفلاَ تَعْقِلُونَ} [سورة الأنبياء: 10].

وقالت العرب: "لا يأبى الكرامة إلاَّ حمار" (مجمع الأمثال 2/225).

والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى، ونعم النصير.








المصدر: موقع الشيخ حامد

حامد بن عبد الله العلي

أستاذ للثقافة الإسلامية في كلية التربية الأساسية في الكويت،وخطيب مسجد ضاحية الصباحية