مرثية: رجلٌ يُحب!

منذ 2016-03-18

تحكي خواطرُنا لوعات قلوبنا، عن فراق أحبابنا، عمَّا قد نكون قصَّرنا في حقوقهم، أو في ما يحبون أو يتمنون ولم يطلبوه منا. تحكي تندُّماتِنا عمَّا لم نفعل، بل تحكي أحيانا عمَّا فعلوا بنا اجتهادا منهم في النصح والرعاية، ولكن: ليس كل من تمنى الخير أدركه، وحسبهم أنهم أرادوا بنا خيرًا. إن فيها عبرة لنا جميعًا، لنستغل ما بقي لنا من فرص ونستدرك ما فات بأوجه الاستدراك الكثيرة

أبَتِ!

شوقي إليك يحدوني لأتحدث عنك، أعلم أنكَ لن تسمع قولي، ولن تقرأ ما أبثُّه من حب لك في حرفي، وكأنَّي أسمعك لي معاتبًا: وهل كنتُ يومًا -بنيتي- قارئًا!!

  • بل كنتُ أقرأ لكَ، وقد جعلتني أمَلَك، كم قلتَ لي: أنا -بنيتي- أميّ، فلا تكوني غاليتي مثلي، أريدكِ -بنيتي- في مكانةٍ سامقة، على كل أقرانك متفوقةٌ سابقة!

- فجهدتُ ألا أخذلكَ، وكنتُ -بفضل من الله وحده- عند حسن ظنكَ!

  • ألم أكن يا أبي؟
  • بلى والله على ذلك حرصتُ، وفي ناظريك فخرك بي رأيتُ.

أبتِ أريد أن أسرَّ إليك شيئاً ما قلته لك أبدًا: كم كنتُ أبكي وأتضرع لربي أن يبارك لنا في عمرك، وأن ينسأ لنا في أجلك، فكلما خطر لي أنك لا بد مفارقنا؛ لأننا في سن كبيرة بك رُزقنا؛ اتصل دمع عيني، واعتصر من خشية فراقك قلبي، فكنتُ أبكيك خلسة وما تعديتُ بعدُ أعوامي الخمسة!

أبتِ هل تذكر يوم الوصية؟ 

  • حين كنتُ بعد صبية، تدغدغها فتضحك ، وبعناقها وقبلاتها تمطر وجهك -حينها قلتَ لي: أوصيك بنيتي إن أنتِ يوما تزوجتِ ومن بيتي لبيت زوجك خرجتِ ألا تحرميني رؤيتك، ولو أن تنظري لي كل يوم أسفل شرفتك!".

ويوم زواجي ما انقطع دمع عينيك، لفراق ما بين جنبيك، بذا أخبرتَ عمتي مما زاد لوعتي!

كم بكيتَ لأجلي في شديد مرضي، أتذكُر حين مسحتَ دمائي بيدك من على الأرض، وبذلك الحال ذهبتَ، وعلى طاقم الأطباء صرختَ، كم ضممتني إليك، ورأسي بين ثدييك!

كم قصصتَ لي من الذكريات، وكم تضاحكنا على الحكايات، وكم عشقتُ تكرارها، وما كنتُ -أبدًا- بمالة لها!

اخترتَ لي اسماً من أجمل الأسماء، و تكنيتَ بي لكوني أكبر الأبناء، وبعد عشرين عامًا شاء القدر أن تتكنى باسم شقيقي الأصغر، حينها تألمتُ، وما شيئًا لك أبديتُ، ولكنك كنتَ حين تغضب مع أمي بكنيتي تدعوها، وحين تصافيها بكنية أخي تناديها، فكنتُ ألومك ضاحكة: أتجعل اسمي للأوقات غير الموافقة!

لم تكن تطيق مخاصمتي، ولم تنجح أبدًا في مقاطعتي، ولم أكن أطيقُ غضبك، ولا كنتُ صابرة يومًا على بعدك، ما كنتَ تستطيع ردَّ اعتذاري، و كأنك -رغم ما تبدي من ممانعة- في انتظاري!

أذكر بكاءك لضيق ذات يدك؛ حين ألمحنا لشيء فوق طاقتك!
كم قلتَ لنا كلنا: لو طالت يدي نجوم السماء، ما تأخرت في إحضارها لأعز الأبناء!

كم كنا نتعارك أينا ينام بجوارك؛ نتناوب ونستهم على ذلك!
ما ظلمتَ أجيرًا لك شيئًا، ولا أخرتَ في ذمتك لأحدهم ديناً، تؤدي ما عليك، سائلاً الله ما لك!

ما دخلتُ عليك مرة إلا وأخذتني بالأحضان، وكنتَ تحب مشاركتي في الطعام، وإن غبتُ عليك بالزيارة، بالافتقاد صرحت بالعبارة!

وفي مرضك الأخير: قلمتُ لك أظفار يديك وقدميك، وهذبتُ لك شاربيك أتودد إليك، وكنتُ أطيل إليك النظرات؛ أحدث نفسي أن أجتهد في عَبِّ ما أستطيع من الذكريات؛ لأجترها إذا فاض حنيني لها!

وحين فاضتْ روحك ورأسك بين يدي، غامتْ صورتك لفيض دمعٍ سال من ناظري، أكببتُ أقبّل ما بين عينيك ووجنتيك وصدرك ويديك، ثم أطلتُ إليك النظر، أتصبر لفراق حبيب حُضِر!

اللهم وسع لأبي في قبره ونور له فيه ...آمين.