الاستعداد الأمثل لشهر الصيام

منذ 2016-06-03

الفرصة ما زالت سانحة للاستعداد ولو بصيام بضعة أيام منه، ناهيك عن تلاوة القرآن والقيام به ولو بركيعات في جوف الليل ودقائق السحر

كثيرون هم الذين كتبوا عن الاستعداد لاستقبال شهر الصيام، وتناولوا في مقالاتهم أنواع الاستعداد النفسي والروحي والجسدي والقلبي قبل حلول هلال رمضان.. إلا أني أريد التركيز في هذه العجالة على استعداد أعتبره مثاليًا وفريدًا، لا لأنه يشتمل على أعمال غريبة أو غير مألوفة، بل على العكس من ذلك تمامًا، فما أريد أن أذكره في هذا المقال من أعمال البر والخير استعدادًا لشهر الصيام من الشهرة والبروز بمكان، إلا أن شدة القرب قد تكون حجابًا كما يقال.

إنه الاستعداد لشهر رمضان باغتنام أيام وليالي شهر شعبان بأعمال البر التي وردت في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو ما يعني أن الاستعداد هنا نبوي بامتياز، ومستمد من صحيح أحاديث الرسول الكريم ومقتف لسيرة السلف الصالح من أمته.

والحقيقة أن الكثير من المسلمين قد يغفلون عن أفضلية الاستعداد لشهر الصيام في شعبان كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث عن أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنْ شَهْرٍ مِنْ الشُّهُورِ مَا يَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ فقلت: لَمْ أَرَكَ تَصُومُ مِنْ شَهْرٍ مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ قَالَ: «ذَاكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ يُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ» (مسند الإمام أحمد بإسناد حسن برقم [21753]).

إذن فالغفلة عن فضل هذا الشهر واردة بنص حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو ما يجعل التذكير بمكانته وأفضلية الإكثار من أعمال البر فيه استعدادا لشهر الصيام أشد حاجة وأكثر ضرورة، خصوصًا إذا علمنا أن الكثير من البدع قد انتشرت بين المسلمين في هذا الزمان، والتي باتت تصرفهم عن فضل الصحيح مما ورد عن نبيهم صلى الله عليه وسلم إلى الضعيف والمنكر.

نعم.. كثيرًا ما يتناقل المسلمون عبر وسائل التواصل الاجتماعي أفضلية الصيام في شهر رجب -مثلًا- رغم أنه لم يرد في ذلك حديث صحيح، بينما يغفلون عن أفضلية الصيام في شهر شعبان رغم ورود الكثير من الأحاديث الصحيحة في ذلك، بل إن الكثير من المسلمين من يوصي غيره بضرورة تخصيص يوم النصف من شعبان بصيام وليلها بقيام دون دليل أو حديث صحيح، في الوقت الذي يغفل فيه عن الصحيح الوارد في عموم فضل الصيام في شهر شعبان.. وهو ما يستدعي التأكيد على أن أفضل أنواع الاستعداد لشهر الصيام ما كان مقتبسًا من صحيح سنة المصطفى وسيرة السلف الصالح من أمته.

أول دعائم الاستعداد الأمثل لشهر الصيام في شهر شعبان هو: تدريب النفس على الصيام، فمن المعروف أن النفس إذا اعتادت على الصيام قبل رمضان، فقد اجتازت بذلك مرحلة المجاهدة التي لا بد منها في بداية شهر الصيام، وبالتالي القدرة على اغتنام ساعات مدرسة الثلاثين يوما بشكل أكبر وأفضل في أعمال البر والخير.

أما من لم يخضع لتمرين الاستعداد وما يمكن تسميته (بالتسخين)، فإنه بلا شك سيجد صعوبة ومشقة في الصيام في الأيام الأولى من رمضان، ولن تطاوعه نفسه على تحمل باقي أصناف العبادة والطاعة في هذا الشهر العظيم، وهو ما يحرمه من استثمار دقائق شهر القرآن بالشكل الأمثل، ما يجعله عرضة للندم في آخر أيام وليالي شهر رمضان.

لقد أرشدنا الرسول الكريم إلى هذا النوع من الاستعداد لشهر رمضان من خلال الكثير من الأحاديث الصحيحة التي تتحدث عن كثرة صيامه في شعبان، ففي الحديث عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ" (صحيح البخاري [1969]).

وفي الحديث عن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلاَّ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ".

وفي رواية أخرى عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُهُ إِلاَّ قَلِيلًا بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ" (سنن الترمذي [736] وقال: حديث حسن).

قال ابن رجب رحمه الله في الحكمة من الإكثار من الصيام في شعبان: "صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده فيدخل رمضان بقوة ونشاط -في العبادات والطاعات طبعًا-".

وقال أهل العلم: صوم شعبان مثل السنن الرواتب بالنسبة للصلوات المكتوبة، ويكون كأنه تقدمة لشهر رمضان، أي كأنه راتبة لشهر رمضان، ولذلك سن الصيام في شهر شعبان، وسن الصيام ستة أيام من شهر شوال كالراتبة قبل المكتوبة وبعدها، ومن المعلوم أن الرواتب هي تكملة لنقص الفرائض.

أما الدعامة الثانية في الاستعداد الأمثل لشهر الصيام في شعبان فهي تلاوة القرآن، قال سلمة بن سهيل: كان يقال: شهر شعبان شهر القراء. وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: هذا شهر القراء. وكان عمرو بن قيس المُلائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن..

والحقيقة أن من يدقق في أهم أعمال شهر الصيام يلاحظ أنها الصيام والقرآن، فإذا استطاع أحدنا أن يستعد لهما بالتدريب عليهما في شعبان، فقد هيأ النفس والروح والبدن للاغتراف من أهم نفحات وبركات شهر الصيام.

لم يفت من شعبان إلا أيامًا معدودة، وهو ما يعني أن الفرصة ما زالت سانحة للاستعداد ولو بصيام بضعة أيام منه، ناهيك عن تلاوة القرآن والقيام به ولو بركيعات في جوف الليل ودقائق السحر، لتكون بمثابة تطويع للأعضاء على تحمّل ساعات الصيام وطول القيام في أيام رمضان ولياليه، الذي نسأل الله أن يبلغنا إياه وأن يجعلنا فيه من المقبولين. آمين.

 

 

د. عامر الهوشان