غلق الفيسبوك في رمضان.. ما له وما عليه

منذ 2016-06-27

رمضان يا إخوتي محطة الدعاة، يحتاجون فيه بشدة للتزود بشحنات إيمانية ووقفات مع النفس وتأمل من أجل أن تستقيم دعوتهم وتستمر كما يرجون لها، فرمضان زادهم يغتسلون فيه بنفحات مكثفة من القرآن والقيام، واعتزال الدنيا والشهوات، وفضول الكلام في جو السكينة والهدوء الداخلي والخارجي قدر الإمكان لترتيب البيت الإيماني من الداخل.. مسألة تنظيم أولويات من حيث الأهمية لا أكثر.

كعادتنا في زماننا اليوم قَلَّ أن تَجدَ أمرًا يتفق المسلمون حول بساطته، فيدَعون الجدالَ حوله -لبساطته- وينصرفون للأهم..

ومن تلك الأمور المعاصرة: غلق/هجر بعض الإخوة والأخوات لحسابهم على فيسبوك مع بداية الشهر الكريم وحتى ليلة العيد.. شخص يغلق حسابه -أو يهجره دون غلقه ليترك ما يظن أن فيه الخير متاحًا في متناول أيدي الناس- ويعلن ذلك للجميع ويعلل له بأنه تفرغًا لرمضان.. كانت فكرة.. بدأها إنسان ما.. ثم انتشرت ولاقت استحسانَ كثيرين لاعتبارات محددة كما سأكتب لكم.. ولاقت أيضًا امتعاض البعض.. ولا أدري لِمَ؟!..

يتقاذف هذا الفريقَ فريقان: فريقٌ يستهين بهذا الفعل تمامًا ولا يجد له أدنى مبرر.. وفريق ينتقد الفاعلين ويتهمهم بالرياء بسبب إعلانهم الغلق على الملأ، مشككين في إخلاصهم.

و نظرًا لتشابه هذا الموضوع مع أمورِ تجاذبات حياتية متكررة نعايشها بكثرة فيما بيننا، أستعرض معكم هذا التقاذف على هيئة حوار سين وجيم بما مجموعُهُ خمسة أسئلة.. عسى أن يتمكن قلمي المتواضع من إرساء ومضاته في مكانها المناسب فتهدأ بعض النفوس الحائرة سواء في هذا الموضوع أو ما شابهَهُ في واقعنا.. وأوجَّه كلامي هنا في مقالي لأصحاب حسابات الفيسبوك الهادفة والخيرية والدعوية التي تحض الناس على الخيرات والصالحات.. وأرجو أن أكون منهم..

 

س1: لماذا يقوم البعض بغلق/هجر حسابهم على فيسبوك أصلا في رمضان؟!

ج: يغلقونه توسعةً لمساحة العبادات والقرآن والقيام، وتفريغًا للعقل والقلب من الإرهاق الذهني المتتابع، والمترتب سواء على المطالعة للفيسبوك في حد ذاتها بالساعات يوميا، أو على التفاعل مع المنشورات بعد نشرها بالتعليقات والرسائل ونحوه... عالمٌ من الضجيج لا ينتهي، يتصل أوله بآخره، وكلما أوشكت أن تغلقه تشعر وكأنك تقاوِم الانصراف عنه بقوة.. هذا العالم المشحون يخشون أن يستدرجهم بعيدا عن شهر الصيام فيندمون على الفشل في حسن تنظيم الأولويات ويخيبون من حيث أردوا الفلاح.. ولا يخفى على أي عاقل في كل مكان على الكرة الأرضية مدى الهدر في الوقت الناتج عن إدمان الفيسبوك وبرامج التواصل عمومًا، حتى أن الظاهرة صارت عالمية وصار لها نكات ومقالات وبطاقات في كل مكان تحذر منها وتدعو إلى تواصل اجتماعي حقيقي بين أفراد العائلة والأحبة والأصدقاء بدلًا من الانكباب بالساعات على الشاشات.. فلا ينكر أحد الأمر إلا غافل أو متغافل والعياذ بالله..

 

س2:هل من يغلق حسابه يعتبر أتقى ممن لا يغلقه؟!

ج: سبحان ربي!.. ومن فينا قد شق عن قلب أخيه؟! {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ} [النجم من الآية:32] سبحانه.. ولمْ ولا يدَّعي أحد ذلك مطلقًا.. إنما المسألة يا أحبة أن كل شخص مسلم بالغ عاقل يُقدِّر مسئولياته ويحسب لها حساباته.. والله مطلع على الجميع عالم بأهل التقوى.. بل قد يغلق أحدهم حسابه ويأخذ بأسباب التفرغ ثم يكسل ويسبقه في الأجر غيره ممن لم يغلق الحساب، بتقوى حقيقية مستقرها القلب..

س3: لماذا يعلنون الأمر؟ فليرفقوا بإخلاصهم قليلًا! وليختفوا عن الفيسبوك في صمت دون ضجيج ودون أن يشعر بهم أحد..!

ج: والله يا إخوتنا الكرام هناك أسباب للإعلان غير الرياء، هم يرونها منطقية ويسألون الله أن يكتبهم بها من المخلصين!..

  1. من ضمن تلك أسبابهم: أن يقتدي بهم غيرهم ممن يعلم أن الفيسبوك مضيعة لوقته ولكنه لا يجد من يشجعه أو يقتدي به ممن يحبهم ويثق في تحرِّيهم للخيرات، ولا يجد من يفعل ذلك بسهولة ممن حوله...
  2. ومن ضمن أسبابهم: أن يجبر الشخص المغلقُ لحسابه نفسَه على الالتزام بالعزيمة عن طريق إقران عمله بشهود عليه فيقوى عزمه إن نازعته نفسه عن النكوص عن الجد والتركيز في نصف المسافة..
  3. وأخيرًا من ضمن أسبابهم: أن تنتشر العَدوَى شيئًا فشيئًا، فهم يرونها خيرًا ويحبون تكثير سوادها، ولن يتمكنوا من ذلك إن لم (يعلنوا) عن غلقهم للحساب..

س4: يخشى من يغلق حسابه في عام ثم يفتحه في عامٍ قادم، أن يعدَّه الناس منافقًا متلونًا مذبذبًا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؟!

ج: خوف لا محل له من الإعراب، وليراقب الله فقط وهو حسبه ونعم الوكيل.. لأن الأمر كما قلنا تابع لمدى تقدير كل شخصٍ يقظٍ لحجم مسئولياته ومهامه وتقاطعها مع أوقات عبادته وقدرته على تنظيم وقته.. وهذا خاص بكل شخص ولا يعمم قطعًا.. هناك أمٌّ على سبيل المثال أولادها الآن صغار، لهم نصيب الأسد من أوقاتها هم وزوجها، وربما والدتها تحتاجها كثيرًا وتحتاج لالتفاف جميع أبنائها حولها في خريف عمرها الآن خاصة في رمضان، فتلك الأم إذن عند خصم وقت الأهل ووقت البيت ووقت الزوج ووقت الأولاد: هل يتبقى لديها وقت في رمضان للفيسبوك مهما كان فيه من خير؟ نعم يتبقى بكل تأكيد، فدائما هناك وقت متبقي، لكن هذا الفتات المتبقي سيتنازع عليه أمران:

  1. وقت القرآن والقيام الذي انضغط كثيرا بفعل كل تلك المسئوليات.
  2. ووقت الفيسبوك وخلافه.. فهل تخصم منه بنفسها مجددا وتقلصه وتُحسَبُ بعدها من بين أولي الألباب؟!

على الطرف الأخر: أمٌّ أخرى من الأمهات، أولادها شباب كبار، وربما زوجها أو الداها أو كلهم متغيبون، مما قلّص حجم مسئولياتها الأسرية عن المعتاد، فلا تعيش في صراع يومي بين وقت الفيسبوك ووقت القرآن، فتستطيع أن تجمع بين الدعوة على الفيسبوك وشعائر شهر العبادة، فتغترف من كل خير كما ذكرنا، فلم لا؟.. أنا عن نفسي أغبط أناسًا كثيرة تعج صفحاتهم بكل خير في الشهر الكريم ويجتمع الناس على الدعاء لهم ونحسبهم ممن لا يغفلون عن قيمة رمضان الحقيقية في ذات الوقت..

 

س5: حتى لو كانت صفحتهم مفتوحة في غالبها للدعوة والخير الذي يهم الناس، هل من الأفضل الابتعاد عن شغلها في الشهر الكريم أو غلقها إن وجدوا أن وقت الفيسبوك سيقلص المساحة المرجوة من الشهر الكريم؟

ج:أجل.. حتى لو حسابهم حساب جاد معنيٌّ بالخيرات والصالحات فقط  فنصيحتي لهم بذلك، إن كانوا من أصحاب المسئوليات الأسرية المتزاحمة بالفعل.. ألا تعلمون أن الدعوة تحتاج لرمضان أيضا..؟

رمضان يا إخوتي محطة الدعاة، يحتاجون فيه بشدة للتزود بشحنات إيمانية ووقفات مع النفس وتأمل وتدبر، من أجل أن تستقيم دعوتهم وتستمر كما يرجون لها.. فرمضان زادهم يغتسلون فيه بنفحات مكثفة من القرآن والقيام واعتزال الدنيا والشهوات وفضول الكلام في جو من السكينة والهدوء الداخلي والخارجي قدر الإمكان لترتيب البيت الإيماني من الداخل... مسألة تنظيم أولويات من حيث الأهمية لا أكثر.. فإن لم يتبق لك وقت إلا لخير واحد فقط من كل أبواب الخير في رمضان..

فأنصحك تختار بكل ثقة: القرآن والقيام والذكر..  شهر واحد في العام وسرعان ما يودع الناس محطة التزود سريعا في طرفة عين، وشهور السنة مفتوحة لسائر أبواب الخير تلك.. فلننتبه..

وعلى سبيل تقريب المقارنة في أذهانكم، أستأنس هنا بكلام مشايخنا الكرام حين سُئلوا حول مسألة الأفضلية لأي الأعمال في الوقت الذي يسبق الشروق: هل لقراءة القرآن أم لقراءة أذكار الصباح؟ فقالوا بفقههم الواسع: أن قراءة الأذكار أفضل من الاشتغال بالقرآن في هذا الوقت لأن هذا هو العمل الذي حضَّت عليه السنة النبوية على فعله في تلك الأوقات، وخير الهدي هو الهدي النبوي بلا ريب، وفوات الخير التام والثابت في الأحاديث لتلك الأذكار يتحقق بفوات أوقاتها..

فيا أحبتي: إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب.. لا تنشغلوا بخير مفضول عن خير هو أفضل منه.. ومن استطاع الجمع بين الخيرين فذلك كمن حاز الحُسنيين، فبها ونعمت.. فقط (احسبها صح) ثم إذا عزمت فتوكل على الله... (مرفق في الهوامش جانب من كلام مشايخنا هذا)..

لا يخفى عليكم ما بين السطور من طرق خفيف على آذان أولئك الذين لا وقت متبقي لديهم في زحمة رمضان إلا للقرآن ومع ذلك يعكفون على صفحاتهم وصفحات الآخرين يهدرون أوقاتا يتحسرعليها أهل القبور كل يوم، وياليتهم يهدرون وقت الفيسبوك هذا في إرشاد الناس لخير أو إنكار لمنكر أو أمر بمعروف يشفع لهم أمام تقصيرهم في حق "تزكية نفوسهم بالقرآن" في شهر التقوى -ولا أقول في حق القرآن فنحن من نحتاجه لا هو- وإنما وللأسف مهدورة أوقاتهم تلك على الفيسبوك في لهو ولغو، ولعبٍ وعَتبٍ، وزينةٍ  وتفاخر ما يلبث أن يكون حطامًا...

فسارعوا... وسابقوا.... الجنة عرضها السموات والأرض.. شَقيٌّ من فقد مكانًا فيها لنفسه...

وأعنَّا اللهم على ذكرك وشكرك..... وحسن عبادتك.. وحسن عبادتك..

 

___________

قال الشيخ ابن باز رحمه الله :"الأوراد الشرعية من الأذكار والدعوات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالأفضل أن يؤتى بها في طرفي النهار بعد صلاة الفجر وصلاة العصر، وذلك أفضل من قراءة القرآن؛ لأنها عبادة مؤقتة تفوت بفوات وقتها، أما قراءة القرآن فوقتها واسع" انتهى.(مجموع فتاوى ابن باز: [8/312]، وينظر أيضًا:[26/72).. المصدر، وجانب من الأراء المماثلة:https://islamqa.info/ar/145693

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

أسماء محمد لبيب

كاتبة مصرية