وقفات مع الأحداث الأخيرة في حلب

منذ 2016-12-22

اقتضت سنة الله تعالى أن يكون الصراع مستمرًا بين العدل والظلم والحق والباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ويحشرون على صعيد واحد فينال كلٌ جزاءه فضلاً أو عدلاً من الحكيم العليم، واقتضت سنة الابتلاء أن يكون التمحيص للمؤمنين سابقاً لمحق الكافرين، كما قال تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}  [سورة آل عمران: 141] حيث قدم سبحانه التمحيص على المحْق، وهذا ما يهيئ للنفس المؤمنة أسباب الرضا والإيمان بالقضاء، والعمل وفق الأسباب الشرعية الصحيحة لنيل العزة والتمكين، فلا تضرها النكبات، ولا تتيه في حوالك المدلهمات، بل ترى أن النور ينبثق من كل ظلام دامس.

وما يجري في العالم الإسلامي عامة وفي حلب من أرض الشام خاصة إلا صورة من الصور التي تحيي معالم الإيمان والصبر واليقين بوعد الله، والوعي بسنن الله وقراءة التجارب والأحداث واستنباط الدروس والعبر كخطوة من خطوات التمكين. وفي ما يلي من الأسطر بعض الوقفات مع الأحداث الدامية في حلب وتكالب الأعداء عليها لإبادة أهلها.

أولاً: يجب أن يكشف ويفضح الموقف القذر للولايات المتحدة الأمريكية التي يخرج مسؤولوها بوجوههم البائسة يدينون ويهددون ويحذرون، ويجتمعون ... إلخ، فروسيا لم تتدخل في سوريا مباشرة من تلقاء نفسها، بل جاءت بتواطؤ وضوء أخضر من الولايات المتحدة وبدأت بالقصف، ويزيد قصفها بحسب السكوت الغربي، فهذا الحدث الذي يجري في حلب يفضح هذه الوجوه الكالحة للغربيين الذي يدعون أنهم مع حقوق الإنسان وأنهم مع الثورة السورية، إذ هم الذين يعطون الضوء الأخضر للقصف الروسي، وهم المسؤول الأول عما يجري، فروسيا مباشر، وهم متسبب، وفي الشريعة الإسلامية: المباشر يحد، والمتسبب يعزر، لكن أحياناً قد يأخذ المتسبب الجزاء أكثر من المباشر.

ثانيًا: ما يبدو من تغير في الموقف الغربي من الثورة السورية مؤخراً يظهر أنما هو استجابة للنصيحة "الإسرائيلية"، حيث انتهت "إسرائيل" إلى أن أفضل وضع في سوريا هو بقاء بشار الأسد أو نحوٍ من حكومته. ويبدو أن الموقف الغربي وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية قد ركنت إلى هذه الرؤية "الإسرائيلية"، وهذا هو سبب موقف الغرب الإجرامي تجاه حلب، فمثلث الجريمة: "إسرائيل" الساكتة، والأمريكان المتكلمون بالكلام الفارغ، والروس ومن معهم المباشرون للجريمة، وهنا ينبغي أن لا ينسينا الإجرامُ الوحشي الروسي الموقفَ القذر لأمريكا وربيبتها "إسرائيل"، فهم أصل الموقف وهم الذين شجعوا روسيا على هذه الإبادة الوحشية.

ثالثًا: الإعلام، لعلنا أدركنا ما جرى في الثمانينيات من القرن الماضي -في عام 1982م- وما جرى في حماه، على يد حافظ الأسد حيث قتل 40 ألفاً من أهلها ودفنهم تحت الأرض، ولم يسمع أحد بالحادثة ولا تكلم عنها أحد إلا قلة، من أبرزهم الشيخ أحمد القطان الذي كان يخطب في الكويت ويثير القضية، وربما سمعنا من بي بي سي بعض الأحيان خبراً عادياً في ظل تعتيم إعلامي خطير.

أما اليوم، فالإعلام له تغطيته الواسعة للأحداث، وهو جزء من وسائل النصر التي يسوقها الله للمسلمين، نعم، قد لا يؤثر الإعلام شيئاً يذكر، لكن على الأقل أن يجرم المجرم مكشوفًا مفضوحًا أمام العالمين، أحسن حالاً مما لو غيَّب إجرامه فلا يعرفه أحد، وأيضاً هذا الدور الإعلامي يعكس على مستوى:

-       وعي الأمة ومعرفة سبيل المجرمين.

-       تنشئة الأمة، وإدراكها ومعرفة أحوالها.

-       معرفة القيم التي يتوجه بها المفسدون.

-       معرفة حجم المؤامرة التي تدور على الأمة المسلمة.

-       معرفة واستحضار النتائج واستشراف مستقبلها.

 * وتتصدر قناة الجزيرة -على ما عليها من مؤاخذات- بالدور الاحترافي البارز في كشف الإجرام، فتشكر عليه لئلا يعمَّى دورها أو تصاغ بصياغة أخرى..

 * وأيضاً كان الدور الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي الذي أسهم بدور كبير في نشر الخبر والأحداث والمقاطع المرئية والإخبارية حتى تصدر الحدث واجهة التفاعلات لدى الجمهور العريض من المستخدمين، وبذلك يبقى الحدث حياً وواضحاً، ويساعد في تجلي الصورة للمتابع.

رابعاً: العبرة والعظة من الدور السلبي لدى فصائل المعارضة وعناصر الثورة السورية، فهم يتحملون مسؤولية تفرقهم وعدم اجتماعهم الذي ساعد في الوصول إلى هذه المأساة، فرغم الحصار والصراع مع الأعداء المتحالفين عليهم نجد مثلاً داخل حلب: عدة فصائل لم تتحد فيما بينها إلا بعد انتهاء الوقت وفوات الأوان، بل ربما تصارعت فيما بينها، وهذه النتائج المرة لهذا التفرق تؤكد لنا الدرس الرباني في قوله سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [سورة الشورى: 30].

نعم هم يريدون الإسلام، وحفظ النفوس والأعراض وغير ذلك من الأهداف السامية الشرعية، لكن النصر لا يستحقه أحد إلا بتوفر الأسباب الشرعية وانتفاء الموانع، ومن الموانع: التفرق الذي يذهب الريح، {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [سورة الأنفال: 46].

خامساً: الثورة السورية لن تنتهي ولو انتهت حلب، فحلب ليست أول بلد يهجَّر أهله وتحرق أرضه، بل قد هجَّرت عدة بلدات من قبل ولا زالت الثورة مستمرة، نعم حلب هي أكبر بلد ولها موقعها ومكانتها، ولكنها من قبل لم تكن كلها بيد الثوار، فانتشارهم كان في جزء منها لا فيها كلها، وهم مع ذلك أثخنوا في النظام أضعاف أضعاف أعدادهم، فلو خرجوا من حلب أو ماتوا لم ينتهِ الأمر، ولم تقف الثورة.

وأيضاً نظرية الاحتفاظ بالمدن قد لا يكون حكيما في بعض الحروب كحروب العصابات، فالاحتفاظ بالمدن تحمل لمسؤولية إدارة البلد ومسؤولية أهلها وحمايتهم وما إلى ذلك، فسقوط حلب وخروج الثوار لا يعني الهزيمة أو القضاء على الثورة.

سادساً: هل انتصرت الثورة السورية؟

 نعم، انتصرت مرتين:

فالانتصار الأول: كان على النظام الذي كان يتبجح بالقضاء عليها، وسعى في إخراجها عن سلميتها ليستبيح الثوار، فالنظام نفسه هو الذي فتح السجون وأخرج الجماعات الجهادية من أجل أن تتعسكر الثورة لكي ينهيها ويقمعها وله بذلك حجة، ولكن انقلب السحر على الساحر، وأوشك أن يسقط النظام فتدخلت إيران ومليشياتها الشيعية من "حزب الله" فاستعاد النظام صحته مدة من الزمن.

ثم الانتصار الثاني: أوشك النظام على السقوط رغم الوقوف الإيراني ومليشياته معه، فجاء التدخل الروسي؛ ليحافظ على النظام من الضربة القاضية ومن هزيمته مع مليشياته الإيرانية والشيعية، فالثوار الآن يواجهون روسيا، ولا يواجهون النظام المنتهي ولا مليشيات "حزب الله" التي لم تعد قادرة على الأداء.

فمواجهة الثوار حقيقةً هي مواجهة لآلة الدك والتدمير الروسي الذي جاء ليجرب سلاحه، ويستعرض عضلاته، ويستعيد هيبته، ويستعرض أمام الحلف الأطلسي، والضحية هو الشعب السوري ومجموعة الثوار.

فالثورة السورية الآن في الجولة الثالثة مع العدو الروسي، وستنتصر؛ إذ لا يمكن لثورة عارمة -صمدت هذه السنوات كلها أمام مشاكل داخلية وعجز إقليمي وتواطؤ غربي وتحالف شيعي شيوعي وأمام دك وإبادة روسية وإيرانية- أن تنتهي وتتلاشى، وليس بعيداً أن تدخل الثورة السورية تصنيف المليون شهيد، وليست ببعيدة عن حال الجزائر التي حازتها فرنسا واستولت عليها مدة من الزمن، ثم في النهاية انتصر الشعب الجزائري، فالثورة السورية لن تنتهي بل لا تزال حية في كل المناطق السورية.

سابعاً: البطء الإقليمي، فالدول الإقليمية لا شك أنها تريد أن يزول بشار الأسد، ولكن التباطؤ والتسويف والانخذال للرؤية الأمريكية أدى إلى تعقيد المشهد بالتدخلات الخارجية -روسيا وإيران ومليشيات حزب الله- بعد أن لم تكن في المشهد بداية الثورة، وكانت الفرصة سانحة فلو عزموا الأمر لتغير الوضع، أما الآن فقد ازداد الموقف تعقيداً، فالسعودية لا تستطيع أن تصنع شيئاً في سوريا وإلا لتدخلت روسيا في اليمن، فتتعقد القضية اليمنية أكثر وهي أهم بالنسبة للسعودية من قضية سوريا، وكذا تركيا الآن بعد الانقلاب الذي جرى داخلها، حالها مع الغرب لا يقبل المواجهة بسب استراتيجية الموازنة لعلاقاتها الدولية مع روسيا، فروسيا هي المسيطرة في سوريا، فلا تركيا ولا دول الخليج تستطيع أن تفعل شيئاً يناوئ روسيا في سوريا.

ثامناً: ما نص عليه الاتفاق الروسي التركي من خروج آلاف المدنيين والثوار من حلب إلى الريف الغربي عقب القصف الدموي والإحراق الوحشي الروسي للمدينة لا يعد هزيمة في حق الشعب المكلوم ومجاهديه الأبطال الذين استمروا في صمودهم واستبسالهم قرابة عامٍ تحت الحصار الخانق والقصف الدامي بعشرات الآلاف من الصواريخ والبراميل المتفجرة والقنابل الفسفورية والغازات السامة، والحرب غير المتكافئة التي استمرت أكثر من أربع سنوات في المنطقة تكبدت خلالها الحكومة الروسية خسائر فادحة جداً، وخسرت حليفتها إيران ومليشياتها المئات من رجالها حيث تم شحن مئات التوابيت إلى طهران والضاحية الجنوبية في لبنان.

تاسعاً: ما بعد حلب:

1- إما أن تعلن هدنة ويوقف القتال، ويتجمع الثوار في المناطق المحررة شمال سوريا، ويضرب ما دون ذلك، بحيث يكون الثوار هؤلاء غرب الفرات يتعاملون مع تركيا مباشرة، كما تتعامل تركيا مع الأكراد في شمال العراق، ويكون الأكراد شرق الفرات، ويبقى تنظيم الدولة "داعش" في الشرق والبادية، وتبقى بقية المناطق للنظام، فحينئذ تكون الأوضاع بهذه الصورة مستنسخة من الوضع العراقي سابقاً، في حالة تقسيم غير رسمي للمنطقة، ويكون التعامل مع العالم تحت ضغط الأمر الواقع.

2-  وإما أن يتم تجميع الثوار في الشمال، ثم تبدأ عملية دك جديد لهم.

وهذا التصور تقريبي للمستقبل القريب للثورة السورية، وهناك من يرجح السيناريو الأول باعتبار أن الثورة احتقنت، والنظام قنع وإيران ومليشياتها كذلك، وكذا سائر الأطراف، وتبقى تركيا هي الوسيط في العلاقة مع الثوار باعتبار علاقتها مع الروس، وتتحول المرحلة إلى عملية تركيز على الحرب على الإرهاب "داعش" بحسب السيناريو المطلوب حينها، وقد يريدون إخراجها إلى خارج المدن لتنتشر في الصحراء كما فعل في العراق.

والله المستعان وحده.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. إبراهيم الناصر