ألا فتعرضوا لها - ألا فتعرضوا لها (9)

منذ 2017-05-12

وقف القلب بعرفات الله، وقف عند حدوده فلم ينتَهِكها، لاذَ بربه فتوسل إليه بكل مَقرُبة، أسال أدمُع الشوق إليه، والاعتراف بالذنب أشعَثَ أغبر من مشَقَّة رحلة العودة إليه، لو أقْسَم على الله لأبَرَّه، ورَجَم كل شيطان مَريد، واستعاذ منه بمن يأوي العبيد..

إحرامُ قَلب.! كيف لجسد أحرم ولم يُحرم قلبه؟!

مُضغَة عليها مدار عمل الجسد ووجهته التي يُولِّيها وجهه، أحرَى بالمرء في هذه العشر أن يتَفقَّد قلبه ويتحرَّاه، يتحسس موضعه، ويتبَيَّن إلى أي قِبلة تولَّى ورَكَن.. قِبلَة الإحسان أم الهوى؟! أحرَم قلبٌ؛ فحَرَّم على نفسه مرابع الحَيف، وبقاع السَقط، وقول الزور، وكسَّر صَنم هواه الذي طالما تلَبَّس بعبادته شِركا وظُلما وعُدوانا.. أصلَح نِيَّتَه لربه، أهرق زَمْزم على جَسَد أصابه وَعثَاء الإعرَاض وعَناء الإجحَاف، ومن مِيقَات الإنابة.. شَرَع في نُسُك التقرُّب إليه، والتوكل عليه، وطَرَق أبواب القبول باباً باباً؛ لعله يُفتَح له إن صَدَق وأخلص وأحسن العمل.. طَافَ القلبُ وجِلاً بالخوف والرجاء، والصوم والصلاة، وشهد له كل باب بِرّ بخطوات خطاها إليه.. سَعَى بين البِرِّ والإحسان، ووالى كل وَلِىّ وتَخَلَّى عن كل شيطان مَرِيد، أجاب داعي الله أن {إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا[الأنعام: 71]، وصَمَّ عن هَمَزات الشياطين، وإن داعب الروح سِراجٌ من باب رحمة هَروَل إليه.

 

وفى مَشْهَد مهيب أتى القلب مع قلوب شَتَّى لم يتعارفوا قبل {يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ[الحج: 27]. وقف القلب بعرفات الله، وقف عند حدوده فلم ينتَهِكها، لاذَ بربه فتوسل إليه بكل مَقرُبة، أسال أدمُع الشوق إليه، والاعتراف بالذنب أشعَثَ أغبر من مشَقَّة رحلة العودة إليه، لو أقْسَم على الله لأبَرَّه، ورَجَم كل شيطان مَريد، واستعاذ منه بمن يأوي العبيد.. فهل يَرُدُّ الكريم من قصد بابه واضطُر إليه؟! حُقَّ للقلبِ حالئِذٍ أن يتحلَّل من إحرامه، وأن يفرح بالبُشرى ويُلَبى ويُكبِّر فقد أدرك العِيْد.. عِيدُ التوبة والقبول، عِيدٌ يعود بعده كيَوم وُلِد.! {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ[يونس: 58].

المقال السابق
ألا فتعرضوا لها (8)
المقال التالي
ألا فتعرضوا لها (10)