نسمات إيمانية رمضانية (1)

منذ 2017-06-13

إن بلوغ رمضان نعمة عظيمة، وفضل كبير من الله تعالى، حتى إن العبد ببلوغ رمضان وصيامه وقيامه يسبق الشهداء في سبيل الله الذين لم يدركوا رمضان.

حفاوة الاستقبال:

ضيف كريم طالت غيبته، وافد عزيز اوشكت عودته، زائر رحيم حلت زيارته، فإن لكل غائب نوع استقبال، ولكل غال اهتماماً يتناسب مع مكانته، ويتوافق مع منزلته، فلاتكن غافلا عن زائرك، ولا تكن جافا مع ضيفك، وألا اخفى عنك هداياه وعطاياه، وادخرها ليعطيها لغيرك ممن يحسن استقباله وإكرامه.!

 

وإن أعظم مسافر أوشك أن ينزل ديارنا، ويحط رحاله في بيوتنا ومساجدنا، شهر رمضان العظيم، سيد شهور السنة، هذا الشهر الكريم الذي يأتي حاملا معه النفحات الربانية، والعطاءات الإلهية، فتنبه الغافل وتذكر الناسي وتجدد همة الذاكر وتجمع شتات الناس وتجمع من تفرق من أهل الحي الواحد خلف إمام يقرأ لهم آيات ربهم يناديهم: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة: 185].

 

ويبشرهم{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[الزمر: 53] الزمر فتذرف دموع الحسرة على التفريط ودموع الألم على ما مضى من العمر فى معصية الله، ثم يقرأ إمامهم قول الله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا * فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا}[مريم: 96-97 ] انها جامعة الاخلاق، وحدائق الارزاق، ستفتح أبوابها بعد أيام قليلة.

 

 فهل ترى نحيا فندرك هذه الجامعة ونلتحق بها؟

وإذا التحقنا بها هل نخرج منها مع الفائزين أو الخاسرين؟

 

كيف لا والمؤمن في رمضان يسمو فوق الماديات، ويعلو على الشهوات ويتوق الي الطاعات والحسنات.

 

كيف لا وفي رمضان ينشط الذهن ويتألق، وتصفو الروح وتحلق، وتزكو النفس وبالحسني تتخلق.

 

كيف لا والمؤمن في رمضان يزهد فيما عند الناس ويرغب فيما عند الله، انه يتخفف من أثقال الدنيا وجواذب الأرض، وينطلق صوب الآخرة في سعادة غامرة، لسان حاله يهتف: وافرحتاه غدا سألقي الأحبة محمدا وصحبه...!!، فيعمل لمعاده كما يعمل لمعاشه، ويعمل لغده كما يعمل ليومه، ويعمل لأخرته كما يعمل لدنياه {فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[آل عمران: 148] .

 

كيف لا والمؤمنون يصومون وهم يعلمون أن متاع الدنيا مهما طال فإنه قصير، ومهما كثر فانه قليل{قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً}[النساء: 77].

 

كيف لا وهم يعرفون أن الآخرة هي الخالدة. هي الباقية {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}[الأعلى: 16-17].. لذلك يتحركون في الأرض بهذا الفهم، ويعيشون في الدنيا بهذا الفقه، تبقي الدنيا في أيديهم لا في قلوبهم، فيجعلونها مزرعة لأخرتهم، ومرضاة لربهم لقد وعي الصحابة ذلك جيدا فلم يعملوا من اجل مصلحة شخصية ولا منفعة مادية، ولا شهوة حسية، وإنما يعملون، من اجل إعمار الحياة، حبا لذات الله، وإتباعا لرسول الله {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[آل عمران: 31].

 

كيف لا والمؤمنون يفهمون أن الله جعل النصر بيده {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}[آل عمران: 126]، واختصهم به{وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}[الروم: 47] لكنه علق هذا النصر وشرطه بعمل المؤمنين أنفسهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمد: 7].

 

وعلموا أن الله أرسل رسولهم بالهدى ودين الحق، وجعل رزقه في ظلال رمحه «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله تعالى وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم» (صحيح الجامع).

 

فحقق للناس رحمة الله التي أرسل بها {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}[الأنبياء: 107].. بلغ الرسالة، وادي الأمانة، وكشف الغمة، وجاهد بالسيف والكلمة، فأتم الله به النعمة، ومحا الله به الظلمة، فارسي قواعد الإسلام، ونشر العدل والأمن والسلام.

 

سلك المؤمنون دربه وترسموا طريقه، وجعلوا حياتهم فداء دعوتهم ودينهم، يظلون كذلك حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.. دون تحويل أو تبديل {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}[الأحزاب: 23].

 

إنها أخلاق رمضان، انها جامعة رمضان. جامعة التقوى والقرآن.. وموسم الرحمة والغفران.. والعتق من النيران.

 

أيام معدودة وتستقبِل الأمّة هذا الزائرَ المحبوب بفرحٍ غامِر، وسرورٍ ظاهرٍ.

 

يا رَمَضان، إنّ يومَ إقبالك لهوَ يومٌ تتفتح له قلوبُنا وصدورُنا، وتمتلئ فيه نفوسنا غبطةً وأمَلاً، نستبشر بعودةِ فضائِك الطاهر الذي تسبَح به أرواحُنا بعد جفافِها وركودِها، نستبشر بساعةِ صلحٍ مع الطاعاتِ بعدَ طول إعراضِنا وإباقنا، أعاننا الله على بِرِّك ورفدِك.

 

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}من صارمه وقامه غفِر له ما تقدَّم من ذنبِه، فيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألفِ شهر، تفتح فيه ابواب الجنان وتغلق فيه ابواب النيران، الشياطين مصفدة، وللصائمين باب يدخلون منه الي الجنة يسمي باب الريان، فاذا دخلوا اغلق دونهم، وقد ثبت في الصحيحَين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَن صام رمَضان إيمانًا واحتسابًا غفِر له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفِر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا غفِر له ما تقدَّم من ذنبه.

 

إن بلوغ رمضان نعمة عظيمة، وفضل كبير من الله تعالى، حتى إن العبد ببلوغ رمضان وصيامه وقيامه يسبق الشهداء في سبيل الله الذين لم يدركوا رمضان.

 

كيف؟!!

«عن طلحة بن عبيد الله أن رجلين قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إسلامهما جميعا فكان أحدهما أشدَ اجتهادا من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة، ثم توفي، قال طلحة: فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة، إذا أنا بهما فخرج خارج من الجنة فأذن للذي توفي الآخر منهما، ثم خرج فأذن للذي استشهد، ثم رجع إلى فقال: ارجع فإنك لم يأن لك بعد. فأصبح طلحة يحدث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثوه الحديث، فقال: من أي ذلك تعجبون؟ فقالوا: يا رسول الله، هذا كان أشد الرجلين اجتهادا ثم استشهد، ودخل هذا الآخر الجنة قبله!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قالوا: بلى. قال: وأدرك رمضان، فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة، قالوا: بلى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).

 

اللهم سلمنا رمضان وتسلمه منا متقبلا …