شرح حديث: ليس على رجل نذر فيما لا يملك

منذ 2017-10-14

الحديث دليل على أنه لا يجب الوفاء بنذر لا يملكه الإنسان، كأن يقول: لله علي نذر أن أعتق عبد فلان، فهذا النذر لا يصح لأنه لا يملك هذا العبد، ولو قال أيضا: لله علي نذر أن أتصدق بألف درهم هذا اليوم وهو لا يملك ذلك، فلا يجب عليه الوفاء به لعدم استطاعته، واختلف أهل العلم فيما يترتب على من نذر مالا يملكه هل تجب عليه الكفارة؟

- وعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ. وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ. وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللّهُ إِلاَّ قِلَّةً. وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ».

 

وفي رواية: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلاَمِ كَاذِبا فَهُوَ كَمَا قَالَ: وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

 

وعند البخاري: «ومن قَذَف مؤمناً بكفر فهو كقتْلِه».

 

ولمسلم: «وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللّهُ إِلاَّ قِلَّةً».

 

 ترجمة راوي الحدث:
هو ثابت بن الضحاك بن خليفة بن ثعلبة الأنصاري، رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، واُختُلف في كونه شهد بدرا وكونه دليل النبي إلى حمراء الأسد يوم أحد (هو موضع على ثمانية أميال من المدينة)، وبايع رسول الله بيعة الرضوان، واختلف في وفاته قيل سنة خمس وأربعين وقيل أربع وستين وقيل غير ذلك رضي الله عنه وأرضاه. [انظر أسد الغابة (1/ 271)، والإصابة (1/ 507)].

 

تخريج الحديث:
الحديث أخرجه مسلم (110)، وأخرجه البخاري في "كتاب الجنائز" "باب ما جاء في قاتل نفسه" حديث (1363)، وأخرجه أبو داود في "كتاب الأيمان والنذور" "باب ما جاء في الحلف بالبراءة وبملة غير الإسلام" حديث (3257)، وأخرجه الترمذي في "كتاب الأيمان والنذور" "باب ما جاء لا نذر فيما لا يملك ابن آدم" حديث(1527)، وأخرجه النسائي في "كتاب اوالنذور""باب الحلف بملة سوى الإسلام" حديث (3779)، وأخرجه ابن ماجة في "كتاب الكفارات" " باب من حلف بملة غير الإسلام" حديث (2098).

 

شرح ألفاظ الحديث:
«لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ»: أي ليس عليه وفاء لنذر لا يملكه، وقول «رجل» جرى مجرى الغالب والحكم شامل للمرأة أيضا.

 

«وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ»: اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وسيأتي معنى التشبيه، وكذا قوله «ومن قَذَف مؤمناً بكفر فهو كقتْلِه».

 

«وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ»: في الجملة محذوف لأنه لم يأت هنا الخبر عن هذا الحالف على يمين الصبر الفاجرة، إلا أن يكون معطوفا على الذي قبله فيكون التقدير «ومن حلف على يمين صبر فاجرة لم يزده الله إلا قلة»، وجاء معنى هذه الجملة تاما في حديث آخر سيأتي بعد ثلاثة عشر بابا وهو حديث الأشعث بن قيس المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان».

 

و «يمين الصبر» هي اليمين التي أُلزم بها الحالف عند المحاكم، فجاء بيمين فاجرة أي كاذبة.

 

«مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلاَمِ كَاذِبا فَهُوَ كَمَا قَالَ»: وفي رواية أخرى عند مسلم أيضا «كاذبا متعمداً»، واُختُلف في معنى هذا الحلف، فقيل: معناه التعليق على ملة غير الإسلام بفعل شيء معين كأن يقول عن نفسه: أنه يهودي أو نصراني إن دخل هذا المكان، ثم ثبت أنه كاذب وأنه دخل ذلك المكان فهو كما قال أي فهو يهودي، فعليه التوبة، وظاهر الحديث أن عليه تجديد إسلامه.

وقيل: معناه اليمين بملة غير الإسلام، كأن يحلف باليهودية أو النصرانية معظما لتلك الملة فهو كافر حقيقة.

 


فوائد الحديث:

الفائدة الأولى: الحديث دليل على أنه لا يجب الوفاء بنذر لا يملكه الإنسان، كأن يقول: لله علي نذر أن أعتق عبد فلان، فهذا النذر لا يصح لأنه لا يملك هذا العبد، ولو قال أيضا: لله علي نذر أن أتصدق بألف درهم هذا اليوم وهو لا يملك ذلك، فلا يجب عليه الوفاء به لعدم استطاعته، واختلف أهل العلم فيما يترتب على من نذر مالا يملكه هل تجب عليه الكفارة؟

 

القول الأول: لا تلزمه كفارة يمين وبه قال جمهور العلماء.

 

والقول الثاني: تلزمه كفارة يمين وبه قال بعض أهل الحديث وبعض الحنفية والشافعية والحنابلة، والخلاف في هذه المسألة جرى بين الصحابة أيضا.

 

قال ابن حجر: "واختلف فيمن وقع منه النذر في ذلك هل تجب فيه كفارة؟ فقال الجمهور: لا، وعن أحمد والنووي وإسحاق وبعض الشافعية والحنفية نعم، ونقل الترمذي اختلاف الصحابة في ذلك كالقولين" [الفتح 11/ 715].

 

والأظهر والله أعلم القول الثاني وهو إلزامه بكفارة اليمين لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «كفارة النذر كفارة يمين»  (رواه مسلم)، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين [انظر التعليق على صحيح مسلم (1/ 365)].

 

الفائدة الثانية: الحديث دليل على تحريم لعن المؤمن وأنه كقتله، لأن القتل إزهاق للروح، واللعن طرد لها وإبعاد عن رحمة الله تعالى وهذا أشد.

وقد يكون المراد بالحديث التشبيه في الحكم، أي كما أن القتل محرم فاللعن محرم، وكذلك يقال في معنى رواية البخاري:"ومن قَذَف مؤمناً بكفر فهو كقتْلِه" أي في التحريم.

 

الفائدة الثالثة: الحديث دليل على تحريم قتل النفس، وتقدم بيانه، وفيه أن كل من قتل نفسه بشيء في الدنيا متعمدا عُذِّب به يوم القيامة وهذا العموم مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وقوله في الرواية الأخرى: «وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

 

الفائدة الرابعة: في الحديث ذمّ من ادعى شيئا ليس له، فإن هذا بدعواه لم يزدد إلا قلة، فمن ادعى عند الناس أنه ممن يستحق هذا المال سواء لفقره أو لحاجة أو لاستحقاقه من عمله الذي يعمل فيه كالوظيفة ونحوها، أو عند القاضي في دعوى ادعاها، وكان ادعاؤه كاذبا إنما أخذ ذلك ليكثر ماله لم يزدد بما أخذ عند الله إلا قلة، ولا يلزم أن يقل ماله من حيث العدد وإنما من حيث البركة فتنزع عن ماله، وليس الحديث خاص بالمال بل في كل شيء ادَّعاه وليس هو من أهله.

قال القاضي عياض: "هو عام في كل دعوى يتشبع بها المرء بمالم يُعط من مال يختال في التجمل به من غيره، أو نسب ينتمي إليه، أو علم يتحلى به وليس هو من حملته، أو دين يظهره وليس هو من أهله، فقد أعلم صلى الله عليه وسلم أنه غير مبارك له في دعواه" [انظر شرح النووي لمسلم، المجلد الثاني، شرح الحديث (110)].

 

الفائدة الخامسة: الحديث دليل على عظم جرم يمين الصبر الفاجرة، وأنه لن يزداد بها إلا قلة، وهذا بناءً على موافقة الجملة للجملة التي قبلها في تقدير المحذوف، فمن كذب في هذه اليمين نزعت منه بركة ما تحصله من هذه اليمين، وأما في الآخرة فعقابه أشد من ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان". متفق عليه.

 

الفائدة السادسة: الحديث دليل على عظم جرم من حلف بملة غير الإسلام كاذبا، وتقدم بيان المقصود من ذلك.

عبد الله بن حمود الفريح

حاصل على درجة الدكتوراه من قسم الدعوة والثقافة الإسلامية في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، عام 1437هـ.