دعم العمران - دعم العمران (العمران – المقاصد – الضوابط)

منذ 2017-11-06

العمران بالمفهوم الشامل يمكن تناوله من منظورين أحدهما يرى العمران "نتيجة" والآخر يراه "وسيلة"، فالاتجاه الأول في تناول العمران يجعله هو: نتيجة تفاعل ذكاء الإنسان مع البيئة الطبيعية في استيفاء حاجاته المادية والروحية"، وبذلك نرى أن طرفي التفاعل هما الإنسان والبيئة، ومحددات هذا التفاعل هي محددات تلك البيئة الطبيعية والثقافية والاجتماعية وغيرها، أما ناتج التفاعل فهو العمران الذي يأتي موفيا لحاجات الإنسان المادية والروحية.

المبحث الأول

تحديد المصطلحات

(العمران – المقاصد – الضوابط)

أولا:مفهوم العمران

تستوجب قواعد البحث أن نلقي -في البداية- الضوء على مفهوم العمران، ونبدأ بالمفهوم اللغوي، حيث تقابلنا مادة (عمر) التي تشير إلى ما يعمر به البلد ويحسن حاله بوساطة الفلاحة والصناعة والتجارة وكثرة الأهالي ونجح الأعمال والتمدن([1]).

كما تشير أيضا إلى عمارة المنزل بأهله وعمارة القوم للمكان، كما تشير الكلمة أيضا إلى البنيان، فالعمران يطلق على البنيان.

أما المفهوم الاصطلاحي، فيعد ابن خلدون من أوائل العلماء الذين تناولوا مفهوم العمران، بل إن بعض الباحثين يرى أن ابن خلدون هو الذي نبه إلى علم جديد أطلق عليه علم العمران البشري، وهذه التسمية مقتبسة بلا شك من القرآن الكريم؛ لأن مفهوم العمران يشمل عدة جوانب للحياة: فهو يشمل الإقامة والاستقرار والتوطن والتحضر وممارسة النشاط الاقتصادي والاجتماعي وسائر الأنشطة التي يقوم بها البشر لحفظ نظام التعايش والاجتماع الإنساني.

وليس أدل على ما سبق من أن ابن خلدون يبدأ كتابه (المقدمة) بالكتاب الأول في طبيعة العمران في الخليقة فيقول:"اعلم أنه لما كانت حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التقلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصانع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال"([2]).

وابن خلدون بذلك يجعل العمران هو الحياة الاجتماعية للبشر في جميع مظاهرها ويجعل ما يجمع الناس في عمران واحد هو تعاونهم في تحصيل أمور معاشهم.

وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن:

العمران بالمفهوم الشامل يمكن تناوله من منظورين أحدهما يرى العمران "نتيجة" والآخر يراه "وسيلة"، فالاتجاه الأول في تناول العمران يجعله هو: نتيجة تفاعل ذكاء الإنسان مع البيئة الطبيعية في استيفاء حاجاته المادية والروحية"، وبذلك نرى أن طرفي التفاعل هما الإنسان والبيئة، ومحددات هذا التفاعل هي محددات تلك البيئة الطبيعية والثقافية والاجتماعية وغيرها، أما ناتج التفاعل فهو العمران الذي يأتي موفيا لحاجات الإنسان المادية والروحية.

أما الاتجاه الثاني فيتناول العمران باعتباره "أداة المجتمع ووسيلة لصياغة وتجديد معارفه ومفاهيمه الأساسية وشحذ طاقات أفراده الإبداعية"، وهذا المفهوم يعترف بالقوة الكامنة في العمران وقدرتها في التأثير على المجتمع وتنميته والتعبير عن هويته.

والاتجاهان السابقان في تناول العمران يعبران بصدق عن العلاقة التبادلية بين الإنسان والعمران، فالاتجاه الأول يعبر عن أن الإنسان هو الذي يصنع ويصوغ العمران ليحقق احتياجاته، والاتجاه الثاني يوضح قدرة وسلطة العمران في التأثير على المجتمع وصياغة مفاهيمه، فالعمران يمثل الإطار المادي الذي يحتوي جماعة من الناس وهو ناتج وجود الإنسان أو الجماعة في حيز معين.([3])

هل يقتصر مصطلح العمران على مجرد البناء بأنماطه المختلفة؟

لا يقتصر العمران –بطبيعة الحال– على البناء؛ لأن العمران له جانبان جانب مادي يشير إلى كل ما هو خاص بالمكان من تضاريس ومناخ ومواد البناء المناسبة، وجانب آخر غير مادي يشمل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ومن هنا يطلق العمران على كل أشكال النشاط الإنساني في المجالات المتعددة، المادية والفكرية والثقافية، وهو بهذا المعنى قد يرادف مفهوم الحضارة الذي يعني اجتماع الثقافة التي تعني عالم الأفكار وما يقع في إطارها، والمدنية التي تعني عالم الأشياء، وبذلك تكون الحضارة هي العمران بشكل عام.([4])

ومن هنا نتساءل: هل يعبر العمران عن ثقافة عصره؟([5])

والجواب بالإيجاب بلا شك؛ لأن الثقافة جزء من العمران (فالعلاقة بين العمارة (أو العمران) وثقافة وفكر العصر الذي شيدت فيه مترسخة... فهي صورة مادية ماثلة للعيان لهذه الثقافة وهذا الفكر، وينطبق ذلك على علم العمارة الإسلامية، فهي تعبير عن ثقافة وفكر عصرها أو هي روح عصرها، وإن كانت تحتاج لمن يقرؤها وفقا لأبجديات عصرها...).

ثانيا: مفهوم المقصد

المقصد مفرد وجمعه مقاصد، وقد اختلف المعاصرون في التعبير عن المراد منها:

فعند ابن عاشور: مقاصد التشريع العامة هي: المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغايتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضا معان من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها.([6])

أما الأستاذ علال الفاسي، فقد عرفها بقوله:

المراد بمقاصد الشريعة: الغاية منها، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها.([7])

وسواء أكان المراد بالمقاصد المعاني والحكم أم الأسرار والغايات أم الأهداف الكبرى للتشريع، فإن دراسة المقاصد تقدم فوائد جمة للفقيه:

- فهو يفسر النص الشرعي، ويحدد نطاق تطبيقه بما يتفق ومقاصد الشارع، ويحقق المصلحة التي قصد بالنص تحقيقها، وقد سلك الفقهاء من الصحابة والتابعين والأئمة من بعدهم هذا الطريق، فالنص ورد بمنع الخطبة على الخطبة مطلقا، ففسره الفقهاء وحددوا نطاق تطبيقه في ضوء المصلحة التي قصد به تحقيقها، وهي المحافظة على الأخوة والمودة بين الناس، فقصروا المنع على حالة ما إذا ركنت المخطوبة إلى الخاطب ولم يكن الأخير قد أعرض عن الخطبة، وعلى هذا نجدهم يقررون جواز الخطبة إذا لم تكن المرأة قد ركنت إلى الخاطب، أو كان الخاطب قد أعرض عن الخطبة؛ لأن المنع في هذه الحالة لا يحقق مصلحة لأحد.

- وإذا عرضت على الفقيه واقعة ليس فيها نص حكم للشارع فإنه يعطي هذه الواقعة حكما يتفق مع مقاصد الشارع، وذلك بأن يكون الحكم محققا لمصلحة من جنس المصالح التي دلت النصوص على اعتبارها، ومن ذلك أن الصحابة حكموا بتضمين الصناع السلع التي تتلف بأيديهم؛ محافظة على الأموال، وحكموا بقتل الجماعة إذا اشتركوا في قتل الواحد؛ حفظا للأرواح، وحفظ المال والنفس من المصالح التي لاحظها الشارع في تشريعه، وسار على وفقها في تشريع الأحكام.

- وأخيرا فإن الفقيه يزن الأدلة الجزئية الظنية بمقاصد الشارع التي قامت أدلته على اعتبارها، فما كان منها مخالفا لهذه المقاصد رده ولم يعتمد عليه في الاستنباط، فقد ردت عائشة رضي الله عنها حديث «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه»؛ لأنه يخالف مقصدا شرعيًّا دل عليه قول تعالى: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}، وأهمل مالك اعتبار حديث «من مات وعليه صوم صام وليه عنه»؛ لمخالفته لهذا المقصد أيضا.([8])

ثالثا: مفهوم الضابط

الضابط مفرد وجمعه ضوابط، وللضابط إطلاقان:

إطلاق فقهي على القاعدة الفقهية التي تنظم فروعا فقهية في باب واحد، وذلك خلافا للقاعدة التي تنظم فروعا من أبواب شتى.([9])

وإطلاق عام ويعني القاعدة الحاكمة للنظر الفقهي في أي فرع من فروع الشريعة أو حكم من أحكامها مثل ضوابط الضرر أو ضوابط المصلحة أو ضوابط التعسف في استعمال الحق أو ضوابط التعدي على الحرمات، وهكذا يمثل الضابط مانعا أو محددا للنظر الفقهي بحيث إذا تجاوزه، فإنه يكون قد ناقض الشريعة: أحكاما ومقاصد.

والمعنى الذي نقصده في هذا البحث هو الضابط بالمعنى العام، ومن ثم تبدو صلته بعملية الإفتاء من حيث إنه يوجه نظر الفقيه أو المفتي إلى ما ينبغي أن يعنى به، فيما يعرض عليه من وقائع، وما ينبغي أن يصرف عنه النظر، كي تخرج الفتوى في طريقها الصحيح داعمة للعمران والبناء، في كل صوره وأشكاله المادية والاجتماعية.

 

الكاتب : أ.د/ محمد قاسم المنسي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1])
المعجم الوسيط 2/ 627، ط مجمع اللغة العربية.

[2])
المقدمة ج1/ 328 بتحقيق علي عبد الواحد وافي،الطبعةالثالثة.

[3])
العمران والعلاقة التبادلية مع المجتمع والهويةص94، الهوية كمدخل لاستدامة العمران، رسالة ماجستير مديحة حامد عبد الستار، مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية.

[4])
كتاب الأمة تخطيط وعمران المدن الإسلامية ع58، خالد محمد مصطفى عزبص17.

[5])
السابق –ص43-44.

[6])
مقاصد الشريعة الإسلامية، دار السلام، الطبعة الرابعة.

[7])
مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها،ص111،طدارالسلام.

[8])
نظرية الفقه الإسلامي، د. محمد كمال إمام،ص 67- 68، المؤسسة الجامعية، بيروت.

[9])
القواعد الفقهية للندوي،ص46 ومابعدها، ط دار القلم دمشق.

المقال السابق
دعم العمران: الخاتمة
المقال التالي
دعم العمران: مقصد للإفتاء