عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان - (25) كثرة ذكر الله

منذ 2018-05-10

الأذكار الموظَّفة في اليوم والليلة، افرضْها على نفسك فرضًا، وعاقب نفسك على التفريط في شيءٍ منها؛ وهي أذكارُ دخول البيت والخروج منه، وكذا المسجد، وكذا الخلاء، وأذكار الطعام والشراب واللِّباس، والنوم والجِماع، وأذكار الصباح والمساء، وغيرها.

فقد قال -تعالى-:  {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ[آل عمران: 191]، وقال -تعالى-:  {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، وقال رجلٌ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: دلَّني على عملٍ أتشبَّث به، قال: «لا يزال لسانُك رطبًا بذِكر الله»؛ والحديث صحَّحه الألباني، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «ألاَ أُنبِّئكم بخير أعمالكم، وأزْكاها عند مليككم، وأرفعها في دَرجاتكم، وخير لكم مِن إنفاق الذهب والفِضَّة، وخير لكم مِن أن تلقَوا عدوَّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟!»، قالوا: بلي! قال:  «ذِكْر الله».

 

الذِّكر نجاة، ذِكر الله بركة، ذِكْر الله هداية، ذِكر الله نِعمة ونعيم وقرَّة عين، وأُنس رُوح، وسعادة نفْس، وقوَّة قلْب... نعم؛ ذكر الله رَوحٌ وريحان وجنَّة نعيم.

 

الذكر هو قوتُ القلوب التي متى فارقَها صارت الأجساد لها قبورًا، وهو عمارة ديار المؤمنين، فإذا تعطَّلتْ عنه صارت بورًا، هو سلاحهم الذي يقاتلون به قطَّاع الطريق، ودواء أسقامِهم الذي متى فارقهم انتكستْ منهم القلوب، والعلاقة التي بينهم وبين علاَّم الغيوب، التي متى فقدوها استوحشتِ القلوب.

 

وهو جلاءُ القلوب وصقالُها، ودواؤها إذا غشِيَها اعتلالها، وكلَّما ازداد الذاكر في ذِكره استغراقًا، ازداد المذكور محبَّةً إلى لقائه واشتياقًا، به يزول الوَقْر عن الأسماع، والبَكم عن الألسُن، وتنقشع الظلمةُ عن الأبصار، وهو الذي زيَّن الله به ألسِنةَ الذاكرين، كما زيَّن بالنور أبصارَ الناظرين.

 

هو باب الله الأعْظَم المفتوح بينه وبيْن عبده، ما لم يغلقْه العبد بغفلته، وهو رُوح الأعمال الصالحة، فإذا خلاَ العمل عن الذِّكر كان كالجسدِ الذي لا رُوحَ فيه.

 

وهو غراس الجنَّة، وسبب تنزُّل الرحمات، ورِضا ربِّ الأرض والسموات، وعبادة جميع الكائنات، إنَّه الشفاء للقلوب.

 

يقول يحيى بن معاذ - رحمه الله -: "يا غفول.. يا جهول؛ لو سمعتَ صرير الأقلام في اللوح المحفوظ وهي تَكتُب اسمك عندَ ذِكرك لمولاك، لمُتَّ شوقًا إلى مولاك"، وقال ذو النون المصري: "والله ما طابتِ الدنيا إلا بذِكره، وما طابتِ الآخرة إلا بعفوِه، وما طابتِ الجنة إلا برؤيةِ وجهه الكريم - تبارك وتعالى".

 

أيام وليالي رمضان أزمنةٌ فاضلة، فاغتنِمْها بالإكثار مِن الذِّكر والدُّعاء، وخاصَّة في أوقات الإجابة، عوِّد لسانك: ربِّ اغفر لي؛ فإنَّ لله ساعات لا يردُّ فيها سائلاً.

 

الأذكار الموظَّفة في اليوم والليلة، افرضْها على نفسك فرضًا، وعاقب نفسك على التفريط في شيءٍ منها؛ وهي أذكارُ دخول البيت والخروج منه، وكذا المسجد، وكذا الخلاء، وأذكار الطعام والشراب واللِّباس، والنوم والجِماع، وأذكار الصباح والمساء، وغيرها.

 

احمل في جيبك المصحَف وكتاب حِصن المسلم، ولا تفرِّط فيهما أبدًا، احفظِ الأذكار، وراجعْها دائمًا على الكتاب، واسأل عن معناها، وافْهم ما تقول.

 

كثرة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- بلا عددٍ محصور تُزيل الهم، كثرة الاستغفار تَزيد القوَّة، الباقيات الصالحات: ((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله)) خير ثوابًا وخير أملاً.

 

التهليل قول: "لا إله إلا الله" حصنٌ حصين مِن الشيطان، والحوقلة قول: "لا حول ولا قوة إلا بالله" كَنْز من كنوز العرش، "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" ثقيلتان في الميزان.

 

عمومًا؛ قال الله -تعالى-: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152]، فاذكرِ الله يذكرْك، ولا تنسَهُ فينساك.

 

وإني يُمكنني - بعون الله - أن أذكُر لك كثيرًا مِن الأذكار وفضائل الأعمال فيها، ولكن أُحيلك علي كتاب حِصن المسلم فعليك به، لا تجعلْه يفارق جيبك، وحاول أن تتعوَّد على ما فيه من الأذكار، والله المستعان، وأحيلك كذلك على كتاب فضائل الأعمال للمقدسي، وكل ذلك حتى لا أُطيل عليك فيما يسهُل عليك معرفته.

 

فحافظ أخي - يا بن الإسلام - على الأذكار، وذلك على العموم، ومع هذا العموم يَحْلو لي أن أنصَّ على بعض الأذكار المهمَّة، فمنها:

 

* حمْد الله بعدَ الأكْل والشرب: وهذه بُشرى للذين يبْحثون عن رِضا الله تعالى عنهم؛ قال -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه مسلم: «إن الله ليرضَى عن العبد يأكُل الأكلةَ فيحمده عليها، أو يشرَب الشربةَ فيحمده عليها»، فما أسهل الوصولَ إلى رِضا الله - أخي الحبيب - فلا تفرِّط، ولا تتكاسل؛ حتى لا يخذلَك الله.

 

* الدعاء في المرَض بأجْر شهيد: { لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ[الأنبياء: 87]، إنها دعوة نبي الله يونس - عليه السلام - قال -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الحاكم وصحَّحه ووافقه الذهبي: «أيما مسلمٍ دعا بها في مرضِه أربعين مرَّةً فمات في مرضه ذلك، أُعطِي أجرَ شهيد، وإنْ برَأ برأ وقد غُفِر له جميع ذنوبه».

 

فهل قال أحدنا هذا الدعاءَ الجليل في مرضه؛ ليفوزَ بهذا الأجْر العظيم؟!

 

* دعاء السوق: فقد قال -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أحمدُ والترمذي وحسَّنه الألباني:  «مَن دخَل السوق فقال: لا إله إلا الله، وحْدَه لا شريكَ له، له المُلك، وله الحمد، يُحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتَب الله له ألْفَ ألْف حسنة، ومَحَا عنه ألْفَ ألْف سيئة، ورفع له ألْفَ ألْف درجة، وبنَى له بيتًا في الجنة».

 

يا ألله! اللهم إني أسألك أن تغفرَ لي ولإخواني تقصيرنا في حقِّ أنفسنا أمامَ فضلك العظيم، اللهم إنَّه ليس لنا حُجَّة أبدًا عليك، وكيف وقد يسرتَ لنا كلَّ سبل الجنة، وأعطيتنا مِن الفضل ما لم تُعطِ أحدًا من العالمين؟!

 

ولكننا يا ربَّنا نَطْمَع في مزيدِ فضل منك ورحمة، نَطْمَع يا ربنا في أن تأخُذ بأيدينا إليك، أخْذَ الكرام عليك، وأن تستعملنا في طاعتِك ونصرة دِينك يا رحمن.

 

اللهم إنَّا نعلم أنَّه لا تنفعك طاعاتنا، ولا تضرُّك معاصينا، وأننا إنْ عصيناك، فإن عبادك سوانا كثير، ولكننا يا ربَّنا ليس لنا إله غيرك، فإلى مَن تكِلنا؟! اللهم لا تكِلْنا إلى أنفسنا فنعجز، وإلى على الناس فنضيع.

 

إنَّه على الرغم مِن هذا الأجْر الجزيل، فإنَّك - أخي يا بن الإسلام - لا تكاد تجِد مسلمًا يذكُر الله -تعالى- في السوق بتلك الكلمات المبارَكة، إلاَّ مَن رحِم الله - ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم!

 

* في الحديث المرفوع الذي رواه الترمذي وصحَّحه الألباني: ((مَن قال: سبحان الله وبحمده، غُرِستْ له نخلة في الجنة)) سبحان الله العظيم! أين النخيل التي غرسناها؟!

 

* روى الطبراني - وقال الألباني: صحيح لغيره - أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَن قال إذا أصبح: رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، فأنا الزعيم - أي: الكفيل - لآخذنَّ بيده حتى أدخلَه الجنة)).

 

* في الصحيحين أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَن قال: لا إله إلا الله، وحْدَه لا شريكَ له، له الملك وله الحمْد، وهو على كلِّ شيء قدير، في يوم مائة مرة: كانتْ له عدلَ عشر رقاب، وكُتبت له مائة حَسَنة، ومُحيت عنه مائة سيِّئة، وكانتْ له حرزًا من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمسي، ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمِل أكثر مِن ذلك، ومَن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائةَ مرة، حُطَّتْ خطاياه ولو كانتْ مِثل زَبَدِ البحر)).

 

* رَوى الترمذي وابن ماجه وصحَّحه الألباني، عن ابن عمرٍو قال -صلى الله عليه وسلم-: ((خَصلتان لا يُحصيهما رجلٌ مسلم إلا دخَل الجنة، وهما يسير، ومَن يعمل بهنَّ قليل: يسبح الله في دُبر كلِّ صلاة عشرًا، ويكبِّر عشرًا، ويحمد عشرًا))، فرأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يعقدها بيده ((فذلك خمسون ومائة باللِّسان، وألف وخمسمائة في الميزان، وإذا أَوَى إلى فراشه سبَّح وحِمد وكبَّر مائة، فتلك مائةٌ باللسان، وألف في الميزان، فأيُّكم يعمل في اليوم ألْفَين وخمسمائة سيِّئة؟!)) قالوا: وكيف يُحصيهما؟ قال: ((يأتي أحدَكم الشيطانُ وهو في الصلاة فيقول: اذكُرْ كذا وكذا، حتى ينفكَّ العبدُ لا يعقل، ويأتيه وهو في مضجعِه فلا يزال يُنَوِّمُهُ حتى ينام)).

 

* إجابة المؤذِّن: في صحيح مسلم وغيره قال -صلى الله عليه وسلم-: ((مَن قال حين يسمع المؤذِّن: أشهد أن لا إله إلا الله، وحْدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام دينًا، غُفِر له ذنبه))، وعند البخاري وغيره قال -صلى الله عليه وسلم-: ((مَن قال حين يسمع النِّداء: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامَّة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدتَه، حلَّتْ له شفاعتي يومَ القيامة))، وعند النَّسائي وأحمد وصحَّحه الألباني عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كنَّا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقام بلال يُنادي، فلما سكَتَ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مَن قال مِثل هذا يقينًا، دخَل الجنة)).

 

* موافقة تأمين المأموم لتأمينِ الملائكة في صلاة الجماعة: ففي الصحيحين أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا قال الإمام: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}، فقولوا: آمين؛ فإنَّه مَن وافق قولُه قولَ الملائكة، غُفِر له ما تقدَّم مِن ذنبه))، وفي رواية: ((إذا قال أحدُكم: آمين، وقالتِ الملائكة في السماء: آمين، فوافقتْ إحداهما الأُخرى، غُفِر له ما تقدَّم مِن ذنبه))، وفي صحيح مسلم وغيره: ((إذا صليتُم فأقيموا صفوفَكم، ثم ليؤمَّكم أحدُكم، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قال: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}، فقولوا: آمين؛ يُحببكم الله))، وعند ابن ماجه وصحَّحه الألباني: ((ما حَسدتْكم اليهود على شيء، ما حَسَدتْكم على: "آمين"، فأكْثِروا مِن قول "آمين")).

 

* موافقة تسميع المأموم لتسميعِ الملائكة في الصلاة: ففي الصحيحين أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا قال الإمام: سمِع الله لمن حَمِده، فقولوا: اللهمَّ ربَّنا لك الحمْد؛ فإنَّه مَن وافق قولُه قولَ الملائكة، غُفِر له ما تقدَّم مِن ذنبه))، وفي رواية: ((فقولوا: ربَّنا ولك الحمد)) بزيادة الواو.

 

* إذا أخذتَ مضجعك مِن الليل فاقرأ: (قل يا أيُّها الكافرون) ثمَّ نمْ على خاتمتِهَا؛ فإِنَّها براءةٌ من الشركِ.

 

* بينما نحنُ نُصلي مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- إذ قال رجلٌ من القومِ: الله أكبرُ كبيرًا، والحمدُ لله كثيرًا، وسبحان الله بَكرةً وأصيلاً، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مَن القائلُ كلمةَ كذا وكذا؟))، فقال رجل ٌمن القوم: أنا يا رسول الله! قال: ((عجبتُ لها؛ فُتِحَتْ لها أبوابُ السماء))، قال ابن عمر: فما تركتُهُنَّ منذُ سمعتُ رسولَ الله يقولُ ذلك؛ صحيح مسلم.

 

* كنا نُصلي يومًا وراءَ النبي -صلى الله عليه وسلم- فلمَّا رفَع رأسه من الركعةِ قال: ((سمع الله لمن حمده))، قال رجلٌ: ربنا ولك الحمدُ، حمدًا كثيرا ًطيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف، قال: ((مَن المُتكلِّم؟))، قال: أنا، قال: ((رأيت ُبضعةً وثلاثين مَلَكًا يَبْتَدِرُونها، أيُّهُم يَكتُبها أوَّلُ))؛ صحيح البخاري.

 

* ((مَن صلَّى الفجر في جماعةٍ، ثم قعَد يذكر الله حتى تطلعَ الشمس، ثم صلى ركعتين، كانتْ له كأجرِ حجَّةٍ، وعمرةٍ، تامَّةٍ، تامةٍ، تامَّة))؛ صحيح الجامع الصغير وزياداته.

 

* ((مَن صلَّى لله أربعين يومًا في جماعةٍ، يُدركُ التكبيرةَ الأولى، كتِب له براءتانِ: براءةٌ من النارِ، وبراءةٌ من النفاق))؛ صحيح الجامع الصغير وزياداته.

 

* ((أفضلُ الصلوات عندَ الله صلاةُ الصبح يوم الجُمُعة في جماعة))؛ السلسلة الصحيحة.

 

* ((مَن قال: سبحان الله العظيم وبحمْده، غُرِستْ له نخلةٌ في الجنة))؛ صحيح الجامع الصغير وزياداته.

 

* ((مَن قال: سبحان الله وبحَمْدِه، سبحانك اللهمَّ وبحمدك، أشهدُ أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوبُ إليك، فإنْ قالها في مجلسِ ذِكْرٍ، كانتْ كالطَّابَع يُطبعُ عليه، ومَن قالها في مجلسِ لغوٍ، كانتْ كفَّارةً له))؛ صحيح الجامع الصغير وزياداته.

 

* ((إنَّ سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تنفُضُ الخطايا كما تنفضُ الشجرةُ ورقَها))؛ صحيح الجامع الصغير وزياداته.

 

* ((أيَعجِزُ أحدكم، أن يكسِبَ كلَّ يومٍ ألف حسنةٍ؟ يسبِّح الله مائة تسبيحةٍ، فيكتُبُ اللهُ له بها ألفَ حسنةٍ، أو يحُطُّ عنهُ بها ألف خطيئةٍ))؛ صحيح الجامع الصغير وزياداته.

 

* ((إنَّ الله -تعالى- اصطفَى مِن الكلام أربعًا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فمَن قال: سبحان الله، كُتِبتْ له عِشرون حسنةً، وحُطَّتْ عنه عِشرون سيئةً، ومَن قال: الله أكبرُ، مثلُ ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله، مثلُ ذلك، ومَن قال: الحمدُ لله ربِّ العالمين، من قِبلِ نفْسه كُتِبتْ له ثلاثون حسنةً، وحُطَّ عنه ثلاثون خطيئةً))؛ صحيح الجامع الصغير وزياداته.

 

* ((ألا أدلُّك على غراسٍ، هو خيرٌ مِن هذا؟ تقولُ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، يُغرسُ لك بكلِّ كلمةٍ منها شجرةٌ في الجنَّة))؛ صحيح الجامع الصغير وزياداته.

 

* ((من ضنَّ بالمالِ أن يُنفقَه، وبالليلِ أن يُكابدَه، فعليه بسبحان الله وبحمده))؛ صحيح الجامع الصغير وزياداته.

 

* ((ألا أدلُّك على ما هو أكثرُ مِن ذكركَ اللهَ الليلَ مع النهارِ؟ تقولُ: الحمدُ لله عددَ ما خلقَ، الحمدُ لله ملءَ ما خلقَ، الحمدُ لله عددَ ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ، الحمد لله عددَ ما أحْصَى كتابُه، والحمدُ لله على ما أحصى كتابُه، والحمدُ لله عددَ كلِّ شيءٍ، والحمدُ لله ملءَ كلِّ شيءٍ، وتُسَبِّحُ الله مثلهُنَّ، تعلَّمْهُنَّ وعَلِّمْهُنَّ عقِبكَ منْ بعدِكَ))؛ صحيح الجامع الصغير وزياداته.

 

* ((مَن صلَّى عليَّ حين يُصْبحُ عشْرًا، وحين يُمْسي عشْرًا، أدركتْه شفاعتي يوم القيامة))؛ صحيح الجامع الصغير وزياداته.

 

* ((مَن قال: رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمَّدٍ نبيًّا، وجَبت له الجنة))؛ صحيح الجامع الصغير وزياداته.

 

* ((مَن دعَا لأخيه بظهْر الغيب، قال الملَك الموكَّل به: آمين ولك بمِثله))؛ صحيح الجامع الصغير وزياداته.

 

* ((مَن يَتَكفَّلْ لي أن لا يَسأَلَ الناس شيئًا، أتَكفَّلْ له بالجنةِ))؛ صحيح الجامع الصغير وزياداته.

 

* ((مَن قتَل وزغةً في أوَّل ضربْةٍ كُتِب له مائةُ حَسنةٍ، ومن قَتلها في الضَّربة الثَّانية، فلهُ كذا وكذا حسَنة، وإن قَتلها في الضَّربة الثالثة فله كَذا وكَذا حسنةً))؛ صحيح الجامع الصغير وزياداته.

 

* ((مَن أكَل طعامًا ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطَّعام ورزقَنيه مِن غير حولٍ منِّي ولا قوَّةٍ، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنْبِه، ومن لَبِسَ ثوبًا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقَنيه مِن غير حولٍ مني ولا قوةٍ، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنْبِه وما تأخَّر))؛ صحيح الجامع الصغير وزياداته.

 

* واحرِصْ عمومًا على المداومة على التسبيح والأذكار قبلَ طلوع الشمس وقبل غروبها، والمكث في المسجد إلى الضُّحَى، ثم صلاة ركعتين، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفْعَل، فتحصل على أجْر حَجَّة وعمرة تامَّة تامة تامَّة، كما في الحديث الذي رواه الترمذي وصحَّحه الألباني، وقال الله -تعالى-: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ﴾ [طه: 130]، والقدْر الواجب مِن هذا التسبيح صلاة الصبح وصلاة العصْر، وهذا مِن أسباب الرِّضا، كما قال -تعالى-: ﴿ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴾ [طه: 130]، وكمال هذا التسبيح بالتسبيح المعهود كما قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي عند مسلم وأبي داود والترمذي وأحمد: ((مَن قال: سبحان الله وبحمده مائة مرَّةٍ حين يُصبح وحين يُمسي، لم يأتِ أحدٌ يوم القيامة بأفضلَ ممَّا جاء به، إلا رجلٌ قال مِثل ما قال أو زادَ عليه)).

 

والمحافظة على ذِكْر الله مطلقًا مِن أعظم الأعمال؛ فقد قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لما مَرَّ على جبل يُسمَّى جُمْدان وهو في طريقه إلى مكة: ((سِيروا، هذا جمدان، سبق المُفَرِّدُونَ))، قالوا: وما المفرِّدون يا رسولَ الله؟ قال: ((الذاكِرون الله كثيرًا والذاكرات))؛ والحديث رواه مسلم والترمذي وأحمد.

 

والذِّكر بالكسر الحِفظ للشيء، وما زال مني على ذُكر وذِكر أي: تذكُّر، وبهذا تعلم أنَّ الذكر حقيقة في الحِفظ والتذكُّر والاستحضار، واستُخدِم في الشرع بمعنى جريان اللِّسان بالثناء على الله وطلَب المغفرة منه، حتى صار حقيقةً شرعيَّة، غير أنه غُلِّب من العامَّة على وظيفة اللسان، فأصبح لا يُطلق الذِّكر إلا ويتبادر معنى تحرُّك اللِّسان بالأذكار، وشطح غلاة الصوفية، فصاروا لا يَفهمون من الذِّكر إلا مجالس الرقْص والدفوف، وكل ذلك يَتنافى مع كثيرٍ من إطلاقات القرآن؛ يقول -تعالى-: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: 135]، فذِكر الله هنا بمعنى استحضار عظَمتِه، وحِفظ مقامه، وتذكُّر جلاله وهيبته، يؤيِّده أنَّه عطف عليه الاستغفار، وهو ذِكر، فلو كان: (ذَكَروا الله)؛ أي: جرَى اللسان بذِكره، لتكرَّر هكذا: ذكروا الله فذَكروه، ولا يُقال: (ذكروا الله فاستغفروا) من قَبيل عطْف الخاص على العام؛ لأنَّ هذا من باب التأكيد، والتأسيسُ أوْلى من التأكيد، فالمتَّجه عندي أنَّ ذِكر الله ألزمُ صفة للمتقين؛ فهم يستحضرون عظمتَه، ويتذكَّرون أياديَهُ عليهم، فيكون ذلك سببًا في معرفة جرم ذنوبهم، فيستغفرون.

 

وتأمل قوله -تعالى-: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43]، تجد أنَّ الذكر هنا أيضًا بمعنى العلم، وإذا أجريتَ ما ذكرته لك عن معنى الذِّكر هنا، فهمتَ ضرورة أنَّ قوله: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ﴾ [النحل: 43]؛ أي: أهل الخوف مِن الله والخاشعين له والمستحضرين لعظمَته، وليس هؤلاء إلا العلماء؛ لقوله -تعالى-: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، بل إنَّ قوله -تعالى-: ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ [الأنفال: 2] فيه إشارةٌ إلى ما قررتُه؛ فشأن أهل الإيمان - الذين وردتِ الآية في سِياق وصفهم - توجل قلوبهم بمجرَّد جريان خواطرِهم به - عزَّ وجلَّ - عندَ سماع اسمٍ مِن أسمائه، أو صِفة من صفاته، أو أي شيء يُشير إلى مقامه، ولو كان معنى الآية أنَّ المؤمنين توجل قلوبهم بترداد ذِكْره وجريان اللِّسان لهجًا بالثناء عليه، فليس في ذلك مزيَّة؛ فمُعظم الناس يوجلون عندَ ترداد الأذكار بحضورِ قلْب، ولكن القليل هم الذين تتفاعَل قلوبهم بمجرد ورود الخاطِر عن الله - تعالى.

 

إذا تقرَّر ذلك، نعلم عندئذٍ أنَّ ذكر الله يكون باستحضار عظَمته في القلب، وليس نوعًا مستقلاًّ بذاته؛ لأنَّ جريان اللسان بالذِّكر دون حراك القلب ليس مقصودًا من الله - عزَّ وجلَّ وتقدَّس - قال -تعالى-: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ [الحج: 37]، وفي صحيح مسلِم قال -صلى الله عليه وسلم-: ((التَّقْوى ها هنا))، وأشار إلى صدْره، وفي صحيح مسلم: ((إنَّ الله لا ينظُر إلى أجسامكم ولا إلى صُوركم، ولكن ينظر إلى قلوبِكم)).

 

وبهذا البيان نُدرِك أنَّ وظيفة اللسان في الذِّكر يجب أن تحصِّل حضور القلب بتعظيم الله واستحضار هيبته وجلاله، فما الوسائلُ التي تحقِّق هذه الثمرة؟

 

ومن آداب ذكر الله -تعالى-:

1 - إخلاص النيَّة لله، وابتغاء الثَّواب منه - تعالى.

 

2 - أن يَشتاقَ القلب للذِّكْر كما يشتاق الجسدُ للطعام والشراب، فيُقبِل العبد على الذِّكْر بشغَف وحبٍّ، وحَماس وحضور قلْب، فقد وصَف الله المنافقين، فقال: ﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ [النساء: 142]، فمِن الأدب: الإقبال على الذِّكْر بشغف.

 

3 - الوضوء أو الطهَارة قبله؛ فقدْ كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَكره ذِكْر الله إلا على طهارة، كما في صحيح سُنن أبي داود، وقال عمر - رضي الله عنه -: "الوضوء الصالِح يطرد عنكَ الشيطان".

 

4 - الجلوس باتِّجاه القِبلة خاشعًا ساكنًا؛ فهكذا يكون التذلُّل عند مناجاتِك لله ربِّ العالمين، وخصوصًا إذا استحضرت قوله -تعالى-: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ [البقرة: 152]، و: ((أنا معه حين يذكُرني)) - كما في صحيح البخاري.

 

5 - أن تُطهِّر باطنك بالاستغفار ومراقَبة الله -تعالى- والتوبة إليه مِن الذُّنوب والخطايا؛ لتهيئةِ القلْب واللِّسان للذِّكر.

 

6 - اختيار الأوقات المناسِبة للذِّكر، والتي تكون فيها خاليًا مِن الشواغل، ونفسك مستعدَّةً لتلقي النور، وقلبك مشتاقًا لمناجاة الله -تعالى- كأوقاتِ السَّحَر والأصيل، وعقِب الصلوات المكتوبة، وفي الليالي المبارَكة والأيام الفاضلة.

 

7 - استحضار عظمَة الله -تعالى- والتفكُّر في ألفاظ الذِّكر، وذِكره -تعالى- بأسمائه الحُسنى وصفاته العلا، فتصل بذلك إلى التضرُّع والتذلُّل والعبودية الحقَّة لله -تعالى- ساعتَها يشعُر القلب بالطُّمأنينة.

 

8 - استحباب البُكاء مع الذِّكْر؛ لما في حديث السَّبعة الذين يُظلُّهم الله بظلِّه، وهو في صحيح مسلم، فمَن استحضر قلبه في الذِّكر، واستشعر قُربَ الله -تعالى- منه، وفهم عن الله مرادَه من ذِكر العبد لربِّه، لا يملك إلا أن تفيض عيناه.

 

9 - إخفاؤه وعدم إطْلاع غيره عليه؛ حفاظًا على الإخلاص، وتجنبًا للرِّياء، وهو بذلك يَسري في أعماق النفْس، وينبض مع نبضات القلْب.

 

10 - مطالبة النَّفْس بثمرات الذِّكْر بعد الفراغ منه؛ بالمحافظة على الطاعات، ومجانبة اللهو واللغو والآثام، والاستقامة في الأقوال والأفعال والمعاملات، فثَمَرة الذِّكر الحقيقيَّة ألا تراودك نفسُك على محرَّم، بل تظل دائمًا إذا كنت ذاكرًا تَرى أنَّك بين يدي الله -تعالى- فتحبُّه على الحقيقة، وتستحي منه على الحقيقة، وتخشاه كأنَّك تراه، وبذلك تكون مِن الذاكرين المرحومين، جعلني الله وإيَّاك منهم.

 

وسائل تحصيل حلاوة الذكر:

أولاً: معرفة المقصود مِن الذِّكْر، وهو إجلال مقام الله، والخوف مِنه وخشيته ومهابته وقدْره حقَّ قدره، وبهذا المعنى يكون الذِّكر منسحبًا على كلِّ زمان ومكان يوجَد فيه الإنسان.

 

ثانيًا: أن يلحظَ الذاكِرُ نعمةَ الله على الخليقة لنوالهم شرَف ذكره، وكرامة ورود كلماته على الخواطِر، وجريانها في الجوارح، مع تلبُّسها بمعصيته وجُحود آلائِه ونِعمائه.

 

ثالثًا: لزوم جناب الاحتشام عندَ ذِكر الله باستحضار مراقبتِه واطلاعه، وقد وصَف الله المؤمنين بأنهم: ﴿ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ [الأنفال: 2]، ووجلُ القلْب خوفه مِن الله؛ قال أبو حيَّان: وقرأ ابن مسعود: فَرِقَت، وقرأ أُبيٌّ: فَزِعَت.

 

رابعًا: أن يستشعرَ ويستحضر معنى الحديث الذي رواه البخاريُّ معلّقًا بصيغة الجزم، والبيهقي، والحاكِم: ((أنا مع عبدي ما ذَكَرني وتحرَّكت بي شفتاه))، ومعلوم أنَّ هذه المعيَّة معيَّةٌ خاصَّة للذاكرين، ولا تَقتضي الحلوليةَ كما يزعم الزاعِمون، وإلا ما اشْتَرط للمعية شرطًا لحصولها، وهذا مُجمَع عليه بين السلف جمعًا بين هذه النصوص، وبيْن النصوص المفيدة للعلوِّ والاستواء على العرْش، فافهم هذا المقام، واطرحْ ما عداه تسلَمْ وتغنم، ولا يحولنَّ عَطَنُ الفلاسفة والمتكلِّمين والمعطِّلة والجهمية بينك وبيْن جمال هذا المعنى وجلاله، فما دُمت قد بنيتَ في ذهنك مقام الربوبيَّة على الإثبات والتنزيه، فَأَمِرَّ النصوص كما جاءتْ كما فعَل السلف تنتفعْ ببركة تلك النصوص.

 

واعلم أنَّ المدد مِن الله -تعالى- على قدْر تقواك وصبرك، وحضور القلب على قدر استجماع الفِكر في الذِّكر، والدليل قوله -تعالى-: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ [آل عمران: 125].

 

خامسًا: عدم اليأس مِن تأخُّر الفتْح؛ فمَن أدْمن قرع الباب يوشِك أن يُؤذَن له، وملازمة الإلحاح والوقوف بالباب مع الإطراق بانكسار واختِجال علامة التوفيق والقَبول، تأمَّل قوله -تعالى-: ﴿ وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾ [التوبة: 118]، تجد أنَّ المخلَّف ممتحَن في حقيقة الأمر: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141].

 

سادسًا: يقول ابن القيِّم في "الفوائد": "مِن الذاكرين مَن يبتدئ بذِكْر اللِّسان وإنْ كان على غفلة، ثم لا يزال فيه حتَّى يحضر قلبه فيتواطأا على الذِّكْر، ومنهم مَن لا يرَى ذلك ولا يَبتدئ على غفلة، بل يسكُن حتى يحضر قلبُه فيشرع في الذِّكر بقلبه، فإذا قوي استتبع لسانه فتواطأا جميعًا، فالأوَّل ينتقل الذِّكْر مِن لسانه إلى قلبه، والثاني ينتقل مِن قلبه إلى لسانه مِن غير أن يخلوَ قلبه منه، بل يسكُن أولاً حتى يُحِسَّ بظهور الناطِق فيه، فإذا أحسَّ بذلك نطَق قلبه، ثم انتقل النُّطق القلبي إلى الذِّكر اللِّساني، ثم يستغرِق في ذلك حتى يجدَ كل شيء منه ذاكرًا، وأفضل الذِّكر وأنفعه ما واطأ فيه القلبُ اللسانَ، وكان مِن الأذكار النبوية، وشهِد الذاكر معانيه ومقاصده"، ومِثل هذا لا يُحسِنه إلا ابن القيِّم - رحمه الله.

 

والمذهب عندي هو الوسيلةُ الثانية؛ أي: عدم الابتداء على غفْلة، بل يسكُن الذاكر حتى يحضرَ القلب، وسبيله أن يستحضرَ نفْسَه واقفًا بباب الرحمة، مطرقًا ينتظر الإذن بالدُّخول، ويجول بقلبِه الكسير حولَ معاني الرحمة والود والقَبول، فذلك قمينٌ - جدير - أن يحضرَ به القلب.

 

أمَّا لزوم كون الذِّكْر من الوارد في السُّنة، فهذا بدهي لا أُطيل في تقريره، فمَن سلَك غير طريق النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّى له الوصول؟!

 

أمَّا شهود معاني الذِّكْر ومقاصده، فهذا مِن أعظم أبواب حُضور القلْب والانتفاع بالذِّكْر، وخاصَّة إذا كانت من المعاني الراقية الرفيعة التي صِيغت في حنايا سيِّد الذَّاكرين - صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

وسأضرب مثالاً في كيفيَّة التفكُّر والتدبُّر في الذِّكر؛ ليكونَ كالشاهد على غيره مِن الأذكار، فمِن أذكار الصباح والمساء التي يردِّدها المؤمن: قوله -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم: ((أصبَحْنا وأصبح المُلك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله، وحْده لا شريكَ له، له الملك وله الحَمْد، وهو على كلِّ شيء قدير، رب أسألك خيرَ ما في هذا اليوم وخيرَ ما بعده، وأعوذ بك مِن شرِّ هذا اليوم وشرِّ ما بعده، رب أعوذ بكَ مِن الكسَل وسوء الكِبَر، رب أعوذ بكَ مِن عذاب في النار وعذاب في القَبر)).

 

فيستحضر ما ذكرته آنفًا، ثم يتدبَّر الكلمات مظهرًا الفقر والاحتياج والمسكَنة، ويجول بقلْبِه في ملك الله وملكوته، فيتحقَّق عنده حقائق النِّعم: ((أصبحْنا)) ويُبصر عظيمَ مِنة الله إذْ منَّ عليه بالحياة فأصبح معافًى، مع أنَّه كان آيسًا من إدراك الصباح، كما قال ابنُ عمر عند البخاري: "إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء"، وها هي رعاية الله تتداركه، فيرسل له رُوحه بعدَ توفِّيها؛ قال تعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [الزمر: 42]، ومع غمرةِ الفرْحة بنِعمة الله يتدارك نفسه بذِكر المُنعم؛ حتى لا تضمحلَّ رؤية المنعِم في خضمِّ الفرحة بالنِّعمة، فينسب كلَّ النعم - بل كل هذا الملك - إلى المتصرِّف الحقيقي فيه: ((وأصبح الملك لله)).

 

ومع نِسبة النِّعمة لصاحبها والبَوْء لمسدِيها، لا ينبغي أن ينسَى العبد شُكر ربه والثناء عليه، فيحمده ((والحمد لله))، ثم يشهد شهادة التوحيد ((لا إله إلا الله، وحده لا شريك له))، وسر ذلك: الإقرار بالألوهيَّة بعد الإقرار بالربوبيَّة، فالربوبيَّة هي التصرُّف والتدبير والملك، وهي متضمَّنة في قوله: ((أصبحْنا وأصبَح الملك لله))، والألوهية هي إثباتُ استحقاق الله - عزَّ وجلَّ - الألوهية؛ أي: كونه إلهًا يُعبد ولا يُعبد أحدٌ معه، ثم يكرِّر بعض معاني الربوبية الأُخرى، ويحوم حول بعض أسمائِه -تعالى- وصِفاته؛ ليصقُلَ قلبه بتوحيد الأسماء والصِّفات، فهو - سبحانه -: ((له الملك))؛ أي: إنَّه المَلِك، ((وله الحمد))؛ أي: المحمود الحميد.

 

ثم يعترِف بشمول قُدْرة الله لكلِّ الأشياء، والشيء أعمُّ لفظة في اللُّغة؛ لشمولها الموجود والمعدوم، والكبير والصَّغير، والعظيم والحقير، ثم يبدأ بعد جولةِ الثناء على الله، هذه الجولة التي لا بدَّ أن يشعُر فيها بتحليقِ رُوحه بين تلك المعاني الراقية، يبدأ في ذلَّة ومَسكنة ممارسة العبوديَّة في أحْلى صُورها، وهي الدُّعاء، فيبدأ دُعاءَه المتناسِب مع الزمان، فيسأل ربَّه خيرَ هذا اليوم وخيرَ ما بعده، وكلمة: ((خير)) مفرَد مُضاف، فيُفيد العمومَ كما قال الأصوليُّون، فهو سؤالٌ لكلِّ خير ولأي خير أن يناله بفضل مِن الله ورحمة، ومُقتضى سؤال الخير ألا يُبتلى بالشرّ؛ لأنَّ الشرَّ ليس بخير، ولكنَّه يؤكِّد الاستعاذة من الشرِّ بترداد ألفاظها؛ إمعانًا في التذلل، وتأكيدًا في المسألة، وإلحاحًا في الرغبة.

 

ولمَّا كان الذاكِر يستقبل يومًا جديدًا أو ليلةً جديدة، فإنَّه يحتاج إلى كلِّ معونة على كلِّ عجز يُقعِده عن الانتفاع بيومه وليلِه، وعجْز الإنسان إمَّا يكون قدريًّا؛ أي: لا حيلة له في دفْعه، أو كسبيًّا، فهو يستعيذ من العجْز القدري، وهو: ((سوء الكِبَر))؛ وذلك بأن يُبارِك له ربُّه في جوارحه وقوَّته ونشاطه، ومن العجْز الكسبي وهو: ((الكسل))، وذلك بأن يُلهَم النشاط وكراهية الدَّعة والخمول.

 

ولما كان الذاكِر في جولة قلبيَّة مع تلك المعاني المناسِبة لزمان اليوم والليلة، فإنَّه يُفيق بعد تلك الجولة على حقيقة سَيْره إلى الله، وأنَّ غاية مُراده من الذِّكر والاستعاذة مِن الشرور أن ينجوَ بدخول الجنة والزحزحة عن النار، فيتدارك لسانه هذا الذِّكْر الذي دَنْدَن حوله الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومعاذ بن جبل، فيُردِّد صدَى دندنتهما في الكون بترنيمة السالِكين الأبدية: ((رب أعوذ بكَ مِن عذاب في النار وعذاب في القبر))، وفي ذِكر القبر في ختام الدُّعاء والذِّكر سِرٌّ عجيب؛ فإنَّه بدأ ذكره بالتحليق في أرْجاء ملك الله الواسع: ((أصبحْنا وأصبح المُلك لله))، ثم إنَّه استشعر سَعة الكون وشموله بقُدرته - عزَّ وجلَّ - وتصرُّفه فيه، وهو خليقٌ أن يجعله مبهورًا بهذه السعة، فيأتي ذِكر القبر ليردَّه عن هذا التوسع والشعور بالرَّحابة، ويذكّر الضيق الذي ينتظره في القبْر، وكذا بأهواله وخطوبه.

 

فيا له مِن ذِكر يصعد بالإنسان إلى أعْلى عليِّين، ثم ينزل به إلى أسفل سافلين، فإذا هو بعدَ الذِّكر قد تجلَّتْ له الحقائق، ورأى الدنيا ومُلْكَ الله مِن زاوية السَّعة ومِن زاوية الضِّيق، فتتضاءَل نفسه أمامَ هذا الإعجاز، وتصغُر ذاته في عُمق هذه المعاني، وهذه هي أحْلَى فوائد الذِّكر؛ أن يجد الذاكِر في نفسه قدرةً على إدراك حقائق الأمور، فيرَى ضآلة ذاته، وعظمةَ ربِّه، ويبصر تصرُّف المليك في الكون والخليقة.

 

سابعًا: يُفضَّل الذكر في الخلوات عنه في الجلوات - على مشهَد مِن الناس - فقد روَى البخاريُّ في السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: ((ورجل ذكَر الله خاليًا ففاضتْ عيناه))، والخلوة يجِب أن تكون بمنأًى عن أعين الناس وعن جَلَبتهم وضوضائهم؛ لذا يُفضَّل في الخلوة الهدوء التام والظلام، وعدم الإزعاج وقطع لحظات المناجاة، ولا يُشرع اتخاذ الخلوات في الجبال والفيافي بما يُشبه الرهبنةَ - كما حقَّقه شيخُ الإسلام ابن تيمية، بل الخلوة الشرعيَّة تكون في المسجد بالاعتكاف، أو في المنازل والبيوتات، ولا يُشرع الاعتزال واتِّخاذ الخلوة في شعب الجبال إلا زمان الفِتن التي تعصِف بالإيمان والمؤمنين، أمَّا زمن الجهاد والدعوة والإصلاح، فلا تُشرَع العزلة بحالٍ على قول جمهور الفقهاء والمحدِّثين وأهل السُّلوك.

 

وثَمَّة آداب أُخرى في حقِّ الذاكِر يُستحب له إتيانها، منها: لُبس أحسن الثياب، وتجديد الوُضوء، والتطيُّب، واستقبال القِبلة على الدوام، ودوام الإطراق، ولزوم الأدب في الجلوس، واستصحاب السواك واستعماله.

 

تنبيه: اعلم أيها النابِه أنَّ كل ما ذكرته لك عن الذِّكر وفِقهه وآدابه وأحكامه وأسراره - يجري في قِراءة القرآن الكريم وتدبُّره وتفهُّمه، فهو أعظم الذِّكر وأحلاه، فاستحضر ما قرَّرتُه، ونفذه عندَ تلاوة القرآن، مع ضرورة الإلمام بجُملة مِن فضائل تلاوة القرآن وتدبُّره في نصوص الكتاب والسُّنة؛ فإنَّه خير معوان لك على حبِّ القرآن والانتفاع منه وبه، وقد سبَق أن تكلمتُ في تحصيل لذَّة تلاوة القُرآن، ولخصتُ كلام الغزالي.

محمود العشري

كاتب له عدد من الكتابات في المواقع الإسلامية

المقال السابق
(24) اغتنام يوم الجمعة
المقال التالي
(26) بناء المساجِد