بحث فقهي عن المزارعة - (3) أحكام المزارعة والـخـاتـمـة

منذ 2018-02-13

هكذا فقد بيـنـت "بعون الله تعالى" في سـطور هـذا الـبحـث مواضيع تعنى بمبحث المزارعة في الفقه الإسلامي..

خامساً: حكم المزارعة:

حكمها عند الأئمة:

حكم المزارعة عند الحنفية:

مـا كـان مـن عـمـل الـمـزارعة مـمـا يـحـتـاج الـزرع إلـيـه لإصـلاحـه، كنفقة الــبـذر ومـؤنـه الـحـفـظ، فـعـلى الـمزارع لأن الـعـقـد تـنـاوله.

 

كـل مـا كان نفـقة عـلى الـزرع، كـالسماد وقلع الأعشاب والحصاد والدياس، فعلى الـعـاقـديـن عـلى قـدر نـصـيـبـهـما مـن الـنـاتـج.

 

الـنـاتـج مـن الأرض يقـسم بين العاقدين بحسب الشرط المتفق عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون عند شروطهم».

فإن لم تخرج الأرض شيئاً، فلا شيء لواحد من العاقدين على الآخر، أما إنه لا شيء للعامل، فلأنه مستأجر ببعض الخارج الناتج، ولم يوجد.

هذا بخلاف المزارعة الفاسدة: يجب للعامل أجر المثل إن لم تخرج الأرض شيئاً.

والفرق أن الواجب في العقد الصحيح هو المسمى وهو بعض الخارج، فإذا لم يوجد لم يجب شـيء.

وأمـا الــواجـب في الـمـزارعـة الـفـاسـدة فـهـو أجـر مـثـل الـعـمل في الذمة لا في الخارج، فـعـدم الـخـارج لا يـمـنـع وجـوبـه في الـذمـة.

 

عقد المزارعة هو عقد غير لازم في جانب صاحب البذر لازم في جانب العاقد الآخر.

ولا يجوز له فسخ المزارعة إلا بعذر. فـإذا امـتـنـع صاحب البذر من العمل، لم يجبر عليه.

وإن امـتـنـع الـذي لـيـس من قبله البذر، أجبره الحاكم على الـعـمـل لأنـه لا يـلحقه بالعقد ضرر، والعقد لازم بمنزلة الإجارة إلا إذا كان هناك عذر تفسخ به الإجارة، فتفسخ به المزارعة.

 

وسبب التفرقة بين العاقدين:

 أن صاحب البذر لا يمكنه تنفيذ العقد إلا بإتلاف ملكه وهو البذر، في التراب فلا يكون الشروع فيه ملزماً في حـقـه، إذ لا يـجـبـر الإنـسان عـلى إتـلاف مـلـكـه، أمـا الـعـاقد الآخـر فليس من قبله إتـلاف مـلـكـه، فـكـان الشـروع في حـقـه مـلـزمـاً.

 

الكراب (الحراثة) والسقي:

 إن تـم الاتفاق عليه أو الاشتراط يجب الوفاء به على من شرط عليه. وإن لم يـتـفـق عـلـيـه يجبر عليه العاقد بحسب الزراعة المعتادة.

 فإن كانت الأرض تسقى بماء السماء لا يجبر أحد على السقي، وإلا فعلى النحو المعتاد. فإذا قصر المزارع في عقد المزارعة الصحيحة في سـقـي الأرض حتـى هـلك الزرع بهذا السبب يضمن لوجوب الـعـمل عـليه فيها، ويضمن ضمان الأمانات بالتقصير لأن الأرض في يده أمانة، ولا يضمن في المزارعة الفاسدة.

 

تــجــوز الــزيــادة عــلى الشــــرط الــمــذكــور مــن الــخـارج الـنـاتـج، والـحـط عــنـه والـقاعـدة فـيـه هي: أنه كلما احتمل إنشاء العقد عليه، احـتـمل الزيادة وما لا فلا، والـحـط جائز في الحـالتـيـن جـمـيـعاً، كـالـزيادة في الـثـمـن في عـقـد الـبـيع.

 

فـلـو زاد الـعـامـل الـمـزارع في حصـة صـاحـب الأرض بـعـد الحصـاد، وكـان الـبـذر منه أي مـن الـعـامـل، لـم يـجـز لأن الـزيادة عـلى الأجـرة تـمـت بعد انتهاء عمل المزارعة واسـتـيـفـاء الـمـعـقـود عـلـيه وهـو الـمـنـفـعـة، وهـو لا يـجـوز، إذ لـو أنشـأ العقد بعد الـحـصـاد، لا يـجـوز، فـلا تـجـوز الـزيـادة.

 

وإن كـانت الـزيادة للـمزارع في هـذه الـحالـة مـن صـاحب الأرض، جازت لأنـهـا حط مـن الأجـرة الـمـستـحـقـة لـه، وهـو لا يـتـطـلـب قـيـام الـمـعـقـود عـلـيه.

 

فـإن كـان الـبـذر مـن صـاحـب الأرض، فــزاد في حصة المزارع بعد الـحـصـاد، فـالحكم أنـه لا تـجـوز الـزيـادة مـن الـمـالك لأنـها تـمـت بـعـد استـيـفاء المعقود عليه، وتجوز الـزيـادة مـن المـزارع لأنـها حط من الأجرة المستحقة له.

 

أمـا إن حـدثـت الـزيادة مـن كـل واحـد مـن العـاقـدين قـبل الحـصاد، فـيـجـوز.

 

لـو مـات أحـد الـمـتـعـاقـديـن قـبـل إدراك الـزرع، تـرك إلى الإدراك، ولا شيء علـى الـمـزارع لـبـقـاء عقـد الإجارة هنا بـبـقـاء الـمـدة.

 

والـخـلاصـة: يــلــتـزم صـاحـب الأرض بالـتـزامـيـن:

تسـلـيـم الأرض مـع حـقـوقـهـا الارتـفـاقـيـة.

 

وإصـلاح الأدوات الـزراعـيـة.

 

ويـلـتـزم الـعامـل الـمزارع بالتزامين آخرين:

الـعـنـايـة بـالـزراعـة وتـحـمـل نـفـقاتها المعتادة وأعـمـالـهـا الـمـعـروفـة، مـن حـراثـة وعـزق وسـقي ونـحـو ذلك.

 

والـمـحـافـظـة عـلى الأرض، وصـيـانـة الـزرع.

 

حـكـم المـزارعـة عـنـد الشـافـعـيـة:

لا تـجـوز الـمـزارعـة (الـبـذر مـن الـمـالـك) عـنـد الشــافـعـيـة إلا تـبـعـاً للـمـساقاة. ولا يـجـوز أن يـخابـر الشخـص (الـبـذر مـن الـعـامـل) تـبـعـاً للـمـساقـاة. فـإن أفــردت أرض بـالـمـزارعـة فـالـغـلة لـلـمـالك، لأنـهـا نـمـاء مـلـكـه، وعـلـيـه لـلـعـامـل أجـرة مـثـل عـمـلـه ودوابـه وآلاتـه.

 

وطـريـق جـعـل الـغـلـة لـلـطـرفـيـن الـعـاقـديـن، ولا أجـرة لأحـدهـمـا عـلـى الآخـــــر، يـحـصـل بـصـورتـيـن إذا كـان الـبذر مـن الـمـالـك:

أن يـسـتـأجـر الـمالك الـعـامـل بـنـصـف الـبـذر شـائـعـاً كـنـصـفـه أو ربـعـه مـثـلاً، أي اسـتـئـجـاراً علـى الـــشيـوع لـيـزرع لـه الـنـصف الآخـر في الأرض، ويعيره في الـوقـت نـفـسه نـصـف الأرض شـائـعـاً، فـيـقـوم الـعـامل بالـعمل في الأرض، ويقسم الـحـاصـل أو الـنـاتـج بـيـنهـما بنسبة ما ملك كل منهما من البـذر. وهذه إجارة وإعارة.

 

أن يسـتـأجـر الـمالك الـعـامـل بـنـصـف الـبـذر شـائـعـاً، ونـصـف مـنـفـعـة الأرض شـائـعـاً أيـضـاً، ليزرع له النصف الآخر من البذر، في النصف الآخر من الأرض.

 

فـيـكـون الـطـرفـان شــريـكـيـن في الـزرع عـلى الـمـنـاصـفـة، ولا أجـرة لأحـدهـمـا على الآخـر لأن الـعـامـل يـستـحـق في مـنـفـعة الأرض بـقـدر نـصـيـبـه مـن الـزرع، والمالك يسـتـحـق مـن مـنـفـعـة الأرض بـقـدر نـصـيـبـه مـن الـزرع. وهذه إجارة.

 

فـــإن كــان الـــبـــذر مـــن الـعـامـل: اســتـأجـر مـن الـمـالك جـزءاً شـائـعـاً مـعـيـنـاً مـن الأرض كـالـنـصـف بـنـصف شــائـع مـن الـبـذر وبـعـملـه في الـنـصـف الآخـر مـنها أو يـسـتـأجـر نـصـف الأرض بـنـصـف الـبـذر، ويـتـبـرع بـالـعـمـل في الـنـصف الآخر. فـيـمـلك كـل مـنـهـمـا مـن الـغـلـة بـنـسبـة مـا مـلـك مـن الـبـذر ومـنـفـعـة الأرض.[45]

 

حكم المزارعة الفاسدة:

حـكم المـزارعـة الفاسدة عـنـد الحنـفـية:[46]

لا يـجـب عـلـى المزارع شيء من أعمال المزارعة لأن إيجابه بالعقد وهو لم يصح.

 

الناتج لصاحب البذر، سواء أكان رب الأرض أم المزارع لأن الـخـارج اســتـحـقـه بسـبب كـونه نماء ملكه، لا بالشـرط. ويـتـفـق الـمـالـكـيـة والـحـنـابـلـة مـع الـحـنـفـيـة في هـذا الـحـكـم.

 

إذا كـان الـبـذر مـن صـاحـب الأرض، استـحـق الـمـزارع بسـبـب فـسـاد الــمزارعة أجـر مـثـل عـمـله. وإذا كـان الـبـذر مـن الـعـامـل، كـان عـلـيـه لـصاحـب الأرض أجر مـثـل أرضـه لأن الـعـقـد في الـحـالـتـيـن يـكـون اسـتـئـجـاراً.

 

الحالة الأولى: يـطـيـب الـخـارج كـله لـصـاحـب الأرض لأنـه نماء مـلـكـه.

 

الحالة الثانية: لا يـطـيـب كـل الـخـارج لـلـمزارع، وإنـمـا يـأخـذ مـنـه قـدر بـذره وقـدر أجـر مـثـل الأرض، ويـتـصـدق بـالـزائـد.

 

يــجــب أجــر الــمــثــل في الــمـزارعـة الـفــاســـــــدة، وإن لــم تــخــرج الأرض شـيــئـاً، بـعـد أن اســتـعـمـلـهـا الـمـزارع لأن الـمـزارعـة عـقد إجـارة، والأجـرة في الإجـارة الـفاســدة لا تـجـب إلا بـحـقـيـقة الاســتـعـمـال، أمـا في المزارعة الصحيحة فلا يـجـب شــــيء عـلى أحـدهـمـا إذا لـم تـخـرج الأرض شــــيــئاً.

 

يـجـب أجـر الـمـثل في الـمـزارعـة الـفـاســـــــــــدة مـقـدراً بـالـمسـمـى عـنـد أبـي حـنـيفة وأبـي يـوســـــف، عـــمــلاً بــرضــا الــطــرفــيـن ورعــايــــــة لـلـجـانـبـيـن بــالــقــدر الـمـمـكـن، وقـد رضـي الـعـامـل ســـلـفـاً بســــقـوط الـزيـادة. وعـنـد مـحـمـد: يـجـب أجـر المـثل تـامـاً مـهـمـا بـلـغ، إذ هـو قـدر قـيـمـة الـمـنـافع المستـوفـاة، وقـد استـوفـى مـنـافـعه بعقد فاسد، فيجب عليه قيمتها، إذ لا مثل لها.

 

سادساً: ما يفسخ به عقد المزارعة:[47]

ينفسخ عقد المزارعة:

العذر الاضطراري.

بصريح الفسخ ودلالته.

بانقضاء المدة.

بموت أحد المتعاقدين.

باستحقاق الأرض.

 

أولاً: العذر الاضطراري الذي يحول دون مضي العقد: فإما أن يرجع إلى صاحب الأرض، وإما أن يعود إلى المزارع.

 

العذر الذي يرجع إلى صاحب الأرض: فهو الدين الفادح الذي لا يستطيع صاحب الأرض قضاءه إلا من ثمنها، فلو كان عليه دين كهذا، بيعت الأرض لسداد هذا الدين وفسخ عقد المزارعة إذا أمكن فسخه، بأن كان قبل زراعة الأرض، أو بعدها ولكن الزرع بلغ الحصاد، لأنه لا يمكن لرب الأرض المضي في العقد إلا بضرر يلحقه فلا يلزمه تحمله، فيبيع القاضي الأرض بدينه أولاً، ثم يفسخ عقد المزارعة، ولا تنفسخ بنفس العذر.[48]

 

أما إذا لم يمكن الفسخ بأن كان الزرع بقلاً، فإن الأرض لا تباع في الدين ولا ينفسخ العقد إلا بعد بلوغ الزرع الحصاد، نص على ذلك الحنفية، لأن في البيع في هذه الحالة إبطال حق المزارع، وفي الانتظار إلى وقت الحصاد تأخير حق صاحب الدين، وفيه رعاية للجانبين فكان أولى.

 

فإذا كان صاحب الأرض محبوساً بالدين فإنه يطلق من حبسه إلى غاية إدراك الزرع، لأن الحبس جزاء الظلم وهو المطل وهو غير مماطل قبل الإدراك، لكونه ممنوعاً عن بيع الأرض شرعاً والممنوع معذور، فإذا أدرك الزرع فإنه يرد إلى الحبس مرة أخرى ليبيع أرضه ويؤدي دينه بنفسه، وإلا فيبيع القاضي.

 

العذر الذي يرجع إلى المزارع: وأما الذي يرجع إلى المزارع فنحو المرض الشديد، لأنه معجز عن العمل، ونحو السفر البعيد، لأنه قد يكون في حاجة إليه، ونحو تركه حرفته إلى حرفة أخرى، لأن من الحرف ما لا يغني من جوع فيكون في حاجة إلى الانتقال إلى غيرها، نص على ذلك الحنفية.[49]

 

ثانياً: فسخ المزارعة صراحة أو دلالة:

باللفظ الصريح:

وهو ما يكون بلفظ الفسخ أو الإقالة، لأن المزارعة مشتملة على الإجارة والشركة، وكل واحد منهما قابل لصريح الفسخ والإقالة.

 

الدلالة: فكأن يمتنع صاحب البذر عن المضي في العقد لعدم لزومه في حقه قبل إلقاء البذر في الأرض، فكان بسبيل من الامتناع عن المضي فيه بدون عذر ويكون ذلك فسخاً منه دلالة، نص على ذلك الحنفية.[50]

 

ثالثا: انقضاء المدة: إذا انقضت المدة المحددة لعقد المزارعة فسخ العقد لأنها إذا انقضت فقد انتهى العقد وهو معنى الانفساخ، نص على ذلك الحنفية.

 

رابعاً: موت أحد المتعاقدين: ذهب الحنفية إلى أن المزارعة تفسخ بموت أحد المتعاقدين سواء صاحب الأرض أو المزارع، وسواء أكانت الوفاة قبل زراعة الأرض أم كانت بعدها، وسواء أكان الزرع بقلاً أم بلغ الحصاد.

 

ووجه ذلك أن العقد أفاد الحكم للعاقد خاصة دون وارثه، لأنه عاقد لنفسه، والأصل أن من عقد لنفسه بطريق الأصالة فإن حكم تصرفه يقع له لا لغيره إلا لضرورة.

 

وذهب الحنابلة إلى ذلك أيضاً وقالوا: إن على ورثة المزارع متابعة العمل إذا كان المزارع هو المتوفى، وكان الزرع قد أدرك، ولكنهم لا يجبرون على ذلك، وقالوا: هذا ما لم يكن المزارع مقصوداً لعينه، فإن كان مقصوداً لعينه لم يلزم ورثته ذلك.[51]

 

خامساً:

استحقاق أرض المزارعة: إذا استحقت أرض المزارعة قبل زراعتها أخذها المستحق وفسخ العقد، ولا شيء للعامل على الذي دفعها إليه ليزرعها، حتى ولو كان عمل فيها بعض الأعمال التي تسبق الزرع كالحرث والتسوية والتسميد بالسماد.

 

ولو استحقت بعد الزرع وقبل الحصاد أخذها المستحق وأمرهما أن يقلعا الزرع، وخُير المزارع بين أخذ نصف الزرع على حاله، ويكون النصف الآخر للذي دفع إليه الأرض مزارعة، وبين تضمين الذي دفع الأرض نصف قيمة الزرع نابتاً وترك له الزرع كله.

 

ويضمن المستحق نقصان الأرض للزارع خاصة، ثم يرجع به على الذي دفع الأرض إليه في قول أبي يوسف الآخر، وفي قوله الأول "وهو قول محمد بن الحسن" إن شاء ضمن الدافع وإن شاء ضمن الزارع، فإن ضمن الزارع رجع به على الدافع، لأنه هو الذي غره فكان الضمان عليه.[52]

 

سادساً: الآثار المترتبة على الفسخ:[53]

الفسخ إما أن يكون قبل زرع الأرض، وإما أن يكون بعده.

 

الفسخ قبل الزرع:

إذا كان الفسخ قبل الزرع فإن العامل لا يستحق شيئاً، أياً كان سبب الفسخ أي سواء أكان بصريح الفسخ أم كان بدلالته، وسواء كان بانقضاء المدة أو بموت أحد المتعاقدين.

 

ووجه ذلك:

أن أثر الفسخ يظهر في المستقبل بانتهاء حكمه لا في الماضي، فلا يتبين أن العقد لم يكن صحيحاً، والواجب في العقد الصحيح هو الحصة المسماة، وهي بعض نماء الأرض، ولم يوجد هنا شيء، فلا يجب للعامل أي شيء.

 

وقيل: إن عدم الوجوب هو حكم القضاء. فأما ديانة فالواجب على صاحب الأرض إرضاء العامل فيما لو امتنع الأول عن المضي في العقد قبل الزراعة، ولا يحل له ذلك شرعاً، لأنه يشبه التغرير وهو حرام.

 

الفسخ بعد الزرع:

أما إذا كان الفسخ بعد ما زرعت الأرض، فإن هذا الفسخ إما أن يكون بعد إدراك الزرع، وإما أن يكون قبل ذلك.

الحالة الأولى: الفسخ بعد إدراك الزرع وبلوغه مبلغ الحصاد، فإن النماء يقسم بين صاحب الأرض والمزارع حسب النسبة المتفق عليها بينهما.

 

الحالة الثانية: الفسخ قبل الإدراك بأن كان لا زال بقلاً، فإن الزرع يقسم بينهما حسب النسبة المتفق عليها بينهما كالحالة الأولى.

وذلك إذا كان الفسخ صريحاً أو دلالة أو بانقضاء المدة، لأن الزرع بينهما على الشرط، والعمل فيما بقي إلى وقت الحصاد عليهما، وعلى المزارع أجر مثل نصف الأرض لصاحبها.

 

ووجه قسمة الزرع بينهما:

أن انفساخ العقد يظهر أثره في المستقبل لا في الماضي، فبقي الزرع بينهما على ما كان قبل الانفساخ، ووجه كون العمل عليهما معاً فيما بقي إلى وقت الحصاد أنه عمل في مال مشترك لم يشترط العمل فيه على واحد منهما، فوجب عليهما معاً.

 

أما وجه وجوب أجر مثل نصف الأرض على المزارع: فهو أن العقد قد انفسخ وفي القلع ضرر بالمزارع، وفي الترك بغير أجر ضرر بصاحب الأرض فكان الترك بنصف أجر المثل رعاية للجانبين.

 

وإن أنفق أحدهما بدون إذن الآخر وبغير أمر من القاضي كان متطوعاً، ولو أراد صاحب الأرض أن يأخذ الزرع بقلاً لم يكن له ذلك، لأن فيه إضراراً بالمزارع.

 

أما لو أراد المزارع أخذه بقلاً، فإنه يكون لصاحب الأرض ثلاثة خيارات:

الأول: قلع الزرع وقسمته بينهما.

 

الثاني: إعطاء المزارع قيمة نصيبه من الزرع وتركه في الأرض حتى يبلغ الحصاد.

الثالث: الإنفاق على الزرع من ماله لخاص، ثم يرجع على المزارع بحصته، لأن في ذلك رعاية للجانبين.

 

نص على كل ذلك الحنفية، هذا إذا كان الفسخ صريحاً أو دلالة أو بانقضاء المدة.

 

أثر موت أحد العاقدين:

إذا كان الفسخ بموت أحد المتعاقدين، فقد فرق الحنفية في ذلك موت صاحب الأرض:

إذا مات صاحب الأرض والزرع ما زال بقلاً، فإن الأرض تترك في يد المزارع حتى وقت الحصاد، ويقسم الخارج بينه وبين ورثة صاحب الأرض على حسب الشرط المتفق عليه بين المزارع وبين صاحب الأرض.

 

ووجه ذلك عندهم:

أن في الترك إلى هذا الوقت نظراً ورعاية للجانبين، وفي القلع إضراراً بأحدهما وهو المزارع، ويكون العمل على المزارع خاصة لبقاء العقد تقريراً حتى الحصاد دفعاً للضرر عنه.

 

موت المزارع:

أما إذا كان الذي مات هو المزارع، وكان الزرع لا يزال بقلاً، فإنه يكون لورثته الحق في الحلول محل مورثهم في العمل بنفس الشرط الذي تم بينه وبين صاحب الأرض، سواء رضي ذلك الأخير أم أبى، لأن في قلع الزرع إضراراً بهم ولا ضرر على صاحب الأرض من ترك الزرع إلى وقت الحصاد، بل قد يكون في تركه فائدة له.

 

وإذا ترك الزرع تحت أيدي الورثة لا أجر لهم على عملهم، لأنهم يعملون على حكم عقد مورثهم تقديراً، فكأنه يعمل هو، وإذا عمل هو كان عمله بدون أجر، فكذلك يكون عملهم.

وإن أراد الورثة قلع الزرع لم يجبروا على العمل، لأن العقد ينفسخ حقيقة، ولكنه بقي تقديراً باختيارهم نظراً لهم حتى لا يضاروا من الفسخ.

 

فإن امتنعوا عن العمل بقي الزرع مشتركاً بينهم وبين صاحب الأرض على الشرط، وكان لصاحب الأرض نفس الخيارات الثلاثة السابقة.

وهي:

- قسمة الزرع بينهم بالحصص المتفق عليها.

 

- إعطاء الورثة قدر حصتهم من الزرع بقلاً.

 

- الإنفاق على الزرع من مال نفسه إلى وقت الحصاد، ثم يرجع عليهم بحصتهم، لأن فيه رعاية للجانبين.

 

سابعاً:

الاختلاف حول شرط الأنصباء أو صاحب البذر:

إذا مات صاحب الأرض أو المزارع أو ماتا جميعاً، فاختلف ورثتهما أو اختلف الحي منهما مع ورثة الآخر، فإن اختلفا في:

شرط الأنصباء، فإن القول يكون قول صاحب البذر مع يمينه إن كان حياً، أو ورثته إن كان ميتاً. نص على ذلك الحنفية.

لأن الأجر يستحق عليه بالشرط، فإذا ادعى عليه زيادة في المشروط (وأنكرها هو) كان القول قوله مع يمينه إن كان حياً، وإن كان ميتاً فورثته يخلفونه، فيكون القول قولهم مع أيمانهم بالله على عملهم، والبينة بينة الآجر، لأنه يثبت الزيادة ببينة.

وإن اختلفوا في صاحب البذر من هو؟ كان القول قول المزارع مع يمينه إن كان حياً، وقول ورثته مع أيمانهم إن كان ميتاً.

 

ووجه ذلك: أن الخارج في يد المزارع أو في يد ورثته، فالقول قول ذي اليد مع اليمين عند عدم البينة، والبينة بينة رب الأرض، لأنه خارج محتاج إلى الإثبات بالبينة.

 

ولو كانا حيين فاختلفا، فأقام صاحب الأرض البينة أنه صاحب البذر، وأنه شرط للمزارع الثلث، وأقام المزارع البينة أنه هو صاحب البذر، وأنه شرط لصاحب الأرض الثلث، فالبينة بينة رب الأرض، لأنه هو الخارج المحتاج إلى الإثبات بالبينة. وإن علم أن البذر من قبل رب الأرض وأقاما البينة على الثلث والثلثين فالبينة بينة المزارع، لأنه يثبت الزيادة ببينة.[54]

 

الـخـاتـمـة:

وهكذا فقد بيـنـت "بعون الله تعالى" في سـطور هـذا الـبحـث مواضيع تعنى بمبحث المزارعة في الفقه الإسلامي، تـلـك المـسـألة الـفـقهـية الـتـي شُـرعـت للـتوسـيـع عـلى الـنـاس، ونـشـر الـتـعـاون بـيـنـهـم، رحـمـةً بـهـم.

 

فاستعرضت فيه مـفـهـومـهـا حـيـث أنـهـا شــركـة في الـزرع، بـيـن طـرف يـقـدم الأرض، وطـرف يـقدم الـعـمل الـزراعي، وبـيـنـت شـروطـهـا، ومـدتهـا وركـنهـا، وأحكـامـهـا الــشرعيـة بـيـن جـوازها بـمـفردهـا، وبـيـن إلحـاقـها بالـمـسـاقـاة تـبـعاً لأدلـة الـفـقـهاء في ذلك، ومـا يـتـرتـب عـلـيها إذا فـسـدت، وأقـوال الـفـقـهـاء وشــروطـهـم واخـتـلافـاتـهـم فـيـهـا، ثم أحكام فسخها والآثار المترتبة عليها. علماً أن عملي في هذا البحث جمع الأحكام وأقوال العلماء من الكتب فيه فقط. أرجــو الله عـز وجـل أن يـجـعـل فـيـه الـخـيـر الـوافر لطلاب العلم إنـه كـريـم رحـيـم مجيب. والـحـمـد لله رب الـعـالـمـيـن.

 

بقلم/ فراس السقال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[45] تحفة المحتاج - ابن حجر الهيتمي - ص111/ج6.

[46] بدائع الصنائع - الكاساني- ص183/ج6.

[47] الموسوعة الفقهية الكويتية - ص76/ج37.

[48] بدائع الصنائع - الكاساني - ص183/ج6.

[49] المرجع السابق.

[50] المرجع السابق.

[51] المرجع السابق.

[52] المبسوط - السرخسي - ص54/ج23.

[53] الموسوعة الكويتية - ص79/ج37.

[54] الموسوعة الكويتية- ص79/ج37.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع والمصادر:

الإقـنـاع في مـسائـل الإجماع - الحافظ أبي الحسن علي بن القطان الفاسي - دار القلم - ط 1

بدائع الصنائع - الكاساني - دار الكتب العلمية.

تحفة المحتاج - ابن حجر الهيتمي - المكتبة التجارية الكبرى بمصر.

حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - محمد بن احمد الدسوقي المالكي - دار الفكر

حاشية الصاوي على الشرح الصغير - أحمد بن أحمد الخلوتي - دار المعارف.

درر الحكام شرح غرر الأحكام - محمد بن فرامرز بن علي الشهير بملا - أو منلا أو المولى - خسرو.

صحيح البخاري - دار طوق النجاة.

عمدة القاري - القرطبي - دار إحياء التراث العربي.

الفقه الإسلامي وأدلته – الدكتور وهبة الزحيلي – دار الفكر دمشق.

فــقــه الـــسـنـة – الســـيـد ســـــابـق ـ مـكـتـــبـة الـعـبـيـكات – الطبعة 22 - الرياض

فـقــه الــمـعـامــلات الـمـالـيــة - رفـيـق يـونـــــس الـمـصـري - دار الـقـلم دمشق - ط 2

فــقــه الــمـعـامـلات الـمـاليـة المقارن - الدكتور علاء الدين الزعتري - دار العصماء - ط 1

الـفـقــه عــلى الـمـذاهــب الأربـعـة - عـبـد الـرحــمـن الـجزيري - دار الحديث - القاهرة

الفواكه الدواني على رسالة بن أبي زيد - محمد بن غانم النفراوي - دار الفكر.

القاموس الفقهي لغة واصطلاحاً –دار الفكر. ط2

قـــامـــــــــوس الـمـصـطـلـحـات الاقتصادية – محمد عمارة – دار الشروق بيروت – ط ا1

الكافي في فقه الإمام احمد - ابن قدامة المقدسي - دار الكتب العلمية.

كشف القناع على متن الإقناع - منصور بن يونس البهوتي - دار الكتب العلمية.

لسان العرب– دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي. بيروت ط3

المبدع شرح المقنع - ابن مفلح - دار الكتب العلمية - بيروت

المبسوط - السرخسي - دار المعرفة بيروت.

المعجم الأوسط - الطبراني - دار الحرمين القاهرة.

مغني المحتاج - الخطيب الشربيني - دار الكتب العلمية.

الموسوعة الفقهية الكويتية- مـطـابـع دار الــصـفـوة - مـصـر - ط 1.

المقال السابق
(2) مشروعية المزارعة وفضلها واقوال العلماء فيها