كلمات في الولاء والبراء

منذ 2011-05-16

{ولَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ}


من الانحرافات الظاهرة التـي تـبـدو طافية على السطح في مثل هذه الأيام ما نسمعه ونقرؤه من نشاط محموم ومكثف من أجل إقـامــة (الـســلام) مع يهود، وإنهاء الصراع معهم في ظل الوفاق الدولي، ومن جانب آخر نشاهد كثرة ما يـعـقــد فـي الساحة من مؤتمرات وملتقيات للتقارب بين الديانات، والحوار والزمالة - بالذات - بين الإســلام والـنـصرانية، وتلحظ عـلـى هؤلاء المشاركين في تلك المؤتمرات ممن يحسبون من أهل الإسلام هزيـمـة بالـغـة فـي نـفــوسهم، وحبًّا للدعة والراحة، وكرهًا للجهاد وتوابعه، فالإسلام دين السلام والوئـام و(التعايش السلمي)، حتى قال أحدهم: «هيئة الأمم المتحدة تأخذ بالحل الإسلامي لمعالـجـة المشكلات التي تواجه الإنسانية» [1]، كما تلمس من كلامهم استعدادًا كاملاً للارتــمـــاء في أحضان الغرب، فضلاً عن جهلهم المركب بعقيدة الإسلام الصحيح ومن أهمها عـقــيـدة الولاء والبراء.


وهذه المكائد والمخططات - عمومًا - حلقة من حلقات سابقة تستهدف القـضـاء على عقيدة البراءة من الكفار وبغضهم، إضافة إلى كيد المبتدعة من الباطنيين وأشـباههم، ومع هذه الحملة الشرسة والمنظمة من أجل "مسخ" عقيدة البراء فإنك ترى - في الوقت نفسه - الفرقة والشحناء بين الدعاة المنتسبين لأهل السنة، ولأجل هذا وذاك، أحـبــبت أن أؤكد على موضوع الولاء والبراء من خلال النقاط التالية:

1- إن الولاء والبراء من الإيمان، بل هو شرط من الإيمان، كما قال سبحانه: {تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ . ولَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } [المائدة:80-81].
يقول ابن تيمية عن هذه الآية: «فذكر جملة شرطية تقتضي أن إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف "لو" التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط فقال: {ولَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ } فدل ذلك على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، لا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء، ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي، وما أنزل إليه» [من كتاب الإيمان ص 13].

والولاء والبراء أيضًا أوثق عرى الإيمان، كما قال صلى الله عليه وسلم: «أوْثَقُ عُرَى الإيمَانِ الحُبُّ فِي اللهِ والبُغْضُ فِي اللهِ» [رواه أحمد والحاكم].

يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد، أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله، ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء، لم يكن فرقانًا بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» [من رسالته أوثق عرى الإيمان ص 38].

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: « أُبَايِعُكَ عَلَى أنْ تَعْبُدَ اللهَ وتُقِيمَ الصَّلاةَ وتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وتُنَاصِحَ المُسْلِمِينَ وتُفَارِقَ المُشْرِكِينَ » [رواه النسائي وأحمد].

وتأمل معي هذه العبارة الرائعة التي سطرها أبو الوفاء بن عقيل [ت 513 هـ]:

«إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، عاش ابن الراوندي والمعري عليهما لعائن الله ينظمون وينثرون كفراً، وعاشوا سنين، وعظمت قبورهم، واشتريت تصانيفهم، وهذا يدل على برودة الدين في القلب» [من الآداب الشرعية لابن مفلح 1/268].


2- الولاء معناه المحبة والمودة والقرب، والبراء هو البغض والعداوة والبعد، والولاء والبراء أمر قلبي في أصله، لكن يظهر على اللسان والجوارح، فالولاء لا يكون إلا لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين كما قال سبحانه: {إنَّمَا ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة:55]، فالولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم لإيمانهم، ونصرتهم، والإشفاق عليهم، والنصح لهم، والدعاء لهم، والسلام عليهم، وزيارة مريضهم وتشييع ميتهم ومواساتهم وإعانتهم والسؤال عن أحوالهم، وغير ذلك من وسائل تحقيق هذا الولاء.

والبراءة من الكفار تكون: ببغضهم - دينًا - وعدم بدئهم بالسلام وعدم الـتـذلـل لـهم أو الإعجاب بهم، والحذر من التشبه بهم، وتحقيق مخالفتهم - شرعاً - وجهادهم بالـمال واللسان والسنان، والهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام [2]، وغير ذلك من مقـتضيـات البراءة منهم [3].


3- أهل السنة يرحمون الخلق ويعرفون الحق، فهم أحسن الناس للناس، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، وهم في وئام تام، وتعاطف وتناصح وإشفاق كالجسد الواحـــد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، حتى قال أحد علمائهم وهو أيوب السَّخِتْياني: «إنه ليبلغني عن الرجل من أهل السنة أنه مات، فكأنما فقدت بعض أعضائي» [4].

ولذا قال قوّام السنة إسماعيل الأصفهاني: «وعلى المرء محبة أهل السنة في أي مــوضــع كانوا رجاء محبة الله له، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي للمُتَحَابِّينَ فِيَّ، والمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، والمُتَلاَقِينَ فِيَّ » [رواه مالك وأحمد]، وعـلـيه بغض أهل البدع في أي موضع كانوا حتى يكون ممن أحب في الله وأبغض في الله» [المرجع السابق 2/501].
ولا شك أن هذا الولاء فيما بين أهل السنة، إنما هو بسبب وحدة منهجهم، واتــحـــاد طريقتهم في التلقي والاستدلال، والعقيدة والشريعة والسلوك.


4- الكفار هم أعداؤنا قديمًا وحديثًا سواء كانوا كفارًا أصليين كاليهود والنصارى أو مرتدين، قال تعالى: { لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران 28].

يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: «نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الـكـفـار وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك فقال تعالى: { ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} أي ومن يرتكب نهي الله في هذا فهو بريء من الله، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِـينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا} [النساء:144]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ } [المائدة:51]» [تفسير ابن كثير 1/ 357].


فهذه حقيقة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، وهي أن الكفار دائمًا وأبدًا هم أعداؤنا وخصومنا، كما قرر ذلك القرآن في أكثر من موضع، فقد بين الله سبحانه وتعالى هذه الحقيقة فقال سبحانه عنهم: { لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً } [التوبة:10]، وقال تعالى: { مَا يَوَدُّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلاَ المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ } [البقرة:105]، وقال سبحانه: { ودَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم } [البقرة:109]، هكذا حذر الله تعالى من الكفار: { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} [الملك:14]، ولكي يطمئن قلبك، فانظر إلى التاريخ في القديم والحديث، وما فعله الكفار في الماضي وما يفعلونه في هذه الأيام، وما قد سيفعلونه مستقبلاً.

ورحم الله ابن القيم عندما عقد فصلاً فقال: «فصل في سياق الآيات الدالة على غش أهل الذمة للمسلمين وعداوتهم وخيانتهم وتمنيهم السوء لهم، ومعاداة الرب تعالى لمن أعزهم أو والاهم أو ولاَّهم أمر المسلمين» [أحكام أهل الذمة 1/238].


5- إن الناس في ميزان الولاء والبراء على ثلاثة أصناف، فأهل الإيمان والصلاح يجب علينا أن نحـبـهـم ونـوالـيـهم، وأهل الكفر والنفاق يجب بغضهم والبراءة منهم، وأما أصحاب الشائبتين ممن خلطوا عـمـلاً صالحًا وآخر سيئًا، فالواجب أن نحبهم ونوليهم لما سهم من إيمان وتقوى وصلاح، وفي الوقت نفسه نبغضهم ونعاديهم لما تلبسوا به من معاصٍ وفجور، وذلك لأن الولاء والبراء من الإيمان، والإيمان عند أهل السنة ليس شيئًا واحدًا لا يقبل التبعيض والتجزئة، فهو يتبعض لأنه شعب متعددة كما جاء في حديث الصحيحين في شعب الإيمان «الإيمَانُ بِضْعُ وَسِتُّونَ شُعْبَةً أعْلاَهَا قَوْلُ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وأدْنَاهَا إمَاطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ»، والأحاديث في ذلك كثيرة معلومة، فإذا تقرر أن الإيمان شعب متعددة ويقبل التجزئة، فإنه يمكن اجتماع إيمان وكفر - غير ناقل عن الملة - في الشخص الواحد ودليله قوله تعالى: { وإن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا } [الحجرات:9]، فأثبت الله تعالى لهم وصف الإيمان، مع أنهم متقاتلون، وقتال المسلم كفر كما في الحديث: « سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وقِتَالُهُ كُفْرٌ » [رواه البخاري، حديث صحيح]، وفي الـحديث الآخر يقول صلى الله عليه وسلم: « لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » [الألباني بإسناد صحيح]، فدل ذلك على اجتماع الإيمان والكفر - الأصغر - في الشخص الواحد.

يقول ابن تيمية: «أما أئمة السنة والجماعة، فعلى إثبات التبعيض في الاسم والحكم، فيكون مع الرجل بعض الإيمان، لا كله، ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما معه، كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه، وولاية الله بحسب إيمان العبد وتقواه، فيكون مع العبد من ولاية الله بحسب ما معه من الإيمان والتقوى، فإن أولياء الله هم المؤمنون المتقون، كما قال تعالى: {أَلاَ إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس:62]، {الَّذِينَ آمَنُوا وكَانُوا يَتَّقُونَ } [يونس:63]» [الأصفهانية ص 144].


6- موالاة الكفار ذات شعب متعددة، وصور متنوعة، وكما قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله: «مسمى الموالاة يقع على شعب متفاوتة، منها ما يوجب الردة وذهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات» [الدرر السنية 7/159].

ويقول أيضًا: «ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والركون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة، والأول هو الأصل عند الأصوليين، والثاني لا يحمل الكلام عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية، وإنما يعرف ذلك بالبيان النبوي وتفسير السنة...»، إلى أن قال: «فقوله تعالى: { ومَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ} قد فسرته السنة وقيدته وخصته بالموالاة المطلقة، العامة» [مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 3/7-10].

فمن شعب موالاة الكفار، التي توجب الخروج من الملة، مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين كما قال سبحانه: { ومَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة:51].

ومنها عدم تكفير الكفار أو التوقف في كفرهم أو الشك فيه، أو تصحيح مذهبهم
[انظر الشفا لعياض 2/1071]، فما بالك بحال من يدافع عنهم ويصفهم بأنهم إخواننا في الإنسانية - إن كانوا ملاحدة أو وثنيين - أو "أشقاؤنا" - إن كانوا يهوداً أو نصارى - فالجميع في زعمهم على ملة إبراهيم عليه السلام.


7- يقع خلط ولبس أحيانًا بين حسن المعاملة مع الكفار - غير الحربيين - وبغض الكفار والبراءة منهم، ويتعين معرفة الفرق بينهما، فحسن التعامل معهم أمر، وأما بغضهم وعداوتهم فأمر آخر، وقد أجاد القرافي في "الفروق" عندما فرَّق بينهما قائلاً: «اعلم أن الله تعالى منع من التودد لأهل الذمة بقوله {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الحَقِّ } [الممتحنة:1]، فمنع الموالاة والتودد، وقال في الآية الأخرى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ} [الممتحنة:8]، فلابد من الجمع بين هذه النصوص، وأن الإحسان لأهل الذمة مطلوب، وأن التودد والموالاة منهي عنهما، وسر الفرق أن عقد الذمة يوجب حقوقًا علينا لهم لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا وذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام، وقد حكى ابن حزم الإجماع - في مراتبه - على أن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، فيتعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على موادات القلوب ولا تعظيم شعائر الكفر، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع، وصار من قبل ما نهي عنه في الآية وغيرها، ويتضح ذلك بالمثل، فإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا والقيام لهم حينئذ ونداؤهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شأن المنادى بها، هذا كله حرام، وكذلك إذا تلاقينا معهم في الطريق وأخلينا لهم واسعها ورحبتها والسهل منها، وتركنا أنفسنا في خسيسها وحزنها وضيقها كما جرت العادة أن يفعل ذلك المرء مع الرئيس والولد مع الوالد، فإن هذا ممنوع لما فيه من تعظيم شعائر الكفر وتحقير شعائر الله تعالى وشعائر دينه واحتقار أهله، وكذلك لا يكون المسلم عندهم خادمًا ولا أجيرًا يؤمر عليه وينهى وأما ما أمر من برهم من غير مودة باطنية كالرفق بضعيفهم، وإطعام جائعهم، وإكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة، واحتمال أذيتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفًا معهم لا خوفًا وتعظيماً، والـدعاء لهم بالهداية وأن يجعلوا من أهل السعادة ونصيحتهم في جميع أمورهم، فجميع ما نفعله معهم من ذلك لا على وجه التعظيم لهم وتحقير أنفسنا بذلك الصنيع لهم، وينبغي لنا أن نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من بغضنا وتكذيب نبينا صلى الله عليه وسلم، وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا شأفتنا واستولوا على دمائنا وأموالنا، وأنهم من أشد العصاة لربنا ومالكنا عزَّ وجلَّ، ثم نعاملهم بعد ذلك بما تقدم ذكره امتثالاً لأمر ربنا» [مختصرًا من الفروق 3/14-15].


8- وإن من أعظم ثمرات القيام بهذا الأصل: تحقيق أوثق عرى الإيمان، والفوز بمرضاة الله الغفور الرحيم، والنجاة من سخط الجبار جلَّ جلالُه، كما قال سبحانه: {تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ . ولَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ولَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } [المائدة:79-80].

ومن ثمرات القيام بالولاء والبراء: السلامة من الفتن، قال سبحانه: { والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وفَسَادٌ كَبِيرٌ} [ الأنفال:73].
يقول ابن كثير: «أي إن تجانبوا المشركين، وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس وهو التباس واختلاط المؤمنين بالكافرين، فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل» [تفسير ابن كثير 2/316].

ومن ثمرات تحقيق هذا الأصل: حصول النعم والخيرات في الدنيا، والثناء الحسن في الدارين، كما قال أحد أهل العلم: «وتأمل قوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنَا لَهُ إسْحَاقَ ويَعْقُوبَ وكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا . ووَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} [مريم:49-50]، فهذا ظاهر أن اعتزال الكفار سبب لهذه النعم كلها ولهذا الثناء الجميل» - إلى أن قال: «فاعلم أن فرط اعتزال أعداء الله تعالى والتجنب عنهم صلاح الدنيا والآخرة بذلك، يدل على ذلك قوله تعالى: { وَلاَ تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ومَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} [ هود:113]» [5].


وهذا أمر مشاهد معلوم، فأعلام هذه الأمة ممن حققوا هذا الأصل قولاً وعملاً، لا زلنا نترحم عليهم، ونذكرهم بالخير، ولا يزال لهم لسان صدق في العالمين، فضلاً عن نصر الله تعالى لهم والعاقبة لهم، فانظر مثلاً إلى موقف الصديق رضي الله عنه من المرتدين ومانعي الزكاة، عندما حقق هذا الأصل فيهم، فنصره الله عليهم وأظهر الله تعالى بسببه الدين، وهذا إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يقف موقفًا شجاعًا أمام المبتدعة في فتنة القول بخلق القرآن، فلا يداهن ولا يتنازل، فنصر الله به مذهب أهل السنة وأخزى المخالفين، وهذا صلاح الدين الأيوبي رحمه الله يجاهد الصليبيين - تحقيقًا لهذا الأصل فينصره الله تعالى عليهم ويكبت القوم الكافرين، والأمثلة كثيرة.

فيجب على الدعاة إلى الله تعالى أن يحققوا هذا الأصل في أنفسهم اعتقادًا وقولاً وعملاً، وأن تقدم البرامج الجادة - للمدعوين - من أجل تحقيق عقيدة الولاء والبراء ولوازمهما، وذلك من خلال ربط الأمة بكتاب الله تعالى، والسيرة النبوية، وقراءة كتب التاريخ، واستعراض تاريخ الصراع بين أهل الإيمان والكفر القديم والحديث، والكشف عن مكائد الأعداء ومكرهم "المنظم" في سبيل القضاء على هذه الأمة ودينها، والقيام بأنشطة عملية في سبيل تحقيق الولاء والبراء كالإنفاق في سبيل الله، والتواصل واللقاء مع الدعاة من أهل السنة في مختلف الأماكن، ومتابعة أخبارهم ونحو ذلك.


__________________

1- د. معروف الدواليبي / انظر جريدة العالم الإسلامي بمكة عدد 1243، وانظر دور هيئة الأمم في إسقاط عقيدة الولاء في كتاب الجهاد للعلياني.
2- يقول القاضي أبو يعلي: «وكل دار كانت الغلبة فيها لأحكام المسلمين دون الكفر فهي دار الإسلام، وكل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام فهي دار الكفر» [المعتمد في أصول الدين ص 276].
3- انظر تفصيل ذلك في كتاب الولاء والبراء للقحطاني، وكتاب الموالاة والمعاداة للجلعود.
4- الحجة في بيان المحجة للأصفهاني (قوام السنة) 2/487
5- من كتاب منهاج الصواب في قبح استكتاب أهل الكتاب ص 52 ، وانظر أضواء البيان للشنقيطي 2/485.

 

المصدر: موقع المختار الإسلامي