حركة الحب وسكون الأصل

منذ 2018-05-15

إن من أحب الله وأحبَّه الله، أحبَّ ما يحبُّه الله، وأبغض ما يبغضه الله، ووالى من يواليه الله، وعادى من يعاديه الله. لا تكون محبة قط إلا وفيها ذلك بحسب قوتها وضعفها فإن المحبة توجب الدنو من المحبوب ومحابِّه والبعد عن مكروهاته ومتى كان مع المحبة نبذ ما يبغضه المحبوب فإنها تكون تامة.

تحكي لي إحدى الزميلات حينما كانت في بعثة في بلاد أوروبية، تقول: حينما أخرج من مكان سكني إلى الخارج وأرى الطبيعة والاشجار وأنظر إلى وجوه الناس وأشاهد الكائنات الحية. أشعر أنَّ كل شيء مختلف في بلاد الكفر، لا أحد يعرف الله هناك غيري.

 

قلت لها بل على العكس، كل الكون وكل الأشجار والكائنات تعرف الله وتعبده أكثر منك!

 

إن خرجت من منزلك فكل ما ترينه حولك هو يعبد الله بكل حركة من حركاته ولا يشذ عن هذه القاعدة إلا الكافر فهو الغريب الشاذ بكفره في الكون الواسع.

 

إن السكون هو الأصل في الكون، وكل حركة هي طارئة على السكون..

 

وأيُّ حركة في الأجسام والأجرام وكل شيء من حولنا فهي أحد ثلاثة:

 

* إما حركة طبيعية: في أصل الجسم المتحرك ولكن بدون إرادة ولا اختيار منه.

 

مثال: حركات الأعضاء داخل الجسم، ومثل حركة الشمس (والشمس تجري لمستقرٍّ لها).

 

* وإما حركة قسرية قهرية: حركة لا إرادية وليست في أصل الجسم ولا في طبيعته وهي على خلاف الأصل وهي بسبب القوة المؤثرة فيها والقاسرة. مثل صعود الحجر لأعلى عند رميه بسبب قوة خارجة عنه، فإن من طبيعته السقوط على الأرض.

 

* حركة اختيارية إرادية: فهي حركة مبدأها من المتحرك وتكون عن شعور واختيار.

 

فالحركة الطبيعية والقسرية هي حركات لا إرادية بذاتها ولكنها تابعة لإرادة غيرها.

 

إذن:

مبدأ الحركات كلها الحركة الإرادية.

 

حركة الأفلاك السماوية..

 

حركة الشمس والقمر..

 

حركة الرياح والسحاب والمطر والنبات..

 

حركة الأعضاء الداخلية اللاإرادية في أجسامنا..

 

هذه الحركات كلها قد وَكَّل الله بها الملائكة الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، ولا يملكون شيئاً إلا بأمر الله (فالمدبرات أمراً) (فالمقسمات أمراً) أفعالهم وتدبيرهم وتقسيمهم بأمرٍ من الله وحده.

 

ولقد وكلهم الله بأصناف المخلوقات وتحركاتها..

 

ولولا أمر الله للملائكة بتحريك هذه الأفلاك والأجرام السماوية وتحريك الهواء، وكل حركة في الكون لبقي الكون ساكناً لا يتحرك..

 

والملائكة تعمل بأمر الله حبًّا لله وإرادة لتنفيذ أوامره..

 

وكل حركة في الكون هي بتحريك الملائكة لها حبّاً لله وعبادة له..

 

إذن:

جميع تلك الحركات والإرادات هي محبة لله وعبادة لله، رب الأرض والسماوات..

 

الكون كله يحب الله وكل حركة هي حبٌّ وعبوديةٌ لله وحده لا شريك له.

 

الكون كله يوحِّد الله سبحانه وتعالى..

 

ولو كان هناك إله مع الله لتنازعا وفسد الكون (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدَتا).

 

وبالتالي فأصل المحبة المحمودة التي أمر الله بها وخلق الخلق لأجلها هي في عبادته وحده لا شريك له،

 

لأن معنى العبادة (غاية الحبِّ بغاية الذلِّ) وهي أصل السعادة ورأسها.

 

فأهل التوحيد الذين أحبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له لن يبقى منهم أحد في العذاب..

 

وإنَّ كل ما في القرآن هو أمرٌ بتلك المحبة ولوازمها من الأفعال، والنهي عن محبَّة ما سواه ولوازمها.

 

وفي رواية في الصحيح: (لا يجد طعم الإيمان إلا من كان فيه ثلاث: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه الا لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار).

 

وفي الصحيح عن أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين).

 

ولهذا كانت كلمة التوحيد هي أفضل الذكر كالحديث الذي في السنن: (أفضل الذكر لا إله إلا الله)

 

وما تتضمنه من العلم والمحبة هو أفضل العلوم والمحبات..

 

وبما أننا قلنا كل حركة فأصلها الحبُّ فلا بد أن يكون المحبوب مُرَاداً لذاته من كل وجه ولا يُحَبُّ لغيره..

 

حينما يحب الإنسان الأكل فلأنه يحبُّ نفسه ولأنه يحبُّ نفسه فإنه يحبُّ الأكل فحصل هنا (دَوْرٌ) وكلُّ شيءٍ في المحبوبات يُحَبُّ لغيره لا لذاته..

 

فحبُّ المال ليس لذات المال، وإنما لما يحققه للإنسان من رفاهية وما يكتسب من خلاله الجاه وغيره.

 

ولا يوجد شيءٌ يُحَبُّ لذاته من كلِّ وجهٍ (إلا الله وحده)، ولا تصلح الإلهية إلا له وحده. ولو كان معه غيره لفسد الكون (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا).

 

والإلهية هي العبادة والتأله، ويلزم من ذلك أن يكون هو الربُّ الخالق.

 

فالله خلق الكون والمخلوقات، وكل حركات الكون عرفنا أنها عبادة ومحبّة لله وإرادة تنفيذ أمره..

 

ومثلما أنه لا وجود للموجودات إلا بخلق الله لها فإذن لا صلاح لها إلاّ أن يكون كمال محبتها لله وحركتها لله..

 

إن النية وهي العمل بإرادة وجه الله هي موجودة لكل متحرك في الكون..

فكل الكون يتحرك بنية حب الله وإرادة وجهه..

فالنية موجودة لكل متحرك..

فماذا عن عمل الإنسان، وإرادته؟؟

كل إنسان له إرادته وعمله بحسبه...

 

لذلك:

لا صلاح للإنسان إلا بصلاح مقصوده ومراده، وإنَّ صلاح أعماله وحركاته بصلاح إرادته ونيته (إنما الأعمال بالنيات) وهذا يشمل كل عمل وكل نيةٍ..

 

فكل عملٍ في العالم هو بحسب نية صاحبه وليس للعامل إلا ما نواه وقصده وأحبه وأراده بعمله، وهذا على إطلاقه وعمومه وليس فيه تخصيص ولا تقييد لأي عملٍ كان.

 

والمحبة والإرادة تنقسم إلى: محبوب لله، وغير محبوبٍ لله.

 

فالأمر المحبوب لله، له آثاره: حلاوةً ولذّة وذوقاً، وهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه، وهي: (السعادة).

 

والأمر الذي لا يحبه الله، له آثاره: حزناً وبكاءً وألماً، وهي التي تجلب لصاحبها ما يضره، وهي:(الشقاء).

 

والإنسان العاقل لا يختار أن يحبَّ ما يضره ويشقيه إلا عن جهلٍ أو ظلمٍ لنفسه.

 

فإنّ النفس قد تهوى ما يضرُّها وهذا ظلمٌ منها لها.

 

وقد تكون جاهلة بحال هذا الأمر الذي اختارته لها. فقد تحبُّ شيئا ولا تعلم أن يسبب ضررها وهذا كحال من اتبع هواه بغير علم.

 

وقد يكون اختيارها لما يسبب ضررها بسبب اعتقاد فاسد وهو كحال من اتبع الظن وما تهوى نفسه وكل هذا من جهل النفس وظلمها..

 

والذي يختار هذه المحبة الضارّة، فإن هذا الاختيار لا يخلو من شبهة أو شهوة في الأصل محمودة لكن وُضِعت في غير موضعها.

 

فكل أمر يحبُّه الله ويشرِّعُه لعباده فهو نافعٌ لهم وصالحٌ لهم لأنه هو خالقهم وأعلم بحالهم،

 

وكل أمرٍ نافع وصالحٍ للناس فهو أمر مشروع لهم.

 

وكلُّ عمل لا يحبه الله فهو باطل وضارٌّ وغيرُ نافع لهم..

 

أمَّا أعمال الثقلين: الإنسُ والجنُّ. منهم من يعبد الله، ومنهم من لا يعبد الله.

 

أما الملائكة فهم عابدون لله دائماً.

 

وعرفنا أن جميع الحركات الخارجة عن مقدور الإنس والجن والبهائم فهي من أعمال الملائكة وهي عباداتٌ لله متضمنة لمحبته وإرادته وقصده. وكل المخلوقات تعبد خالقها، إلا ما كان من الثَّقلين الإنس والجنّ.

 

وليس المقصود بالعبادة هي مجرد خضوعها وقبولها لخلق الله ولتدبير الله وتصريفه لشؤونها فهذا عام لجميع المخلوقات ولا يخرج عن هذا أحدٌ حتى الكفار فلا يخرج أحد عن مشيئة الله وتدبيره.

 

وقد كان النبي يستعيذ (أعوذ بكلمات الله التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر) وهذا من عموم ربوبيته وملكه.

 

ولكل شيء من مخلوقات الله حكمة قريبة وله غاية من وجوده..

 

وهو وإن كان قد خلق ما خلق بأسباب، فهو خالق السبب والمقدر له، وليس في المخلوقات سبب مستقل بفعل بذاته ولا دفع ضرر بذاته بل كل ما هو سبب فهو محتاج إلى سبب آخر يعاونه وإلى ما يدفع عنه الضد الذي يعارضه ويمانعه. وهو سبحانه وحده الغني عن كل ما سواه.

 

وكثير من الناس نظر للسبب والحكمة القريبة الفعلية في بعض الحركات والموجودات مثل حركة القلب في الجسم وحركة الهضم والرئة وحركة الافلاك والرياح والشمس والقمر، ولكن لا يشهد الحكمة الغائية والهدف الأساسي من وجود هذه الحركة وهو عبادة ربها سبحانه وتعالى. حتى إنَّ أفعال الحيوانات وحركاتها هي عبودية لله سبحانه وتعالى.

 

والآيات في ذلك كثيره في الحكمة من وجودها وخلقها هو عبادة المخلوقات لله وتسبيحه والسجود له وهذا هو غاية حكمته.

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ)، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾، ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾.

 

فإذا علمنا مما سبق أن المحبة والإرادة أصل كل عمل وحركة.

 

وأن أعظمها محبة الله وإرادته بعبادته وحده لا شريك له؛

 

عرفنا أن "المحبة والإرادة أصل كل دين"، سواء كان صالحاً أو باطلاً.

 

والدين هو الطاعة المستمرة الدائمة يقال دينه وديدنه يعني عادته، فإذا اعتاد الإنسان عمل طاعة دائما صارت عادة وخُلُقاً له وديناً.

 

ولهذا فُسِّر الدين بالعادة والخلق. والعبادة كما عرفنا (هي غاية الحبِّ بغاية الذل)

 

وهي الدين الذي يدين به الناس في الباطن والظاهر، وسمى الله يوم القيامة يوم الدين لأنه كما روي عن ابن عباس:

 

( يوم يدين الله العباد بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر) ولا بد للدين من حب وخضوع، بخلاف طاعة الملوك فإنها تكون خضوعاً ظاهراً بلا حب.

 

إذن:

كل أعمال الانسان تتبع حبّه وبغضه، ثم تكون أعماله عادة له وخلقاً وديناً.

 

لذلك لا بد أن يكون كل طائفة من بني آدم لهم دين يجمعهم. إذ لا غنى لبعضهم عن البعض ولا أحد يستقل بجلب منفعته ودفع مضرته فلا بد من اجتماعهم. كل أعمال الانسان تتبع حبّه وبغضه، ثم تكون أعماله

 

وإذا اجتمعوا فلا بد من وجود مَطَالِبِ مشتركة مثل طلب نزول المطر وذلك لمحبتهم له وكذلك دفع المضار المشتركة.

 

لذلك فإن الأمور التي يحتاجون إليها فإنهم يحتاجون أن يوجبوها على أنفسهم، والأمور التي تضرهم يحتاجون أن يحرِّموها على أنفسهم وهذا هو (دينهم) ولا يكون الا باتفاق وتعاهد وتعاقد.

 

ولهذا جاء في الحديث: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) فهذا من الدين المشترك بين جميع ابناء ادم، من التزام واجبات ومحرمات وقد يكون اتفاقهم هذا باطلاً وفاسداً! وفيه مضرة لهم راجحة على المنفعة.

 

والدين الحق: هو طاعة الله وعبادته، وكما ذكرنا أن الدين هو الطاعة المعتادة التي صارت خلقاً.

 

وبذلك يكون المطاع محبوباً مراداً إذ أن أصل ذلك هي المحبة والارادة. وكل عملٍ لا يكون غايته إرادة الله وعبادته فهو عمل فاسد غير صالح، باطل غير حق ولا ينفع صاحبه ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾.

 

وكل دين وطاعة لا تكون لله فهي باطلة، فكل دين غير الاسلام فهو باطل.

 

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ﴾ فَذَكَرَ إسْلَامَ الْكَائِنَاتِ طَوْعًا وَكَرْهًا، لِأَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ جَمِيعَهَا مُتَعَبِّدَةٌ لَهُ التَّعَبُّدَ الْعَامَّ، فَهُمْ مسلمون له طوعا وكرها. ليس لأحد من المخلوقات خروج عما شاءه وقدره وقضاه، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو رب العالمين، ومليكهم يصرفهم كيف يشاء، وهو خالقهم كلهم وبارئهم ومصورهم، وكل ما سواه فهو مربوب، مصنوع، مفطور، فقير، محتاج، معبد، مقهور، وهو الواحد القهار الخالق البارئ المصور.

 

لا بدَّ لكل حيٍّ من محبوب هو منتهى حبه وإرادته وإليه تكون حركاته الظاهرة والباطنة وذلك هو (إلهه)

 

ولا يصلح ذلك إلا لله وحده لا شريك له.

 

ولا بدّ لكل دين وطاعة ومحبة من شيئين:

 

أحدهما: الدين المحبوب المطاع، وهو المقصود المراد.

 

الثاني: طريقة العمل التي يُعْبَد بها.. وهو السبيل، والطريق والشريعة والمنهاج والوسيلة.

 

كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعال: (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) أي أخلصه وأصوبه.

 

لذلك فإن أيُّ دين لابد أن يجمع هذين الأمرين: المعبود، والعبادة.

 

والمعبود إله واحد، والعبادة طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فهذا هو دين الله الذي ارتضاه كما قال تعالى: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا) وهو دين المؤمنين من الأولين والاخرين.

 

وكل طائفة من بني آدم لا بد لهم من دين لسببين:

 

الأول: حاجة نفوسهم إلى الإله الذي هو محبوب مطلوب لذاته ولأنه ينفع ويضر وفيه قوام قلوبهم وصلاح نفوسهم. وهي الفطرة التي فطرهم الله عليها.

 

الثاني: حاجتهم إلى التزام ما يحبونه من الحاجات ويدفعونه من المضرات.

 

فهم مشتركون في محبة الإله الذي يعبدونه ويعظمونه، ويشتركون في محبة من يبَلِّغُ عنه ما يختص به من الرسل.

 

ومحبة أوامره ونواهيه ومحبة كل ما التزموه من الواجبات هذه هي المحبة الدينية. التي تجلب مصالح الدنيا والاخرة.

 

فالحب أصل كل عمل، وأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله وحب الله أصل التوحيد العملي، وهو أصل التأليه الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له.

 

فإن العبادة أصلها أكمل أنواع المحبة مع أكمل أنواع الخضوع وهذا هو الإسلام.

 

كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله فالتصديق بالمحبة هو أصل الإيمان وهو قولٌ وعملٌ. والعباد تتفاوت قوة محبتهم (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)

 

وأعظم الذنوب عند الله الشرك به وهو سبحانه (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ).

 

وأصل الإشراك العملي بالله هو الإشراك في المحبة (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله).

 

فمحبة ما يحبه الله من الأعمال الظاهرة والباطنة وهي الواجبات والمستحبات: إذا أحببت لله كان ذلك من محبة الله ولهذا يوجب محبة الله لعبده.

 

كما في الحديث الصحيح: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)

 

كذلك محبة أسماءه وصفاته ومحبة ملائكة الله وأنبياءه وعباده الصالحين بل محبة الله تستلزم محبة مايحبه الله من الواجبات (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله).

 

والذنوب تنقص من محبة الله بقدر ذلك لكن لا تزيل المحبة لله ورسوله إذا كانت ثابتة في القلب ولم تكن الذنوب نفاق.

 

والمحبوبات المعظمة لغير الله قد أثبت الشارع فيها اسم التعبد كقوله صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش إن اعطي رضي وان منع سخط)

 

فإذا كان الإنسان مشغوفاً بمحبة بعض المخلوقات لغير الله الذي يرضيه وجوده ويسخطه عدمه كان فيه من التعبد بقدر ذلك.

 

فالإنسان له إرادة دائماً، وكل إرادة لا بد لها من مرادٍ تنتهي إليه.

 

فلا بد لكل عبد من مرادٍ محبوبٍ هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته، فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله فيكون عبداً لذلك المراد المحبوب: إمَّا الْمَالُ، وَإِمَّا الْجَاهُ، وَإِمَّا الصُّوَرُ، وَإِمَّا مَا يَتَّخِذُهُ إلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ: كَالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَالْكَوَاكِبِ، وَالْأَوْثَانِ، وَقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالصَّالِحِينَ، أَوْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ، الَّذِينَ يَتَّخِذُهُمْ أَرْبَابًا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا عَبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.

 

ولذلك أخبر الله سبحانه أن المتوكلين على الله ليس للشيطان عليهم سلطان وإنما سلطانه على الذين يتولونه والتولي من الولاية والولاية من المحبة والموافقة فالمتولُّون هم الذين يحبون ما يحبه الشيطان ويوافقه، والشياطين هم شياطين الانس والجن والعبادة فيها الرغبة والرهبة.

 

فإذا كان عباد الله المخلصون ليس للشيطان عليهم سلطان وأن سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وقد أقسم أن يغويهم إلا عباد الله المخلصين وأخبر الله أن سلطان الشيطان ليس على عباد الله بل على من اتبعه من الغاوين والغيُّ: هو اتباع الهوى والشهوات، وأصل ذلك من الحب والحب لغير الله كحب الأنداد وذلك هو الشرك.

 

فبين الله أن صاحب الإخلاص ما دام صادقا في إخلاصه فإنه يعتصم من هذا الغيِّ ومن هذا الشرك وإن الغيّ هو يضعف الإخلاص ويقوي هواه الشرك.

 

وأخيراً..

فإن من أحب الله وأحبَّه الله، أحبَّ ما يحبُّه الله، وأبغض ما يبغضه الله، ووالى من يواليه الله، وعادى من يعاديه الله. لا تكون محبة قط إلا وفيها ذلك بحسب قوتها وضعفها فإن المحبة توجب الدنو من المحبوب ومحابِّه والبعد عن مكروهاته ومتى كان مع المحبة نبذ ما يبغضه المحبوب فإنها تكون تامة.

 

بقلم/ محاسن الشرهان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

قاعدة في المحبة/ لابن تيمية.

إقامة الدليل على إبطال التحليل/ لابن تيمية.