ليست مجرّد بصمة!

منذ 2018-12-13

وبين يديّ كتاب عنوانه: بصمة حياة: سيرة وأفكار وذكريات، تأليف: عبدالله بن عبدالرّحمن العقيل عضو مؤسس بمجموعة جرير، صدرت الطّبعة الأولى منه عام 1440=2018م

 


في بلادنا مشاريع كثيرة نفاخر بها، وأشياء عديدة تجعلنا نزهو، ومن المشروعات التّجارية التي يجدر بنا معرفة قصّتها مكتبة جرير ذات الفروع والبضائع الكثيرة من الورقة إلى أعقد الأجهزة وأحدثها، فضلًا عن ترجمات كتب ملهمة ونافعة في شؤون الإدارة والتّطوير والصّحة، ولا يزال إبداعها دافقًا، وسبقها لغيرها وقيادتها للسّوق واضحًا.

وبين يديّ كتاب عنوانه: بصمة حياة: سيرة وأفكار وذكريات، تأليف: عبدالله بن عبدالرّحمن العقيل عضو مؤسس بمجموعة جرير، صدرت الطّبعة الأولى منه عام 1440=2018م، عن دار المؤلف في بيروت، ويقع في (351) صفحة من القطع المتوسط، على ورق نباتي، ويتكوّن الكتاب من إهداء ثمّ مقدّمة، فثمانية أقسام يعقبها الخاتمة فملحق بصور للذّكريات والفهرس.

جمع المؤلف أسرته القريبة وعائلته في إهدائه، وأشار في المقدّمة إلى انبثاق رغبة الكتابة لديه في زمن متأخر نوعًا ما، والكتابة نتيجة حتميّة لنهم القراءة، وكثرة التّأمل، وسعة العلاقات، وتنوّع التّجارِب، وتلك الوخزة المقدّسة تلّح على صاحبها حتى يرفع القلم فلا يضعه أبدًا.

وتحت مظلّة العائلة تحدّث عن والده بإكبار وإعجاب، حيث جمع ذلكم الرّجل المبارك العلم مع العمل، والجديّة مع الكفاح، والتّربية مع الحنان، وارتحل عن الحياة مبكرًا بعد أن خلّف وراءه قوّة ماثلة في اجتماع بنيه، وتكاتفهم، والله يزيدهم قربًا وبركة.

ويستذكر ع.ع.ع-كما كتب على الغلاف الأخير مختصرًا اسمه- مواقف والده القيميّة، وما غرسه فيهم من مثل ومكارم، وما أبقاه معهم من وصايا وآراء وبصمات، ويفيض في وصف تلكم العلاقة الدّافئة، وتكاد حروفه أن تستهلّ بالمدامع كلّما عبرت من جوار سيرة أبيه، ومسيرته، فواعجبًا من أحياء يزهدون بآبائهم!
ولوالدته نورة العبدالكريم أدام الله بقائها بعافية وإيمان تأثير كبير عليه، ولايزال المؤلّف يتصاغر بين يديّ أمّه وكأنّه لايزال في طفولته أو صباه الغض، وإنّ خفض الجناح للأم لديانة، ومروءة، وأدب كبير. ثمّ عرّج الكاتب على الأم الصّغرى وهي الأخت، وكتب من شغاف قلبه سطورًا عامرة بالرّفق، وجديرة بأن تكون مشاعة في زمن كثرت فيه الجفوة بين الأخوة والأخوات، وهنيئًا لحصّة وشاهة بأشقائهنّ، ولهم بهنّ الهناء وعذوبة الحياة.

ولم ينس المؤلف الزّوجة من سياق الحديث الأسري؛ فهي السّكن والسّلوان وشريكة أخصّ الأحوال، وعمود البيت الذي يتمنى العقلاء أن يزداد متانة بكمال التّربية، وجمال التّهيئة، وحكمة التّنظيمات، فللمرأة أماكن كثيرة بيد أنّ أسناها بيتها، وأجلّها قلب زوجها، وآمنها محيطها الأسري والعائلي.

وأفاض العقيل في البيان عن شركاء الدّم ثمّ شركاء المال وهم إخوته، وكتب عن كلّ واحد منهم بما يصف التّوقير والمحبة والتّقدير، وقد طربت كثيرًا لحديثه عن أخيه أكرم، ولتسميته سر لطيف، ولطربي سببان أوّلهما وجود اسمه في مقدّمة كتب كثيرة من إصدارات مكتبة جرير، والآخر أحتفظ فيه لنفسي!
وفي سياق الحديث عن الإخوة، انفتل نحو الجيل الجديد من أسرتهم، وكيفيّة تربية الشّبان من الجنسين وإعدادهم علميًا وعمليًا ومهاريًا، وأجد انجذابًا نحو هذا القسم المهم؛ لما يعانيه الأبناء والبنات من إهمال كبارهم، ولوجود بذرة اهتمام لديّ حول تربية الأسر العريقة لبنيها؛ حتى لا يضيع ميراث قرون وحقب متطاولة.

وفي القسم الثّاني سرد المؤلف تجربتهم في العمل التّجاري، وكيف كانت البداية الصّعبة لمشروع مكتبة جرير، ومن يرى مباني المكتبة، وفروعها، وتسويقها النّاجح، وسهمها الرّابح، قد لا يدري أنّ تكوينها بدأ بجرأة، واستقالات من الوظائف، وديون، ومشاركة بالعمل اليدوي والفكري والتّنفيذي، ومغامرة في زمن كساد الاقتصاد، وفضل الله يأتي مع فعل الأسباب، وحسن النّوايا.

ثمّ وقف مع شركائه في العمل والإخوّة، وأشار إلى بعض ضوابط المشاركة الأسريّة في التّجارة، وإدماج الجيل الجديد في الأعمال، وجعل الفصل الذي يليه للعمل الخيري، عسى أن يكون في تجربته محفّز لآخرين من ذوي اليسار، ولعلّ أفكاره العمليّة أن تتبنى من القطاعات الحكوميّة والخاصّة والخيريّة، وأشار في هذا السّياق إلى نعمة الله عليه بازدياد شغفه بالمجال الخيري، وأنسه به، وانجذاب نفسه بكلّيتها نحوه، حتى زاحم الرّغبة في التّوسع الاستثماري أو البداية بمشروع ربحي جديد، وليت الأثرياء يقتبسون من المؤلف شعلة الفرح هذه؛ فالحياة ليست مالًا فقط.

وعقد فصلًا عن الأوقاف في تاريخ المسلمين، والوقف منجز حضاري إسلامي، ومن أسف أن تأخذه أمم العالم من حضارتنا، ثمّ يصاب الوقف في بلاد المسلمين بمقتل بسبب إجراءات رسميّة بطيئة، أو فتاوى بحاجة إلى تجديد، أو خوف يسوّغ التّنظيم ولا يفسّر التّعقيد أو التّضييق، وطرح الكاتب أفكاره وصيغة وقف قابلة للتّطبيق.

ثمّ تحدث عن الوطن أرضًا وهويّة وحنينًا، وهذه خلطة ضروريّة في المفهوم الوطني، فلا تصح دعوى الوطنيّة من إنسان يخالف ثقافة بلده وهويته، أو ممّن لا يجد في قلبه حنينًا إليه إذا غادره، ومن بديع أوصاف العقيل الرّبط بين الأم والوطن، ومن فضل الله عليه أن امتلك منزلًا في المدينة النّبويّة، وأكثر التّرداد على مكة، وجاب صحاري بلادنا، وجبالها، وسهولها، وبحارها، وأوديتها، مستمتعًا بهذا التّنوع، حامدًا مولاه على الأمن والرّغد.

وللأماكن في وجدان صاحب البصمة أثر كبير، وهذه القيمة دليل على الوفاء، ويرتبط معها تفضيله للطّراز المعماري المعبّر عن تراث البلد وثقافته، واختصاصه بلدته “حرمة” بمعروفه أوّلًا ثمّ التّوسع لغيرها، ولقد هزني كثيرًا شعوره بأنّ أيّ خير يجود به إنّما هو من صنيع أبيه وثماره، ولو التفت الأبناء لهذا المعنى لأحسنوا لوالديهم ومجتمعهم.

ولحياة الإبل مكانة كبيرة لدى ابن الصّحراء، فمن علاقة منعدمة، إلى ارتباط يسير لسبب طريف، ثمّ إلى مرحلة انجذاب، فعشق وافتتان، وانغماس في شؤون الإبل تربية، وقراءة، ومعايشة، حتى لو غارت قرينته من هذا الهيام لما كانت ملومة، وإن كان سيسرها طبع الوفاء في صاحبها لدرجة احتفاظه بأشيائه القديمة، مع ارتفاع قدر من يطيل البقاء معه.

وجعل الفصل الأخير لأفكار ورؤى، ومن الملاحظ علاقته الوثيقة بالقرآن الكريم، والسّنة المطهرة، والسّيرة الشّريفة، سواء من خلال القراءة أو التّدبر واستلهام الدّروس، فضلًا عن استغراقه في التّأمل بالنّاس والمواقف والأماكن، وحتى في شروق الشّمس وغروبها، ومفاوضات البيع والشّراء.

ويستبين انفتاح الرّجل على الآخرين والثّقافات العالميّة انفتاح المعتدل المفتخر بثقافته ودينه، وهي سمة واضحة من أوّل الكتاب لآخره، كما يتجلّى احتفاؤه بالصّداقة والصّدق، وطريقته في تقسيم النّاس والمجالس والمواقف، وبناء التّصرفات ومستوى الصّراحة عليها، وأمّا جهده التّربوي السّامق مع أولاده فمدرسة نتعلّم منها.

وختم الكتاب بخلاصة تفيد أنّ هذه السّيرة والذّكريات والخواطر هي دعوة للعلم، وحثّ على العمل، ونشر لكريم الأخلاق وحميد السّجايا، وإذا كانت مكتبة جرير المترعة جمالًا ليست مجرّد مكتبة، فإنّ سيرة أحد أبطالها ليست مجرّد سيرة، وهي بصمات كثيرة، وليست مجرّد بصمة!


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض