مسارات في صناعة القرار الإيراني : المقال الأول

منذ 2019-02-06

وفي مقدمتها نبهت الباحثة إلى صعوبات جمة اكتنفت بحثها، فهناك ازدواجية بارزة في إيران أدت إلى تعدد القوى والمؤسسات، فالحرس الثوري يقابل الجيش، وخطباء الجمعة ينافسون الحكام المحليين

 

بين يدي كتاب عنوانه: صنع القرار في إيران والعلاقات العربية الإيرانية، تأليف د. نيفين عبد المنعم مسعد، نشر مركز دراسات الوحدة العربية، صدرت الطبعة الثانية منه في عام(2002م)، ويقع في (355) صفحة.

يتكون الكتاب من إهداء ومقدمة، ثم أربعة فصول فخاتمة، يتلوها ملحقان أحدهما فيه تسلسل الحياة النيابية في إيران، والثاني نص الدستور الإيراني، ثم المراجع والفهرس. وفي الإهداء تعبير حزين حيث أهدت المؤلفة الكتاب لوالدها الذي اعتادت أن تهدي إليه ما تكتبه، ولا تقوى على تغيير ما اعتادت عليه؛ مع أن والدها لم يعد يقرأ ما تكتبه، وكأنها تشير لوفاته.

وفي مقدمتها نبهت الباحثة إلى صعوبات جمة اكتنفت بحثها، فهناك ازدواجية بارزة في إيران أدت إلى تعدد القوى والمؤسسات، فالحرس الثوري يقابل الجيش، وخطباء الجمعة ينافسون الحكام المحليين، ومجلس صيانة الدستور يزاحم البرلمان، وهكذا. ومن الصعوبات أيضا الخصوصية الشديدة للنظام الإيراني، حيث لا يشابهه نظام آخر في أي دولة، ومن أبرز سمات هذه الخصوصية مؤسسة المرشد وما يتصل بها.

ومن الصعوبات أن النظام الإيراني مزيج من الديموقراطية والتسلطية، وهاتان السمتان ظاهرتان في الدستور وفي التطبيقات العملية، تلك التطبيقات التي أفرزت صعوبة جديدة تتمثل في الديناميكية الشديدة للنظام على مستوى المواقف المعلنة للقوى السياسية، وهذا أمر طبعي في كل نظام؛ بيد أنه في إيران شديد السيولة، مما يتعذر منه توقع سلوك هذا الطرف أو ذاك في المواقف المختلفة.

وبناء على ذلك؛ فقدت كثير من المصطلحات والأوصاف دلالتها الحدية في النموذج الإيراني، وعند التطبيق لا تكاد أن تجزم بمحافظة طرف أو راديكالية آخر، وربما يوصف شخص بأنه محافظ سياسياً وليبرالي اقتصادياً، فضلاً عن التداخلات الوثيقة بين التكنوقراط وأساتذة العلوم الإنسانية ورجال الدين، فالمهندس مثلا له خلفية حوزوية، وعالم الاجتماع كان معمماً قبل تفرغه لعلمه الجديد.

واشتكت الباحثة أخيراً من تعذر الحياد البحثي فيما ينشر عن إيران، لالتزام بعض الباحثين بموقف مسبق؛ مما ينغص على الروح العلمية للبحث التي يجب أن تمتاز بالاستقلالية، وإعلان النتيجة التي يسندها البحث العلمي ولو خالفت الهوى والميول.

عنوان الفصل الأول: بيئة صنع القرار في إيران، وترى المؤلفة بأن القرار الإيراني متأثر بالبيئة الداخلية والخارجية، ويمكن تحديد العوامل المؤثرة على البيئة الداخلية بما يلي:

الحدود البرية والبحرية مع الجوار العربي، وللخليج خصوصيته لأنه منفذ الاتصال بالعالم الخارجي، فضلاً عن أثره النفسي باعتباره أمواهاً فارسية خالصة في الوجدان الإيراني. ويزداد حرج الموقف مع القلق الموجود على باقي الحدود البرية الإيرانية مع أفغانستان والجمهوريات الإسلامية. ونتيجة لذلك ترفض إيران الوجود العسكري المعادي في الخليج، وتعزز من قوتها العسكرية والبحرية، وتسعى لمنع انفصال الأكراد في العراق خشية من تسرب الروح الانفصالية لداخلها المنقسم عرقياً ومذهبياً.

تداخل التاريخين العربي والفارسي خصوصاً بعد ظهور الإسلام.

وجود قوميات ومذاهب وأديان مختلفة في إيران، مع الحساسية الشديدة للأقلية العربية في عربستان حيث النفط وصناعته، والموانئ، والعاملين العرب في قطاع النفط، والجوار مع دول الخليج العربية، وبالمقابل ترتبط إيران مع شيعة الخليج باعتبارها الدولة الشيعية الوحيدة، وارتباطها من خلال مسارين هما: تصدير الثورة، ووجود المرجعيات كالخميني والشيرازي. وفي خبر التنوع القومي والديني داخل إيران يلفت النظر العلاقة الدافئة بين الملالي ويهود إيران، حتى أن خمسمائة يهودي شاركوا في استقبال الإمام الخميني يتقدمهم حاخام، وأبدوا تضجرهم من الموقف الإسرائيلي “المعلن” ضد طهران.

معاناة إيران الاقتصادية، واعتمادها على النفط والغاز، ومعاناتها من التضخم ومحدودية القطاع الخاص، والإفراط في الانفاق العسكري، وكل هذه العوامل جعلت دول الخليج موئلاً للقروض والاستثمارات؛ هذا غير مشاركة إيران معها في عضوية منظمة أوبك.

الثقافة السياسية الشيعية والفارسية وما فيها من رموز ودلالات، وعدد باحث غربي المقومات الرئيسة لهذه الثقافة بما يلي:

الخوف من الآخر.

الشعور بالاستعلاء الحضاري والعرقي.

المعاناة من الازدواجية بين القومية والدين.

قدرة الحضارة الفارسية على امتصاص الحضارات الغازية دون ذوبان.

المبالغة في الخطاب السياسي والأهداف، وقد سببت هذه المبالغة عدة مخاطر لإيران.

الاستمرارية نتيجة لما سبق.

ثم عرجت الكاتبة على البيئة الخارجية المؤثرة على صنع القرار، وقسمتها إلى إقليمية ودولية، فأما الأولى فهي تتأثر بالوضع في أفغانستان، ومسارات عملية “التسوية” العربية-الإسرائيلية، وبالعلاقات التركية الإسرائيلية. وتشمل الدولية العلاقات المضطربة مع أمريكا، وحلول روسيا كحليف بدلاً عن الأمريكان خاصة بعد إطمئنان الروس إلى امتناع إيران عن تصدير تطرفها للجمهوريات، ثم العلاقات مع دول أوروبا بنوعيها فبعضها علاقات مضطربة، وبعضها الآخر متقدمة جداً، وأخيراً العلاقات مع أفريقيا وهي أشبه بالسباق مع العالم العربي السني. ولم تذكر المؤلفة شيئاً عن الصين مع أهميتها، وختمت الفصل بالتأكيد على أهمية البيئتين وتداخلهما بسبب اشتباك المصالح، والسيولة الشديدة داخل دوائر صنع القرار الإيراني.

 

الإطار الأيديولجي والدستوري لعملية صنع القرار هو عنوان الفصل الثاني، وبدأت بالحديث عن الخميني كشخصية محورية في الثورة والدولة، ومع وجود رموز أخرى بارزة كعلي شريعتي، وطالقاني، وشريعتمداري، إلا أن الخميني تميز بمجموعة مواصفات جعلت منه رمز الثورة، ومن هذه المواصفات تعايش أفكاره مع أفكار غيره، وتاريخه في المقاومة، وشخصيته الكارزمية، وسلاسة خطابه، وفوق ذلك دور الإعلام الغربي في التركيز عليه إبان إقامته في فرنسا.

 

ثم توسعت د.نيفين في الحديث عن فكر الخميني، حيث انتقل من التوعية الفكرية إلى العمل السياسي، ومن محاولة إصلاح النظام من داخله إلى تنظيم حركة شعبية ضده، وارتبط هذا التحول في فكر الخميني بعاملين:

 

الأول: وفاة اثنين من كبار علماء الشيعة وهما آيتا الله البروجردي والكاشاني.

 

الثاني: إصدار الشاه بهلوي قانوناً جديداً في الانتخابات البلدية أجاز ترشح غير المسلم، والقسم على أي كتاب سماوي، ومنح النساء حق الترشيح والانتخاب.

 

فأصدر الخميني فتواه الشهيرة بتحريم التقية، فاعتقل على أثرها، وبعد خروجه من المعتقل تنقل من تركيا إلى العراق حتى حطت رحاله في باريس آخر الأمر.

 

ويتميز فكر الخميني السياسي بثلاثة مفاهيم أساسية وهي: الحكومة الإسلامية، والحياد، والأممية الدينية، وهي مفاهيم متناقضة إذ لا يجتمع الحياد وعدم التدخل في شؤون الآخرين مع الأممية الدينية وتصدير الثورة، وأما مفهوم الحكومة الإسلامية فيرتبط عند الخميني بتطبيق الإسلام في غيبة الإمام الثاني عشر، وبتوحيد المسلمين، وتحريرهم من الاستعمار وأذياله، وهي تعابير فضفاضة.

 

ويرى الخميني بأن الفقهاء هم الحكام الحقيقيون، وبالغ في ذلك حتى جعل لهم من القوة كما للنبي صلى الله عليه وسلم؛ بل رفع منزلتهم عن مرتبة الأنبياء في بعض المواضع من كتابه المؤثر “الحكومة الإسلامية”، وهذا مطعن قاتل في فكر الخميني، الذي جهد في تسويغ ولاية الفقيه وحشد لها الأدلة، أو تفسيراتها فيما يراه.

 

ومع أن ولاية الفقيه كانت مسألة خلافية بين علماء الشيعة أنفسهم، إلا أن عوامل تاريخية ساعدت على ترسيخها؛ وتحويلها من حيز النظرية إلى واقع التطبيق، وهذه العوامل هي: نجاح الثورة، والحاجة إلى إشراف فقهي صارم على أسلمة الحكومة والمجتمع، والرغبة في ترجمة الكفاح السياسي للمؤسسة الدينية قبل سقوط الشاة إلى نفوذ بعده.

 

وبما أن أفكار الخميني حكمت شكل النظام الإيراني، ووجهت ممارساته، فقد فرضت توتراً بين الجمهورية والأنظمة العربية الوراثية، فالنظرة للتوريث سلبية بسبب ممارسات البهلوي، ولأن الإسلام يعارض فكرة الحكم الملكي من الأساس حسب اجتهاد الإمام الخميني، وكانت هذه النظرة إطاراً للحملة العنيفة التي شنتها إيران على السعودية منذ نجاح الثورة.

 

وكان موسم الحج ميداناً خصباً لانتقاد الأنظمة العربية، وعندما اعترض الملك خالد على الخميني مستنكراً ذلك، أجابه الخميني بأن الحرمين مركز لتداول شؤون المسلمين! ولم تكف إيران عن إساءة استخدام موسم الحج؛ حتى حاولت تهريب كميات ضخمة من المتفجرات، وأحدث حجاجها من الشغب والصدام ماراح ضحيته المئات عام 1407=1987م، وبدأ بعد ذلك تعكير إيراني شبه سنوي لموسم الحج بواسطة إيرانين أو غيرهم من شيعة العرب.

 

وناكفت إيران في هذا الملف كثيراً، وعقدت المؤتمرات تلو المؤتمرات لنقاش شؤون الحج والحرمين، وكونت لجاناً متعددة لحماية الحرمين، وتحليل مجرى أحداث الشغب فيهما، ودراسة تمكين العلماء من إدارتهما، وبلغ من المناكفة الإيرانية أن عطلت شعيرة الحج، ومنعت الإيرانيين من أدائها، احتجاجاً على تخفيض عدد الحجاج بسبب توسعة الحرمين والمشاعر.

 

وفيما يتعلق بالأممية الدينية، وقعت إيران في مأزق بين القومية والهوية الدينية، ومع أن الخميني انتقد العصبيات العرقية والنعرات القومية، إلا أنه ميز بين الفكرة القومية المثيرة للعداوات بين المسلمين، وبين حب الوطن وما يستلزمه من الدفاع عن الأرض، ومع ذلك فالفجوة والتناقضات بينة بين القول والعمل، فقد شهد الشيعة العرب بمرارة الاحتقار التي صادفوها من الشيعة الفرس إبان حكم أبي أحمد، وتحدث عنها بصراحة عادل اللباد في مذكراته بعنوان الانقلاب وبيع الوهم على الذات.

 

وموضوع الحياد مختف تماماً من الممارسات الإيرانية، ومن التنظير أيضاً، فقسمة العالم إلى مستضعفين ومستكبرين، والتحيز لنصرة المستضعفين، يقضي تماماً على سمة الحياد التي يدعيها النظام الإيراني، فحدود الجمهورية تتجاوز الجغرافيا، ويدها طويلة في بلدان شتى، ودعمها المادي والمعنوي للأحزاب والميليشيات والتجمعات الشيعية لم يعد سراً، فضلاً عن التحريض الإعلامي، وتدريب المقاتلين، وإيواء المعارضين.

 

والموضوع الثاني في هذا الفصل هو الدستور، فالدستور قسيم فكر الخميني؛ بل ربما يكون منبثقاً عن فكره ورؤيته، فبعد التصويت الكاسح في الاستفتاء الشعبي المؤيد لإلغاء الملكية، وقيام الجمهورية، جرى الإعداد لوضع دستور جديد للجمهورية الوليدة. وكان الأمل أن يحال وضع الدستور إلى مجلس منتخب يمثل كافة أطياف الشعب وتوجهاتهم؛ بيد أنه أحيل إلى مجلس منتخب من الخبراء-أي رجال الدين-، وضم خمسة وسبعين عضواً يرأسهم آية الله بهشتي المقرب جداً من الخميني، وأُقر الدستور في ديسمبر(1979م).

 

ونجم عن الدستور ظهور خلافات رجال الدين على السطح؛ وغدت بادية للعيان، فاضطر الخميني لوضع شريعتمداري قيد الإقامة الجبرية، ثم دفن بطريقة مهينة بعد موته، واعتزل طالقاني العمل السياسي بعد أن اعتقلت اللجان الثورية أبناءه، وساومته فرضي بالسكوت والاعتكاف في منزله مقابل فكاك أسر أولاده؛ هذا وهم رجال دين، وشركاء ثورة، والخميني يظهر نفسه نصيراً للمستضعفين، وضد الظلم!

 

جاء دستور 79 في (175) مادة تتوزع على إثني عشر فصلاً، وترتيبه مخالف للترتيب الدارج في وضع الدساتير، ويفتقد تبويبه التسلسل المنطقي، ويغيب فيه أحياناً التدرج من الخاص للعام، ومن الداخل للخارج، وضربت المؤلفة أمثلة لذلك، ولا أدري أهو إجراء مقصود، أم أنه ناتج عن خلو المجلس التأسيسي من خبراء في وضع الدساتير وصياغتها.

 

وفي ديباجة الدستور ثناء على الخميني باعتباره رمز الثورة، ومشعل فتيلها، وإمامها الذي ينير لها الدروب، وكان دستور 79 متشبعاً بالنفس الثوري، ولذا جرى تعديله في دستور 89 –أي بعد عشر سنوات-وألغيت منه بعض المناصب كرئيس الوزراء، ووضعت شروط وصلاحيات للمرشد استعداداً لمرحلة ما بعد الخميني، وتجنباً لفكرة القيادة الدينية الجماعية خوفاً من دبيب الخلاف بين عناصرها.

 

ومن أهم جوانب التعديل إيجاد آلية لتسوية أي خلاف بين جناحي السلطة التشريعة؛ أي بين مجلس الشورى الإسلامي، ومجلس صيانة الدستور، خاصة وقد تفاقمت خلافاتهما في السنوات الأخيرة السابقة على التعديل، ومنح مجمع تشخيص مصلحة النظام دوراً رئيساً في هذه المسائل؛ علما أن المجمع تكون بقرار من الخميني، وهو خارج إطار مؤسسات الدستور.

 

ومما في التعديل الذي أجرته لجنة سماها الخميني من عشرين شخصاً فيهم خامنئي ورفسنجاني وموسوي برئاسة آية الله مشكيني إضافة فصل للمجلس الأعلى للأمن القومي، وفصل لإعادة النظر في الدستور من خلال مجلس اسمه مجلس تعديل الدستور، ويقع الدستور المعدل في (177) مادة، انتظمت في أربعة عشر فصلاً، ولم يمس التعديل المبادئ الحاكمة للسياسة الإيرانية، والقائمة على فكر الخميني.

 

ففكرة الحكومة الإسلامية حاضرة، والقلق باد في تصور العلاقة بين القومية الفارسية، والانتماء للمذهب الشيعي، والتناقض ظاهر بين مبدأ الحياد من جهة، وبين مبدأ تصدير الثورة ونصرة المستضعفين من جهة ثانية، فالدستور يدعو للشيء ونقيضه في آن واحد، ومع ذلك فالبعد الدستوري يعد مكوناً أساسياً من مكونات بيئة صنع القرار في إيران، مضافاً لفكر الخميني، ولوازم الالتزام بالمذهبية الشيعية، مع مراعاة مصالح إيران؛ حتى لو خالفت صرامة الالتزام بالمذهب.

 

وعنوان الفصل الثالث صنع القرار في إيران: القوى والمؤسسات، وأشارت المؤلفة أن بعض الدراسات المعتنية بإيران تستخدم مدخل قراءة الدستور لتحليل كيفية صنع القرار، وهو مدخل ناقص لوجود مؤسسات نافذة خارج إطار الدستور كاللجان الثورية والمحاكم الثورية.

 

وتستخدم دراسات أخرى مدخل التمييز بين مؤسسات الدولة ومؤسسات الثورة، أي بين مؤسسات تسيِّر الحياة اليومية وتديرها، ومؤسسات تحمي عقيدة النظام وتروجها، وهو استخدام مضلل لأن هذا التصنيف يعاني من نفس إشكالية التفريق بين الإصلاحيين والراديكاليين، فالدولة والثورة متداخلتان إلى حد بعيد، وقد يتعسر التفريق بين مؤسسات الدولة ومؤسسات الثورة.

 

ولذلك استخدمت د.نيفين تصنيفاً مختلفاً ومدخلاً جديداً، حيث أفادت من قراءة الدستور وتعديلاته، ولاحظت القوى والمؤسسات الفاعلة من خارجه سواء انضوت تحت طابع مؤسسي أو لم يكونوا تحت مظلة رسمية كالطلاب والمثقفين والبازار. وبدأت المؤلفة بتحديد وضع المرشد، ثم السلطات الثلاث، فالمؤسسة العسكرية، وختمت الفصل بالمجتمع المدني المتشعب والنشط جداً.

 

يجعل الدستور الإيراني الإيمان بولاية الفقيه ركيزة أساسية للجمهورية الإسلامية، ويتمتع المرشد بوضع شديد التميز والتمدد؛ لأنه يتدخل في عمل جميع السلطات، حيث تنص المادة رقم(75) على أن السلطات الثلاث تمارس صلاحياتها بإشراف ولي الأمر المطلق. وسردت المادة رقم(110) صلاحيات المرشد وهي إحدى عشرة مسؤولية منها: إعلان الحرب، وقيادة القوات المسلحة، ونصب وعزل شاغلي الوظائف الكبرى الدينية والمدنية والعسكرية، وحل الإشكالات بين السلطات الثلاث، والأمر بالاستفتاء العام، وإقرار تنصيب الرئيس المنتخب وعزله، وأخيراً العفو عن المحكومين بالإعدام أو التخفيف من العقوبات.

 

واشترط الدستور في المرشد العدل والتقوى والعلم بظروف العصر، والقدرة على التدبير مع الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء، ويلاحظ أن التعديلات في دستور 89 منحت المرشد صلاحيات أوسع مما كان في دستور 79، وبالمقابل خفضت من الشروط الواجب توافرها في المرشد، ويبدو أنها مهدت لاختيار آية الله خامنئي لهذا المنصب، وهو الذي لا يتصف بالمرجعية.

 

وعهدت المادة رقم (107) من الدستور إلى مجلس الخبراء بصلاحية اختيار المرشد وعزله، حيث يختار المجلسُ المرشدَ من المراجع المرشحين لهذا المنصب؛ فإن لم يترشح أحد مناسب، فللمجلس تسمية أحد أعضائه مرشداً للجمهورية. ويتكون المجلس من ستة وثمانين عضواً، ومدة عمله ثمان سنوات، وله هيئات ولجان وأمانة عامة، وتمثل فيه كل محافظة بعضو لكل نصف مليون من سكانها، ويضع المجلس إجراءات عمله ويغيرها بنفسه، ويجتمع مرة واحدة في العام دون مزايا مادية لأعضائه، وينتخب أعضاء المجلس من داخل المؤسسة الدينية بعد فرز مجلس الصيانة للمرشحين. ومن أبرز أعماله المصادقة على تعيين منتظري خليفة للخميني، ثم عزله وتعيين خامنئي، وتجديد الثقة بالخامنئي مرة أخرى.

 

وللمرشد “بلاط” مكون من مكتب وموظفين ومستشارين وجهاز مخابرات، ويقدر عدد العاملين في بلاط المرشد بالآلاف. وتحكم فتاواه المعلنة والخفية العمل داخل إيران، والإطار الذي تنتظم فيه العلاقات الدولية للجمهورية، وبعض هذه الفتاوى لا تعلن إلا عند الحاجة لتوظيفها، وتعد هذه المسألة أكبر معضلة واجهت ترشيح الخامنئي للمنصب لأنه لم يبلغ مرتبة الاجتهاد بعد، ولم يصبح آية عظمى، ولولا دعم الخميني والبازار ومجلس الخبراء لما جلس على كرسي المرشد، فضلاً عن التجديد له، علماً أن الخامنئي يحظى بثقة الخميني تقديراً لجهوده في المعارضة والثورة.

 

ثم فصلت المؤلفة الحديث عن السلطة التنفيذية المكونة من الرئيس ونوابه والوزراء، ورئيس الجمهورية هو الرجل الثاني حسب الدستور، لكنه في واقع الحال يتنافس على هذه الصفة مع رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، ومع رئيس مجلس الشورى، والفيصل في تحديد صاحب المقعد الثاني هو العلاقة مع المرشد، ومدى القرب منه، ولذا ينبغي للدارس ملاحظة تداول هذا الدور من رجل لآخر.

 

ينتخب الرئيس انتخاباً مباشراً من الشعب لمدة أربع سنوات، ولا يجوز انتخابه لأكثر من دورتين متتاليتين، ويحدد الدستور خمسة شروط يجب توافرها في الرئيس، ويتأكد مجلس صيانة الدستور من وجودها في المرشحين، وهي:

 

أن يكون إيراني الأصل والجنسية.

أن يكون قديراً في الإدارة والتدبير.

حسن السيرة.

تتوافر فيه الأمانة والتقوى.

الإيمان بمبادئ الجمهورية والمذهب الرسمي للبلاد.

وللرئيس صلاحيات تنفيذية اعتيادية، والمهم منها لا ينفذ إلا بعد موافقة المرشد، وقد تعاقب على هذا المنصب حتى عام(2000م) خمسة رؤساء مما يدلل على حيوية النظام الإيراني، وهم بني صدر، ورجائي، وخامنئي، ورفسنجاني، وخاتمي، وتوقفت دراسة د.نيفين قبل عهدي نجاد وروحاني، علماً أن بني صدر ورجائي لم يستوفيا مدتهما النظامية، بسبب استقالة الأول، واغتيال الثاني. ولكل رئيس سمة، وأبرزها سمات المثقف المتدين المنفتح في شخص خاتمي؛ ومع ذلك فلم تخرج مواقفه العملية عن دائرة مفاهيم الولي الفقيه!

وأما نواب الرئيس، فبعد إلغاء منصب رئيس الوزراء، صار لرئيس الدولة حق التوسع في تعيين نواب ومعاونين له؛ كي يخفف من المسؤوليات التنفيذية الملقاة على عاتقه، ومن هذا الباب تسمية خاتمي لعشرة نواب ومستشارين منهم امرأة واحدة، وقد أفاد من عدم الحاجة لتصويت البرلمان عليهم، مما أتاح له اختيار شخصيات غير مرغوبة لدى الأكثرية البرلمانية، كما أتاحت هذه الحرية له الفرصة كي يعبر عن برنامجه السياسي، ويمنح بعض نوابه فرصة أكبر للترشح على منصب الرئاسة.

وفيما يخص الوزراء ركزت الباحثة على وزارتي الخارجية، والمخابرات والأمن؛ لصلتهما الوثيقة بصناعة القرار الإيراني الخارجي. ومن اللافت إلزام وزارة الخارجية بالتعاون مع وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي لترويج الثقافة الدينية في البلدان الأجنبية، ولا عجب حين نسمع عن فرط نشاط ملاحق السفارات الإيرانية؛ حتى أن بعضهم يكاد أن يحكم المدينة التي يعمل فيها؛ مثل الملحق الإيراني في حلب-عجل الله فرجها-.

ونشأت وزارة المخابرات والأمن بعد تصاعد نشاط المعارضة، وتخضع للمرشد مباشرة، ويجب أن تكون تحت رئاسة رجل دين، وكان لها نشاط داخلي عميق حتى كان رئيسها ريشهري ركناً في عملية عزل منتظري. وفي الخارج تولى محمد تسخيري التحكم في اختيار الملحقين الثقافيين، ومسؤولي المراكز الإيرانية المنتشرة في الخارج، ومن المفارقات أن تسخيري هذا-إن لم يكن مجرد تشابه أسماء-مسؤول داخل إيران عن ملف نشر التشيع في العالم الإسلامي، ومع ذلك فهو عضو بارز في أحد اتحادات العل

بين يدي كتاب عنوانه: صنع القرار في إيران والعلاقات العربية الإيرانية، تأليف د. نيفين عبد المنعم مسعد، نشر مركز دراسات الوحدة العربية، صدرت الطبعة الثانية منه في عام(2002م)، ويقع في (355) صفحة.

 

يتكون الكتاب من إهداء ومقدمة، ثم أربعة فصول فخاتمة، يتلوها ملحقان أحدهما فيه تسلسل الحياة النيابية في إيران، والثاني نص الدستور الإيراني، ثم المراجع والفهرس. وفي الإهداء تعبير حزين حيث أهدت المؤلفة الكتاب لوالدها الذي اعتادت أن تهدي إليه ما تكتبه، ولا تقوى على تغيير ما اعتادت عليه؛ مع أن والدها لم يعد يقرأ ما تكتبه، وكأنها تشير لوفاته.

 

وفي مقدمتها نبهت الباحثة إلى صعوبات جمة اكتنفت بحثها، فهناك ازدواجية بارزة في إيران أدت إلى تعدد القوى والمؤسسات، فالحرس الثوري يقابل الجيش، وخطباء الجمعة ينافسون الحكام المحليين، ومجلس صيانة الدستور يزاحم البرلمان، وهكذا. ومن الصعوبات أيضا الخصوصية الشديدة للنظام الإيراني، حيث لا يشابهه نظام آخر في أي دولة، ومن أبرز سمات هذه الخصوصية مؤسسة المرشد وما يتصل بها.

 

ومن الصعوبات أن النظام الإيراني مزيج من الديموقراطية والتسلطية، وهاتان السمتان ظاهرتان في الدستور وفي التطبيقات العملية، تلك التطبيقات التي أفرزت صعوبة جديدة تتمثل في الديناميكية الشديدة للنظام على مستوى المواقف المعلنة للقوى السياسية، وهذا أمر طبعي في كل نظام؛ بيد أنه في إيران شديد السيولة، مما يتعذر منه توقع سلوك هذا الطرف أو ذاك في المواقف المختلفة.

 

وبناء على ذلك؛ فقدت كثير من المصطلحات والأوصاف دلالتها الحدية في النموذج الإيراني، وعند التطبيق لا تكاد أن تجزم بمحافظة طرف أو راديكالية آخر، وربما يوصف شخص بأنه محافظ سياسياً وليبرالي اقتصادياً، فضلاً عن التداخلات الوثيقة بين التكنوقراط وأساتذة العلوم الإنسانية ورجال الدين، فالمهندس مثلا له خلفية حوزوية، وعالم الاجتماع كان معمماً قبل تفرغه لعلمه الجديد.

 

واشتكت الباحثة أخيراً من تعذر الحياد البحثي فيما ينشر عن إيران، لالتزام بعض الباحثين بموقف مسبق؛ مما ينغص على الروح العلمية للبحث التي يجب أن تمتاز بالاستقلالية، وإعلان النتيجة التي يسندها البحث العلمي ولو خالفت الهوى والميول.

 

عنوان الفصل الأول: بيئة صنع القرار في إيران، وترى المؤلفة بأن القرار الإيراني متأثر بالبيئة الداخلية والخارجية، ويمكن تحديد العوامل المؤثرة على البيئة الداخلية بما يلي:

 

الحدود البرية والبحرية مع الجوار العربي، وللخليج خصوصيته لأنه منفذ الاتصال بالعالم الخارجي، فضلاً عن أثره النفسي باعتباره أمواهاً فارسية خالصة في الوجدان الإيراني. ويزداد حرج الموقف مع القلق الموجود على باقي الحدود البرية الإيرانية مع أفغانستان والجمهوريات الإسلامية. ونتيجة لذلك ترفض إيران الوجود العسكري المعادي في الخليج، وتعزز من قوتها العسكرية والبحرية، وتسعى لمنع انفصال الأكراد في العراق خشية من تسرب الروح الانفصالية لداخلها المنقسم عرقياً ومذهبياً.

تداخل التاريخين العربي والفارسي خصوصاً بعد ظهور الإسلام.

وجود قوميات ومذاهب وأديان مختلفة في إيران، مع الحساسية الشديدة للأقلية العربية في عربستان حيث النفط وصناعته، والموانئ، والعاملين العرب في قطاع النفط، والجوار مع دول الخليج العربية، وبالمقابل ترتبط إيران مع شيعة الخليج باعتبارها الدولة الشيعية الوحيدة، وارتباطها من خلال مسارين هما: تصدير الثورة، ووجود المرجعيات كالخميني والشيرازي. وفي خبر التنوع القومي والديني داخل إيران يلفت النظر العلاقة الدافئة بين الملالي ويهود إيران، حتى أن خمسمائة يهودي شاركوا في استقبال الإمام الخميني يتقدمهم حاخام، وأبدوا تضجرهم من الموقف الإسرائيلي “المعلن” ضد طهران.

معاناة إيران الاقتصادية، واعتمادها على النفط والغاز، ومعاناتها من التضخم ومحدودية القطاع الخاص، والإفراط في الانفاق العسكري، وكل هذه العوامل جعلت دول الخليج موئلاً للقروض والاستثمارات؛ هذا غير مشاركة إيران معها في عضوية منظمة أوبك.

الثقافة السياسية الشيعية والفارسية وما فيها من رموز ودلالات، وعدد باحث غربي المقومات الرئيسة لهذه الثقافة بما يلي:

الخوف من الآخر.

الشعور بالاستعلاء الحضاري والعرقي.

المعاناة من الازدواجية بين القومية والدين.

قدرة الحضارة الفارسية على امتصاص الحضارات الغازية دون ذوبان.

المبالغة في الخطاب السياسي والأهداف، وقد سببت هذه المبالغة عدة مخاطر لإيران.

الاستمرارية نتيجة لما سبق.

ثم عرجت الكاتبة على البيئة الخارجية المؤثرة على صنع القرار، وقسمتها إلى إقليمية ودولية، فأما الأولى فهي تتأثر بالوضع في أفغانستان، ومسارات عملية “التسوية” العربية-الإسرائيلية، وبالعلاقات التركية الإسرائيلية. وتشمل الدولية العلاقات المضطربة مع أمريكا، وحلول روسيا كحليف بدلاً عن الأمريكان خاصة بعد إطمئنان الروس إلى امتناع إيران عن تصدير تطرفها للجمهوريات، ثم العلاقات مع دول أوروبا بنوعيها فبعضها علاقات مضطربة، وبعضها الآخر متقدمة جداً، وأخيراً العلاقات مع أفريقيا وهي أشبه بالسباق مع العالم العربي السني. ولم تذكر المؤلفة شيئاً عن الصين مع أهميتها، وختمت الفصل بالتأكيد على أهمية البيئتين وتداخلهما بسبب اشتباك المصالح، والسيولة الشديدة داخل دوائر صنع القرار الإيراني.

 

الإطار الأيديولجي والدستوري لعملية صنع القرار هو عنوان الفصل الثاني، وبدأت بالحديث عن الخميني كشخصية محورية في الثورة والدولة، ومع وجود رموز أخرى بارزة كعلي شريعتي، وطالقاني، وشريعتمداري، إلا أن الخميني تميز بمجموعة مواصفات جعلت منه رمز الثورة، ومن هذه المواصفات تعايش أفكاره مع أفكار غيره، وتاريخه في المقاومة، وشخصيته الكارزمية، وسلاسة خطابه، وفوق ذلك دور الإعلام الغربي في التركيز عليه إبان إقامته في فرنسا.

 

ثم توسعت د.نيفين في الحديث عن فكر الخميني، حيث انتقل من التوعية الفكرية إلى العمل السياسي، ومن محاولة إصلاح النظام من داخله إلى تنظيم حركة شعبية ضده، وارتبط هذا التحول في فكر الخميني بعاملين:

 

الأول: وفاة اثنين من كبار علماء الشيعة وهما آيتا الله البروجردي والكاشاني.

 

الثاني: إصدار الشاه بهلوي قانوناً جديداً في الانتخابات البلدية أجاز ترشح غير المسلم، والقسم على أي كتاب سماوي، ومنح النساء حق الترشيح والانتخاب.

 

فأصدر الخميني فتواه الشهيرة بتحريم التقية، فاعتقل على أثرها، وبعد خروجه من المعتقل تنقل من تركيا إلى العراق حتى حطت رحاله في باريس آخر الأمر.

 

ويتميز فكر الخميني السياسي بثلاثة مفاهيم أساسية وهي: الحكومة الإسلامية، والحياد، والأممية الدينية، وهي مفاهيم متناقضة إذ لا يجتمع الحياد وعدم التدخل في شؤون الآخرين مع الأممية الدينية وتصدير الثورة، وأما مفهوم الحكومة الإسلامية فيرتبط عند الخميني بتطبيق الإسلام في غيبة الإمام الثاني عشر، وبتوحيد المسلمين، وتحريرهم من الاستعمار وأذياله، وهي تعابير فضفاضة.

 

ويرى الخميني بأن الفقهاء هم الحكام الحقيقيون، وبالغ في ذلك حتى جعل لهم من القوة كما للنبي صلى الله عليه وسلم؛ بل رفع منزلتهم عن مرتبة الأنبياء في بعض المواضع من كتابه المؤثر “الحكومة الإسلامية”، وهذا مطعن قاتل في فكر الخميني، الذي جهد في تسويغ ولاية الفقيه وحشد لها الأدلة، أو تفسيراتها فيما يراه.

 

ومع أن ولاية الفقيه كانت مسألة خلافية بين علماء الشيعة أنفسهم، إلا أن عوامل تاريخية ساعدت على ترسيخها؛ وتحويلها من حيز النظرية إلى واقع التطبيق، وهذه العوامل هي: نجاح الثورة، والحاجة إلى إشراف فقهي صارم على أسلمة الحكومة والمجتمع، والرغبة في ترجمة الكفاح السياسي للمؤسسة الدينية قبل سقوط الشاة إلى نفوذ بعده.

 

وبما أن أفكار الخميني حكمت شكل النظام الإيراني، ووجهت ممارساته، فقد فرضت توتراً بين الجمهورية والأنظمة العربية الوراثية، فالنظرة للتوريث سلبية بسبب ممارسات البهلوي، ولأن الإسلام يعارض فكرة الحكم الملكي من الأساس حسب اجتهاد الإمام الخميني، وكانت هذه النظرة إطاراً للحملة العنيفة التي شنتها إيران على السعودية منذ نجاح الثورة.

 

وكان موسم الحج ميداناً خصباً لانتقاد الأنظمة العربية، وعندما اعترض الملك خالد على الخميني مستنكراً ذلك، أجابه الخميني بأن الحرمين مركز لتداول شؤون المسلمين! ولم تكف إيران عن إساءة استخدام موسم الحج؛ حتى حاولت تهريب كميات ضخمة من المتفجرات، وأحدث حجاجها من الشغب والصدام ماراح ضحيته المئات عام 1407=1987م، وبدأ بعد ذلك تعكير إيراني شبه سنوي لموسم الحج بواسطة إيرانين أو غيرهم من شيعة العرب.

 

وناكفت إيران في هذا الملف كثيراً، وعقدت المؤتمرات تلو المؤتمرات لنقاش شؤون الحج والحرمين، وكونت لجاناً متعددة لحماية الحرمين، وتحليل مجرى أحداث الشغب فيهما، ودراسة تمكين العلماء من إدارتهما، وبلغ من المناكفة الإيرانية أن عطلت شعيرة الحج، ومنعت الإيرانيين من أدائها، احتجاجاً على تخفيض عدد الحجاج بسبب توسعة الحرمين والمشاعر.

 

وفيما يتعلق بالأممية الدينية، وقعت إيران في مأزق بين القومية والهوية الدينية، ومع أن الخميني انتقد العصبيات العرقية والنعرات القومية، إلا أنه ميز بين الفكرة القومية المثيرة للعداوات بين المسلمين، وبين حب الوطن وما يستلزمه من الدفاع عن الأرض، ومع ذلك فالفجوة والتناقضات بينة بين القول والعمل، فقد شهد الشيعة العرب بمرارة الاحتقار التي صادفوها من الشيعة الفرس إبان حكم أبي أحمد، وتحدث عنها بصراحة عادل اللباد في مذكراته بعنوان الانقلاب وبيع الوهم على الذات.

 

وموضوع الحياد مختف تماماً من الممارسات الإيرانية، ومن التنظير أيضاً، فقسمة العالم إلى مستضعفين ومستكبرين، والتحيز لنصرة المستضعفين، يقضي تماماً على سمة الحياد التي يدعيها النظام الإيراني، فحدود الجمهورية تتجاوز الجغرافيا، ويدها طويلة في بلدان شتى، ودعمها المادي والمعنوي للأحزاب والميليشيات والتجمعات الشيعية لم يعد سراً، فضلاً عن التحريض الإعلامي، وتدريب المقاتلين، وإيواء المعارضين.

 

والموضوع الثاني في هذا الفصل هو الدستور، فالدستور قسيم فكر الخميني؛ بل ربما يكون منبثقاً عن فكره ورؤيته، فبعد التصويت الكاسح في الاستفتاء الشعبي المؤيد لإلغاء الملكية، وقيام الجمهورية، جرى الإعداد لوضع دستور جديد للجمهورية الوليدة. وكان الأمل أن يحال وضع الدستور إلى مجلس منتخب يمثل كافة أطياف الشعب وتوجهاتهم؛ بيد أنه أحيل إلى مجلس منتخب من الخبراء-أي رجال الدين-، وضم خمسة وسبعين عضواً يرأسهم آية الله بهشتي المقرب جداً من الخميني، وأُقر الدستور في ديسمبر(1979م).

 

ونجم عن الدستور ظهور خلافات رجال الدين على السطح؛ وغدت بادية للعيان، فاضطر الخميني لوضع شريعتمداري قيد الإقامة الجبرية، ثم دفن بطريقة مهينة بعد موته، واعتزل طالقاني العمل السياسي بعد أن اعتقلت اللجان الثورية أبناءه، وساومته فرضي بالسكوت والاعتكاف في منزله مقابل فكاك أسر أولاده؛ هذا وهم رجال دين، وشركاء ثورة، والخميني يظهر نفسه نصيراً للمستضعفين، وضد الظلم!

 

جاء دستور 79 في (175) مادة تتوزع على إثني عشر فصلاً، وترتيبه مخالف للترتيب الدارج في وضع الدساتير، ويفتقد تبويبه التسلسل المنطقي، ويغيب فيه أحياناً التدرج من الخاص للعام، ومن الداخل للخارج، وضربت المؤلفة أمثلة لذلك، ولا أدري أهو إجراء مقصود، أم أنه ناتج عن خلو المجلس التأسيسي من خبراء في وضع الدساتير وصياغتها.

 

وفي ديباجة الدستور ثناء على الخميني باعتباره رمز الثورة، ومشعل فتيلها، وإمامها الذي ينير لها الدروب، وكان دستور 79 متشبعاً بالنفس الثوري، ولذا جرى تعديله في دستور 89 –أي بعد عشر سنوات-وألغيت منه بعض المناصب كرئيس الوزراء، ووضعت شروط وصلاحيات للمرشد استعداداً لمرحلة ما بعد الخميني، وتجنباً لفكرة القيادة الدينية الجماعية خوفاً من دبيب الخلاف بين عناصرها.

 

ومن أهم جوانب التعديل إيجاد آلية لتسوية أي خلاف بين جناحي السلطة التشريعة؛ أي بين مجلس الشورى الإسلامي، ومجلس صيانة الدستور، خاصة وقد تفاقمت خلافاتهما في السنوات الأخيرة السابقة على التعديل، ومنح مجمع تشخيص مصلحة النظام دوراً رئيساً في هذه المسائل؛ علما أن المجمع تكون بقرار من الخميني، وهو خارج إطار مؤسسات الدستور.

ماء المسلمين الداعية للتقارب!

وهذه الوزارة قوية جداً؛ لاتصالها المباشر بالمرشد، وتنسيقها الدائم مع أقسام المخابرات في الحرس والجيش والأمن، وبسبب قوتها الاقتصادية المستمدة من مشاركة أعضائها في مجالس إدارات الشركات، أو من ممارسة التجارة الخارجية في العواصم الأجنبية؛ ودبي-مع الأسف-مثال واضح لتجارة المخابرات الإيرانية. ونظراً لهذه العوامل قدمت وزارة المخابرات نفسها كحامية للثورة ضد أعدائها أينما كانوا، واعتمدت على التصفية الجسدية، والأعمال الحربية، بعد أن تدرب أفرادها جيداً في روسيا والصين وكوبا، ومع بعض المنظمات الفلسطينية الوطنية واليسارية.

مدونة : أحمد بن عبد المحسن العساف