قصة انفصال سنغافورة عن ماليزيا

منذ 2011-07-09

إذا نظرت لخريطة سنغافورة والدول المحيطة ستجد أنها عبارة عن جزيرة صغيرة جدا ذات أغلبية صينية وتحيط بها بلاد شرق آسيا الإسلامية (أندونيسيا، ماليزيا، بروناي). و ستعجب أكثر عندما تعلم أن سنغافورة كانت جزءا من ماليزيا و لم تنفصل إلا في عام 1965..



إذا نظرت لخريطة سنغافورة والدول المحيطة ستجد أنها عبارة عن جزيرة صغيرة جدا ذات أغلبية صينية وتحيط بها بلاد شرق آسيا الإسلامية (أندونيسيا، ماليزيا، بروناي). و ستعجب أكثر عندما تعلم أن سنغافورة كانت جزءا من ماليزيا و لم تنفصل إلا في عام 1965، و تحديدا في 9 آب (أغسطس) 1965. فما هي قصة الانفصال؟؟ و ما هي الدروس المستفادة حتى لا نعيد أخطاء الماضي وتقتطع أجزاء من أمتنا الإسلامية؟؟


بداية الحكاية:

في القرن التاسع عشر و بدايات العشرين، كان أهل ماليزيا يأنفون من بعض الأعمال التي يستلزمها الاقتصاد الزراعي أو التجاري، كصناعة المطاط وبناء الجسور و الطرق والعمل ككتبة و حراس متاجر، فتم جلب الكثير من الصينيين و الهنود لتأدية هذه الأعمال. إذًا، كانت هناك مشكلة ثقافية ما أدت إلى تطور خطير جدا كما سنرى فيما بعد.

مع مرور الوقت و الكسل الذي كان متفشيا في أهل ماليزيا في ذلك الوقت (يبدو أن الداء كان قد أصاب الأمة الإسلامية جميعها)، بدأ الصينيون المهاجرون يتفوقون في الدراسة و الأعمال والتجارة.

ثم تطور الأمر فأصبح ضغط المنافسة على الأعمال و التجارة شديدا جدا، بل و حتى على الأماكن في المدارس و الجامعات. رغم أن المالاويين كانوا مالكي الأرض، ولكن مع مرور الوقت بدأوا يشعرون بخطر الإبعاد عن المراكز الرفيعة من جانب القادمين حديثا من الصين و الهند نظرا لفارق الكفاءة.


و كانت وجهة نظر الحكام في ماليزيا كالآتي: الصينيون يستطيعون كسب المال من خلال التجارة و غيرها من الأعمال. دعهم يعملون و تدور عجلة التجارة و نقوم نحن بتحصيل الضرائب منهم للإنفاق على الحكومة. ولأن المالاويين ليسوا مهرة في شئون الأعمال والتجارة فينبغي أن يعملوا في دوائر الحكومة والشرطة والجيش. وبهذا تكون المعادلة السلطة للماليزيين المسلمين، والتجارة للصينين و الهنود (غالبيتهم من ديانات وثنية).

المشكلة أنه لم يحدث تفكير حقيقي في كيفية تطوير القدرة التنافسية للمالاويين و الاستعانة حتى بجنسيات أخرى إسلامية لضبط المعادلة السكانية. لقد زاد الأمر جدا حتى أصبح الصينيون يشكلون 40% من سكان ماليزيا!!!

هذا التفكير مخالف تماما لمنهج الرسول صلى الله عليه و سلم، فعندما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم يكن بها سوقا إلا لليهود. فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بإنشاء سوق للمسلمين. هذا الأمر كان له دوره في بداية المنافسة الحقيقية ثم الإمساك بزمام الاقتصاد بعد ذلك. ثم إن خبرة قريش بأمور التجارة تمت الاستفادة منها على أرض الواقع، فقد كانت قريش ذات خبرةبأمور بالتجارة، و كان الأوس والخزرج يعملون بالزراعة. هكذا تمت الاستفادة من المهاجرين في دعم و تنمية الأمة الإسلامية.

ولا يفوتنا أيضا أن نوضح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سعى أن يشتري المسلمون بئر رومة و حثهم على ذلك، وبذا قام بتأمين موارد المياه.

وهكذا يجب أن يفكر كل قائد في كيفية دفع عجلة التنمية وتشجيع الاستثمار، و في ذات الوقت تأمين الموارد الاستراتيجية و مساعدة الفقراء، و إلا فالعاقبة ستكون وخيمة.


نعود إلى ماليزيا:

مع مرور الوقت زاد التعداد الصيني جدا و تغيرت المعادلة تماما لقد أصبح الصينيون لا يرضون فقط بالتجارة. إنهم يريدون المشاركة في الحكم، و يريدون تغيير مناهج التعليم، ويريدون على مدى عشرين عاما أن يكون لهم اليد العليا في إدارة البلاد.

فخشى قادة ماليزيا أن ينفلت الزمام من أيديهم مع مرور الوقت واتفق رأيهم مع رئيس الوزراء في مقاطعة سنغافورة على انفصال إقليم سنغافورة ذو الأغلبية الصينية. وبذلك تصبح نسبة المالاويين في ماليزيا عالية مرة أخرى.

و تم إعلان الانفصال و أصبحت سنغافورة في تلك المنطقة تعرف شعبيا بإسرائيل الآسيوية، نظرا لتشابه البدايات و لدورها التي تلعبه حتى الآن كشرطي للمنطقة لحساب الغرب.

ثم بعد ذلك بما يقارب 15 عاما، بدأت ماليزيا رحلة التغيير و البناء و اكتشف الشعب الماليزي أنه ليس به بأس، وأن المشكلة الحقيقة كانت في منظومة الفساد و سوء الإدارة، وفي ثقافات تدعو للكسل و عدم البذل و العمل.


هل نواجه في الوقت الحالي خطرا كهذا؟؟؟
الوضع في دول الخليج العربي شبيه جدا ببداية الحكاية في ماليزيا قبل مائة عام، فهناك عمالة غير مسلمة كبيرة جدا. في دبي مثلا، لا تكاد توجد مظاهر إسلامية إلا فيما ندر، و تكرار تجربة انفصال سنغافورة ليس ببعيد أن نراه في دولة أو أكثر من دول الخليج بعد مرور 20-30 عاما إذا استمر الوضع على ما هو عليه.


الحل:

• يجب عدم التعامل مع الدولة على أنها خزان بترول نحاول إنفاق موارده، بل يجب النظر للدولة على أنها مشروع لبناء الأمة، وزرع تلك الأفكار في الأجيال الصاعدة. بدون ذلك ستضعف تلك الدول و تنهار كنتاج طبيعي لروح الترف التي تقتل المجتمعات. هذه أمور بديهية يعرفها قارىء التاريخ و السنة النبوية.

• يجب وضع خطة مرحلية لاستبدال العمالة غير المسلمة بعمالة مسلمة من بلاد ذات ثقافة مشتركة و هوية إسلامية، وصدقني بالنسبة للدول الكبرى لا يوجد شيئا اسمه المطالبة باستقلال السوريين مثلا في دول الخليج العربي فنحن بالنسبة إليهم جميعا مسلمون.

• يمكن التفكير في تجنيس بعض المسلمين ذوي الكفاءات العالية. هذا سيساعد على رفع مستوى العمالة الخليجية، ورفع مستوى العمالة سيؤدي مع الوقت إلى قلة الطلب على عمالة خارجية و توظيف أهل البلد أنفسهم. أي إننا إن لم ننظر تحت أرجلنا و نظرنا أبعد قليلا فقطعا سنجد فوائد مشتركة.


و ختاما لو أننا أطعنا نبينا الكريم الذي أمرنا بأن تكون أرض الجزيرة خالصة للمسلمين لما وقعنا في هذه الأزمة اليوم.

أرجو ألا أكون أطلت الحديث اليوم، ولكن الأمر جد خطير. بل و أخطر مما يتصور البعض.

اللهم بلغت، اللهم فاشهد.

اللهم صلي و سلم وبارك على محمد وعلى آله و صحبه أجمعين.


الفقير إلى عفو ربه،
محمد نصر

 
المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام