أهلاً رمضان (استقبال رمضان)

منذ 2019-04-21

ساعات قليلةٌ تعدها الأنفاس واللحظات ويحل علينا صاحب الأيادي البيضاء.

ما أقصر لحظات العمر!

وما أسرع جريان الأيام! وكأن الإنسان ينام ليستيقظ حين يؤذَن له بالرحيل والانقضاء من هذه الدنيا، وهو وراء الدنيا راكض.. وعلى الشهوات رابض.. نائمٌ راقد.. آكلٌ شارب..

الأيام تمضي منه، والشهور والأعوام تتقلب عاماً بعد عام وهو مع ذلك طبعه طبعه.. حاله حاله.. عمله عمله.. خلقه خلقه..

ما تغير وما تبدل، ما تأثر وما اعتبر، ما رقَّ وما لان، ما استرجع وما ندم، ما تاب وما أناب.

نعم أيها الأحباب الكرام:

ما أشبه الليلة بالبارحة! لقد مرّ بنا رمضان الماضي، ثم مرت بعده الايام والأسابيع والشهور وكأنها ساعات، وإذا بنا نستقبل رمضانَ آخر، ومن يدري ربما يكون رمضان هذا لبعضنا هو آخر رمضان يصومه...

فكم من نفوسٍ تمنت.. وكم من قلوبٍ حنّت ان تدرك معنا هذا الشهر الكريم لكن الله تعالى يقضي في العباد ما يشاء ويختار...

وكم عرفنا اقواماً.. وكم عرفنا إخواناً.. وكم عرفنا احباباً.. وكم عرفنا جيراناً صاموا معنا رمضان أعواماً..

لكنهم اليوم من سكان القبور ينتظرون البعث والنشور..

ما كأنهم الآن فرحوا مع من فرح، ولا كأنهم ضحكوا مع من ضحك

ولا كأنهم تمتعوا مع من تمتع.. قد حِيلَ بينهم وبين ما يشتهون....

أيها الأحباب الكرام:

إنّ إدراكنا لرمضان هو نعمهٌ ربانيه ومنحهٌ إلهية، فهو بشرى تساقطت لها الدمعات وانسكبت لها العبرات..

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

ذكر الله سبحانه وتعالى ان هذه العبادة كنا انها فرضت علينا وأُوجبت لمحبه الله عز وجل لها، فإنها كانت واجبه على الأمم السابقة:

         - فأمر بها إبراهيم قومه.

         - وأمر بها شعيبٌ قومه.

         - وأمر بها هودٌ قومه.

         - وأمر بها لوطٌ قومه.

         - وأمر بها عيسى وموسى اقوامهما، {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ }.

ففرض على أمتنا كما فُرض عليهم..

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستبشر بقدوم هذا الشهر الكريم فقال عليه الصلاة والسلام كما روى النسائي:

«أتاكم شهر رمضان.. ((شهر مبارك))»..

ويا لها من كلمه وجيزة وعباره بليغة (شهر مبارك)، ذكر العلماء لهذه الشهر الكريم أكثر من أربعين بركه..

بركه في الدعاء، بركه في الرزق، بركه في الصلاة. بركه في الإنفاق، بركه في قراءه القرآن، بركه في الوقت، بركه في الليل، بركه في النهار، بركه في الطعام، بركه في الأخلاق ووغيرها من البركات.

ولذا قال «أتاكم شهرُ رمضان شهرٌ مبارك، فيه تفتح أبواب الجنة وتغلق ابواب الجحيم وتعب الشياطين، فيه ليله خير من ألف شهر من حُرم خيرها فقد حُرم». 

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستبشر بالصوم عموماً ويبشر أصحابه به ويأمرهم باستغلاله واستثماره فقال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فأنه لي وانا الذي أجزي به»

يقول الله تعالى: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، للصائم فرحان يفرحهما، فرحهٌ عند فطره وفرحهٌ عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» 

هذا يا مسلمين في الصوم عموماً فيمن صام الاثنين والخميس والأيام البيض وغيرها من النوافل.

فما بالك بمن يصوم هذا الشهر الذي افترضه الله عليه..

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب... ثم قال بعدها.. (وما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليّ مما افترضته عليه».

فالصوم في رمضان لأنه فريضه أحبُ الى الله تعالى واعظمُ أجراً من الصوم في غيره، فهو أفضل من الصوم في يوم عرفه، وهو أفضل من الصوم في عاشوراء.

مع ما في عرفه وعاشوراء من تكفيرٍ للذنوب ورفعهٍ للدرجات إلاّ ان صوم يوم واحد من رمضان أفضل عند الله تعالى من الصوم في غيره.

وهذا ابراهيم النخعي رحمه الله يقول: «سجدة في رمضان أفضل من ألف سجدة في غيره، وركعة في رمضان أفضل من ألف ركعه في رمضان، وتسبيحة في رمضان أفضل من ألف تسبيحه في غيره».

                      فأهلاً بشهر التقى والجود والكرم ِ 

                                                                         شهر الصيامِ رفيعِ القدرِ في الأممِ 

                      أقبلتَ في حلّهٍ حفّ البهاءُ بها 

                                                                         ومن ضيائكَ غابت بصمهُ الظِّلَمِ 

                      أهلا بصومعه العبّاد - مُذ بزغتْ 

                                                                         شمسٌ - ومجمعِ أهل الفضلِ والقيمِ 

                      هذي المآذن دوّى صوتها طرباً 

                                                                         تلك الجوامع في أثوابِ مبتسمِ 

                      نفوسُ أهل التقى في حبكم غرقت 

                                                                         وهزها الشوقُ شوقَ المصلحِ العَلَمِ 

 

أيها المسلمون والمسلمات:

ساعات قليلةٌ تعدها الأنفاس واللحظات ويحل علينا صاحب الأيادي البيضاء.

الذي إذا أعطى لم ينتظر الجزاء.

وليس كمثله زائر يأتي بالعطايا والهدايا والهبات...

وينادي في الناس:

هل من مقبلٍ على العطاء؟؟

وهل من مستجيب للنداء؟؟

هذه الروح علينا أن نبثها في نفوس الناس وبين أولادنا وأهلينا وبين كل من نحب..

إنّها روح استقبال رمضان، والاستعداد لأيامه ولياليه، وإعداد العدة للاستفادة القصوى... لا بطعام الأمعاء وشرابها.. وإنما بغذاء الأرواح والقلوب..

بالقرآن تلاوة، وبالطعام والشراب صياماً، وبالصلاة قياماً، وبالمال تصدقاً، وبالطاعات تعبداً وتنسكاً...

نعم أيها الأحباب:

بعد ساعات وجيزة، ومع غروب شمس هذا اليوم سيُقص على شريط المنافسة والمسابقة والمبادرة والسرعة والانطلاق على مضمار الطاعات والقربات في شهر العبادة.

مع غروب شمس هذا اليوم ستنزل ملائكة الرحمن بسجلات بيضاء جديدة وستدون فيها كل ما ستخطونه وتعملونه في الثلاثين يوماً فاستعدوا من الآن على ان يكتب لكم فيها ما سيفرحكم ويبيض وجوهكم غداً بين يدي الله..

نعم.. ساعات يسيره وسيتقاطر فيها مئات بل عشرات بل آلاف بل أقول ملايين من البشر، المتدفقة كالموج الهائج إلى طاعة الخالق سبحانه..

إنها أمة تعود بمجموعها..

أمة بأكملها تتوب إلى مولاها وتؤوب إلى باريها، وترجع إلى خالقها سبحانه.

ملايين مملينة سترفع أكف الضراعة الى الله..

فلا وساوس ولا أفكار ولا إملاءات ولا نزغات فقد صفدت الشياطين والمردة المتعاونين...

أفواج من هذه الأمة من شبابها وشاباتها ونساءها ورجالها ومثقفيها وأدبائها ومعلميها ومهندسيها ودكاترتها و.. و.....

كلهم سيدخلون في وقت واحد هذه الجامعة الرمضانية وسيعلنون بوقت واحد الصيام للخالق جل في علاه..

ليس هناك في أمةٍ على وجه الأرض من يسجد أكثر منها، ويركع أكثر منها، ويقرأ اكثر منها، ويسبح أكثر منها، ويدعو اكثر منها، ويتصدق أكثر منها..

ما أجملها من صوره رائعة تشرح الصدر وتغذي القلوب وتروي الأفئدة بالسعادة والانشراح وأنت ترى مع بدء الساعات الأولى من شهر الصيام المسلمين يملؤون مساجدهم ويتقاطرون إليها من كل حدبٍ وصوب.

كيف.. كيف لو ظللنا وبقينا واستمررنا على هذا الإقبال على الطاعات وهذه المسارعة على القربات وهذا الانطلاق للطاعات بكل شوق ولذه وخشوع.

كيف لو كانت حياتنا كلها على هذه الحالة من الإقبال والسرعة والانطلاق والشوق والرحمة والحب والحنان والشفقة والتواضع والاخلاص والطمأنينة.

هل كنا سنفرط بدمائنا؟ وهل كنا سنتقاتل فيما بيننا؟ وهل كنا سنحقد على بعضنا؟

فرمضان يعلمنا ورمضان يربينا ورمضان يغرس في نفوسنا قيماً رقراقه ومبادئ سامية فهو ميدان الانتصار الحقيقي على النفس والهوى.

وإذا انتصرنا في هذا الميدان انتصرنا في سائر ميادين حياتنا..

فأمامنا ميادين الحياة المختلفة بشتى أنواعها وأشكالها وألوانها..

فمن هنا المنطلق ومن هنا نقطه البداية ميدان الطاعة ومغالبة النفس والهوى إذا تغلبنا فيها وارتقينا فيها تغلبنا على صعوبات الميادين الأخرى..

وإذا تخاذلنا وتراجعنا وهزمنا وضعفنا امام نفوسنا الإمارة وهواها لن نجني بعدها الا الخسارة والندم والألم. {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ.

أتدرون ماهي مشكلتنا يا كرام؟؟

مشكلتنا أننا في كل عام يأتينا رمضان ونحن غافلون، فنبدأ في الطاعة والعبادة من الصفر ثم نرقى شيئاً فشيئا، فلا نكاد نجد طعم العبادة وحلاوة الطاعة إلاّ وقد انقضى رمضان وانطوت صحائفه بما فيها من احسان المحسن وإساءة المسيء..

فنندم ونتحسر ونتألم ونقول: (نعوض العام القادم)

ويأتي العام القادم فلا نكون احسن حالاً من سابقه وهكذا نظل الى ان نغادر الدنيا ونحن على حالنا فإلى المشتكى..!

ولذلكم مجيء رمضان فرصة..!

فرصة للمؤمنين، فرصة للمقصرين، فرصة للصالحين، فرصة للعقلاء..

ولا يعرف معنى فرصة إلا من يعرف معنى الموت وأن هذه الحياة لا أمان لها:

كم أحزنت!! وكم أبكت!! وكم أفسدت من أسر!! وكم كانت سبباً في كل بلوى ومصيبه...

ولذلك ونحن نداعب هلال رمضان ونتهيأ لوضع الأقدام على بساط شهر الصيام والقيام.

شهر البركات والخيرات، شهر الطاعات والعبادات، شهر الصلوات والدعوات، شهر النفحات و إقالة العثرات، شهر إعتاق الرقاب الموبقات، شهر الغنائم وشهر الكنوز، شهر الدعاء والسخاء، شهر الكرم والجود والعطاء، شهر الرحمة والشفقة، شهر الإحسان وزياده الايمان، شهر البر والصلة، شهر التقوى والصبر، شهر الجهاد ومجاهدة النفس، شهر مضاعفه الحسنات: الحسنة فيه بألف حسنة والفريضة تعدل سبعين فريضة، من تقدم فيه بخصلهٍ من خصال الخير كمن قدم فريضهً فيما سواه...

نعم.. في الوقت الذي يطالعنا شهرٌ وموسمٌ من الخير جديد...

هذه العبادة القولية والفعلية والحركية والجهرية والسرية هناك سؤال يطرح نفسه:

أيُ رمضانٍ يكونُ رمضانُك هذه المرة؟!

هل هو رمضانُ المسوفين الكسلانين؟! أم رمضان المسارعين المجدين؟!

هل هو رمضان التوبة.؟ أم رمضان الشِقِوة؟؟!

هل هو شهرُ النعمةِ؟ أم شهرُ النقمة؟!

هل هو شهر الصيام والقيام؟ أم شهر الأفلام والهيام؟!!

هل هو شهر الذكر وتلاوة القرآن؟ أم شهر الموائد والسهرات؟؟!

                                          شهرٌ يفوقُ على الشهور بليلةٍ 

                                                                                من ألف شهرٍ فُضلت تفضيلا 

                                          طوبى لعبدٍ صحّ فيه صيامه 

                                                                                ودعا المهيمن بكرهً وأصيلا 

                                          وبليلهٍ قد قام يختمُ ورده 

                                                                                متبتلاً لإلهه تبتيلاً 

 

اللهم بلغنا رمضان وأعنا على صيامه وقيامه واجعلنا من عبادك المخلصين..

اللهم ارزقنا صدق الصائمين، وإقبال القائمين وخصال المتقين، واحشرنا يوم النشور في زمره المنعمين، وبلغنا بفضلك ورحمتك درجات المقربين.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه..

اللهم اجعلها صدقهً جاريهً لي ولوالدتي المرحومة..

وأنفع بها عبادك المسلمين أجمعين...

واجعلني خيراً مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون..

 

أحمد عبد الله صالح