أهمية الحدود في الإسلام

منذ 2019-07-16

لقد شرع الإسلام عقوبات محددة مقدرة على جرائم لا يستقيم المجتمع بحصولها فيه، وحكمة هذا التشريع هي الردع والتطهير، ومن هنا تظهر الأهمية البالغة لهذه الحدود الشرعية.

إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

لقد شرع الإسلام عقوبات محددة مقدرة على جرائم لا يستقيم المجتمع بحصولها فيه، وحكمة هذا التشريع هي الردع والتطهير، ومن هنا تظهر الأهمية البالغة لهذه الحدود الشرعية، ودون ذلك جرائم وإخلالات شرع لها الإسلام عقوبات التعزير، وجعل مرد تقديرها إلى اجتهاد الحاكم بما يحقق مصلحة الفرد والمجتمع.


موضوع محاضرة اليوم هو: الحدود في الإسلام.
ولماذا هذا الموضوع بالذات؟ لا شك أن هذه الصحوة المباركة لها من المناقب والفضائل ما لها، ولا يخلو الأمر من مثالب ومعايب.
ونحن لا ننتظر أن يأتي دخيل علينا فيعالج أخطاءنا، ولكن لا بد من ناصح من بيننا، فكنا نظن أنه بانقراض جماعة التكفير قد عافى الله عز وجل هذه الجماعات وهذه الطوائف المسلمة أنها لا تقيم الحدود فيما بينها.


ثم فوجئنا بعد ذلك أن هذا الشر لا يزال موجوداً، وإن كانت بصورة خفية دقيقة قليلة، لكن على أية حال يعد هذا الأمر مخالفة عظيمة لدين الله عز وجل، أن يقيم الأفراد حدود الله عز وجل فيما بينهم، وليس هذا الأمر موكولاً إليهم.


ولذلك آثرنا أن تكون هذه النصيحة من أخ شقيق رحيم ودود يعز عليه جداً أن يكون في هذا الصف أخطاء فيتلقفها أعداء هذا الدين فيجعلون منها موضوعاً يتكلمون فيه، ويوجهون سهامهم وطعونهم لا إلى الأفراد الذين خالفوا في هذه المسألة، وإنما إلى دين الله عز وجل، ويحسن بنا أن نتكلم في مقدمة يسيرة قليلة عن أهمية الحدود في الإسلام.


فالحدود في الإسلام إنما هي جزء من نظام إلهي عظيم أنزله رب العالمين على خاتم رسله صلى الله عليه وسلم ليكون نظاماً يكفل لمن اتبعه السعادة والأمان والاستقرار إلى قيام الساعة، كما قال تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} [البقرة:138].

وأساس الحدود في الإسلام: أنها ضابط يحفظ التوازن بين حقوق الفرد والجماعة معاً.
فمن حق الفرد على الجماعة: تحقيق مصالحه وحفظها، وصيانة حياته ومقوماتها، والعمل على حمايته ليس فقط من غيره، بل من نفسه كذلك.
يعني: لا يجوز لأحد أن يقيم الحد على نفسه، فلو أن شخصاً قتل، هل يجوز له أن يقتل نفسه فيكون بذلك قد أقام الحد من نفسه على نفسه؟!

الجواب
  أنه لا يجوز، فلو أنه قتل الغير لكان قاتلاً، ولو قتل نفسه لكان كذلك قاتلاً.
وللمجتمع كذلك الحق في صيانة كيانه من كل اعتداء أو مساس، وفي الحصول على حياة آمنة وادعة تتسم بالطهر والعفاف، وجميع الجرائم التي حرمها الإسلام إنما هي من النوع الذي لو ترك وشأنه لأدى لاضطراب المجتمع وإشاعة الفوضى والقلاقل فيه، فلا بد من رادع يردع من يخرج على هذا القانون الإلهي الذي شرعه المولى عز وجل.
فلا يقبل من أحد أن يسرق أموال الغير ويقول: أنا حر، ولا يقبل من أحد أن يقول: أنا أزني وأنا حر؛ لأن هذا الفعل إنما هو اعتداء على المجتمع بأسره.

فهذه العقوبات إنما دلت على عدل الله عز وجل وحكمته؛ لأن بعض الناس يقول: ليس من الحكمة ولا من العدل أن تقطع يد السارق، أو يضرب الزاني مائة جلدة، أو يرجم حتى الموت، إن هذه وحشية أتى بها الإسلام.
وهذه فضلاً عن أنها قولة كفر إلا أن الواحد منهم لو أنه رأى واحداً فوق امرأته، أو سرق ماله لأخرج سيفه، أو مسدسه من جيبه، وأطلق النار عليه، وربما يطلق النار على كل من ظن أنه قد سرق دون أن يتحقق من السارق.


فلماذا في هذا الموقف ليس عمله وحشياً، والذي أتى به الإسلام هو الوحشي، والله تبارك وتعالى يقول: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:179].
(ولكم في القصاص) مع أنه الموت، فقد أثبت الله تبارك وتعالى أن فيه الحياة كل الحياة؛ لأن أحداً لو قتل أباك فأنت لا تقنع قط إلا أن تقتل من أسرة القاتل مائة شخص، أنت لا تقنع إلا بإبادة الأسرة وأصحاب القبيلة كلها، ولكن الله عز وجل لم يجعل ذلك لك، بينما جعله للحاكم بأن يأخذ القاتل أو القاتلة فقط فيقتله في مقابل قتله لوالدك.


فإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن نقول: إن تنظيم أمور القصاص فيه توفير الحياة المستقرة الدائمة بين الناس، فمن قتل يقتل ولا يقتل غيره، ولذلك خاصة هذا الأمر يظهر في أن واحداً لو قتل آخر من أسرة أخرى لا يبحثون عن القاتل، وإنما يبحثون عن أعظم رجل في أسرة القاتل، عن أعظم رجل الذي إذا قتل أوجعهم وأضرهم، وهذا على خلاف قانون الله عز وجل؛ لأن القاتل هو الذي يقتل فقط.
فقول الله عز وجل: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة:179].


لا بد وأننا نقتنع ونعتقد أننا لو صرنا بمنهج الله عز وجل لا بد وأن نحيا حياة كريمة، فلا يتصور أن يسكر فلان، وأن نعاقب فلاناً آخر، أو أن يزني فلان وأن يرد على زناه بزنا، فإن هذه فوضى، فهل يتصور أن رجلاً زنى بأخت رجل آخر، أو بأمه، أو بامرأته، فهل يقول: أنا لا أقتله، وإنما آخذ حقي بنفسي، وهو أني أزني بامرأته كما زنى بامرأتي، أو أزني بأمه كما زنى بأمي؟! هذه فوضى، وأما الإسلام فإنه جعل حداً لا يزيد ولا ينقص لمن وقع في مثل هذه الفاحشة، ومن وقع في مثل هذا الجرم، فوجب اتباع كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام في تلك الحدود، وهذه العقوبات بجانب كونها محققة للمصالح العامة، وحافظة للأمن العام، فهي عقوبات عادلة غاية العدل، إذ إن الزنا جريمة من أفحش الجرائم وأبشعها، وعدوان على الخلق والشرف والكرامة، ومقوض لنظام الأسرة والبيوت، ومروج للكثير من الشرور والمفاسد التي تقضي على مقومات الأفراد والجماعات، وتذهب بكيان الأمة، ومع ذلك فقد احتاط الإسلام في إثبات هذه الجريمة فاشترط شروطاً لا يقام الحد إلا من خلالها.
وعلى أية حال: فإن الإسلام قد جعل حدوداً وتعزيرات وقصاصاً.
فأما القصاص فإنه حق الأفراد فإن شاءوا عفوا، وإن شاءوا أخذوا حقهم.
وأما التعزير فكل جرم ليس فيه حد ففيه التعزير.

حسن أبو الأشبال الزهيري

من طلبة الشيخ الألباني رحمه الله.