شرح صحيح البخاري - (40) اهتمام العلماء الأوائل بالإسناد

منذ 2019-11-24

نفهم من سرد هذه الأسانيد كيف كان العلماء يهتمون بالإسناد، ولا يقبلون من المتحدث حديثاً إلا إذا أسنده، ويا ليتنا نراعي مثل هذا؛ إذاً لسكت من لا يعلم!

نفهم من سرد هذه الأسانيد كيف كان العلماء يهتمون بالإسناد، ولا يقبلون من المتحدث حديثاً إلا إذا أسنده، ويا ليتنا نراعي مثل هذا؛ إذاً لسكت من لا يعلم! كثير من الناس يتكلمون جزافاً، ولأنهم تعودوا أن الجماهير لا يسألونهم، فإنهم يتكلمون، حتى إن بعض الخطباء أو المحاضرين يأتي فيتكلم بأي كلام، بدون تحضير للدرس ولا إعداد، وهذا خطأ، بل ينبغي للمحاضر أن يحترم عقول الجالسين، وأن يتعب في تحضير الدروس والخطب، وينبغي عليه أن يعتقد أن في الجالسين من هو أفهم منه، وليس معنى أنه تصدر وجلس على كرسي الوعظ، أو كرسي التدريس، ليس معنى ذلك أفضل من كل الجالسين.
إن هذا الفعل فيه غبن لحق الآخرين، وغمط لحق نفسه، فلا ينبغي له أن يجهل قدر نفسه.


فلو أن كل متكلم يعلم أن الجماهير لا تقبل منه الكلام على علاته؛ إذاً لبحث في أسانيده، كما كان السلف الأوائل، فقد سمع محمد بن مسلم بن شهاب الزهري رحمه الله إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة سمعه يحدث بأحاديث ليس لها أسانيد، فقال: ما هذا يا ابن أبي فروة! تحدثنا بأحاديث لا خطم لها ولا أزمة؟!

فالإسناد بالنسبة للكلام مثل الخطام بالنسبة للبعير، ولأجل هذا -لأن الإسناد كان له وقع في النفوس- كان كثير من الناس يستخدم الإسناد حتى ولو كان مخترعاً، لكنه كان يعلم أن الإسناد له قيمة في نفس محدثه.


روى الخطيب البغدادي رحمه الله في كتاب: التطفيل -وهو كتاب عن أخبار المتطفلين- حكاية لطيفة عن أبي عمر نصر بن علي الجهضمي -وهو أحد أئمة الحديث واللغة- قال أبو عمر: كان لي جار طفيلي من أحسن الناس منظراً، وأجملهم ملبساً، وأعجبهم منطقاً، وما من وليمة أُدعى إليها إلا ويتبعني، فيكرمه الناس لأجلي، يظنون أنه معي -فغاظ هذا الأمر نصر بن علي - قال: فقلت في نفسي يوماً: لو دعاني جعفر بن القاسم -أمير البصرة - وتبعني هذا لأفضحنه اليوم، قال: فما هو إلا أن طرق الباب، ففتحت الباب فإذا برسول جعفر بن القاسم يقول: أجب الأمير.
وكان عنده ختان لابنه.
قال: فما هو إلا أن لبست ثيابي وخرجت فإذا بالرجل واقف على الباب، قال: فتبعني ودخل، فلما جلسنا على المائدة قلت: حدثنا درست بن زياد، حدثنا أبان بن طارق، عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من دخل بيت غيره من غير دعوة دخل مغيراً وخرج سارقاً» ، ففهم الطفيلي أن الكلام عليه، فقال له: أنفت لك يا أبا عمر، فما من واحد من هؤلاء الجلوس إلا يظن أنك تعنيه دون صاحبه، ثم تتحدث بمثل هذا على مائدة سيد من أطعم الطعام، ثم إنك تحدث عن درست وهو ضعيف، عن أبان بن طارق وهو متروك الحديث، ونسيت ما حدثناه أبو عاصم النبيل انظر إلى الطفيلي هذا! أبو عاصم -الذي هو الضحاك بن مخلد الشيباني - من أوثق الناس، وهو من كبار شيوخ البخاري.
يقول: ونسيت ما حدثناه أبو عاصم النبيل، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: («طعام الواحد كافي الاثنين، وطعام الاثنين كافي الأربعة، وطعام الأربعة كافي الثمانية»، وهذا متن صحيح وسند صحيح؟!!

قال نصر: فأفحمني، ولم أجد له جواباً، وخرجنا من المائدة، فقال لي: ومن ظن ممن يلاقي الحروب بأن لا يصاب فقد ظن عجزا أي: إذا كنت تريد أن تدخل في حرب، وتريد أن تخرج وأنت سليم منها، فقد ظننت عجزاً، قال: وفارقني ولزم جانب الطريق الآخر.
فانظر إلى هذا الطفيلي صار ناقداً! يقول: درست ضعيف، وأبان متروك، وبعد ذلك يروي حديثاً بإسناد نظيف، ومتن صحيح.

أبو إسحاق الحويني

أحد الدعاة المتميزين ومن علماء الحديث وقد طلب العلم على الشيخ الألباني رحمه الله

المقال السابق
(32) اختبار يحيى بن معين لشيخه أبي نعيم
المقال التالي
(41) بالإسناد نعرف الذين يكذبون في الحديث