لا تيأسوا ...ادعوه فهو قريب مجيب

منذ 2020-03-25

إذا قصدنا باب كريم من أهل الدنيا فلن يردنا ، فما بالنا ونحن طرق باب الله الكريم الودود اللطيف الذي لا يرد السائلين، فادعوا ولا تيأسوا.

أيها المكلوم ذا القلب الحزين والعيون الذابلة، أشعر بك وبما يجول في خاطرك، يذوب فؤادي  لألمك؛ ولذلك جئت أربت على فؤادك وأبث الطمأنينة في قلبك.

فلعلك دعوت وبكيت ورفعت أكف الضراعة مبتهلا ذليلا خاضعا ترجو الله وتطلب العون والفرج، لم تترك وقتا للإجابة إلا ودعوت؛ ينام الناس ولكنك تنتظر ثلث الليل الأخير لتصلي وتتوسل ضارعا أن يفك الله كربك ويكفيك ما أهمك، ولا تترك آخر ساعة في يوم الجمعة فلعل فيها الإجابة والفرج، ولعل اليوم يوم الإجابة والبشرى.

وإذا بالفرج يتأخر، والبلاء يزيد ويشتد، وتضيق الأرض بما رحبت، ولا يترك الشيطان الفرصة فيبدأ في نفخ وساوسه في لحظة ضعف، فيصيب قلبك الوهن، ويدب اليأس في أوصالك.

ولكن رحمة الله لا تتركك وحيدا تصارع الشيطان، فيضع في طريقك ما يثبت به فؤادك ؛ تفتح صفحاتك على وسائل التواصل فتجد رسالة فيها من رحمة الله ما يبعث الأمل في قلبك.

أذكر ذلك اليوم حينما كنت أنتظر فرجا قريبا، وكلما فتحت وسيلة من تلك الوسائل وجدت رسالة وكأن صاحبتها تعرف ما يجول في خاطري ويؤلم فؤادي،  فعرفت أن الله لن يضيعني، لا أنسى يومها قصة عاملة المسجد في أحد الأسواق التي كانت ترتدي ثيابا متواضعة منسوجة بخيوط الفقر والعوز، وتلبس حذاء ممزقا،  فإذا بفتانين ترين حالها وتهمس إحداهن في أذن الأخرى: " لقد اشترينا اليوم الكثير ،فلما لا تدفع كل منا مبلغا لنشتري لها فستانا وحذاءا"، وتذهبان ثم تعودان للمسجد، فإذا هي في سجود طويل تدعو وتبتهل، وعندما انتهت أعطياها ما أحضرتاه فإذا هي تبكي وتقول أن خطبتها غدا وليس عندها ما ترتديه، وكانت تدعو الله الآن في سجودها أن يدبر أمرها. 

وأنا بكيت أكثر لأني شعرت بقرب ربنا سبحانه وتعالى منا، فهو القربب المجيب الرحيم .
كيف نيأس أو نشعر أن هناك مستحيل أمام قدرة الله ولطفه ورحمته؟ 
وحسبك لذة الدعاء ، لذة اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى؛ هل شعرت وأنت تدعو بمعنى " اللهم أنت غياثي فبك أغوث، وأنت عياذي فبك أعوذ، وأنت ملاذي فبك ألوذ" ؟
أعرفت طعم " إلهي ورجائي وخالقي ورازقي وربي ومعيني أنت القوي ونحن الضعفاء إليك، أنت العزيز ونحن الأذلاء إليك، عبادك سوانا كثير وليس لنا في الوجود رب سواك فندعوه ولا إله غيرك فنرجوه "؟
وهل تذوقت حلاوة التوكل على الله؟ " اللهم إني توكلت عليك، وفوضت إليك جميع أمري، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك ياكريم"
وهل أيقنت أنك تأوي إلى ركن شديد؟ لما نزلت : {لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد }، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «رحم الله لوطا ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد» ! رواه البخاري، وياسعد من كان الله له ناصرا ومعينا !

اشتكي لربك وافتح قلبك وادعوه بأسمائه الحسنى  بإخلاص فليس لنا سواه. 
ولكن عش مع أسماء الله الحسنى وأنت تدعوه؛ يا سميع أنت تسمع دعائي، ويا بصير أنت ترى حالي، ويا منتقم ياجبار يا عدل انصرني على من ظلمني، ويا رحمن يا رحيم ارحمني، ويا كريم يا رزاق ارزقني، ويا قدير يا معين أعني، ويا تواب يا غفور تب علي واغفر لي.
وهكذا
ادعو الله ولا تيأس ولا تستبطئ الإجابة، ولكن احذر فقد يكون سبب تأخر الدعاء أننا ندعو دون يقين - مجرد دعاء باللسان- وقد يكون سبب تأخير إجابة الدعاء أن الله سبحانه وتعالى بعلمه الواسع يعلم أن ما نرجوه ونتمناه هو عين الشر ؛ يقول الله تعالى : {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شرا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}، وقد يكون الدعاء استجيب بالفعل لكن الوقت غير مناسب الآن، ولو انتظرنا قليلا سيكون الفرج والفرح أكبر وأعظم.

ثم إن إجابة الدعاء لها ثلاثة طرق؛ إما إجابة الدعاء بتحقيق ما طلبته، أو يُدفع عنك بدعائك شر أكبر، أو تدخر إجابتها لك ليوم القيامة ونحن في أشد احتياجنا لدعوة.

نقرأ سورة الكهف كل جمعة، لكن هل تدبرنا قصة موسى والخضر ؟
لقد كان خرق السفينة مصيبة كبيرة لأصحابها، لكن في الحقيقة كان وراءه خير، وهم بأنفسهم أدركوا أن خرقها خير.
قتل الغلام كان مصيبة كبيرة لوالديه، رغم أنه كان خيرا لهم وللصبي، لكن الأب والأم لم يدركوا  الحكمة من وراء قتله، وعاشوا حزانى على موت ابنهم.
أما الجدار فالأبناء لم يعرفوا أن لهم كنز مدفون، ولا أن الله سبحانه وتعالى سخر لهم من يبني الجدار ليحفظ لهم مالهم.

إن القصة تربت على قلوبنا وتقول لنا اطمئنوا، فإن الله يدبر لكم أموركم سواء عرفتوا الحكمة أو لم تعرفوها، أو لم تعرفوا بما يحصل في الخفاء أصلا.

كل المطلوب أن تفوضوا أمركم له، وكونوا على يقين وثقه أنه يدبر لكم أمركم أفضل مما في بالكم.
ولا تيأسوا ...ادعوه فهو قريب مجيب.
من اليوم حياتنا ستتغير ونظرتنا للأمور ستختلف :
سيكون حسن الظن بالله هو شعارنا، فلن يخيب الله أبدا رجاء من أحسن الظن به؛ يقول تعالى في الحديث القدسي: " «أنا عند حسن ظن عبدي بي » ".

سنكون على يقين بوعد الله وأن الفرج قادم ولا يغلب عسر يسرين؛ يقول تعالى : " {فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا } ".

سنتوكل على الله ونفوض أمرنا لمن بيده ملكوت كل شيء ومدبر الأمر وننام مطمئنين؛ يقول تعالى : " {ومن يتوكل على الله فهو حسبه } ".

سنركز على ثواب الصبر حتى يأتي معاد الفرج وما أحلى فرحة الثواب؛ يقول تعالى :  {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} .

سنكون على يقين بوعد الله في كل آيه وحديث، نقول دعاء الكرب أو أي ذكر أو دعاء قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، ونحن على يقين أن الوعد سيتحقق مهما كنا نظن أنه صعب أو مستحيل. 

سيكون شعارنا من وجد الله فماذا فقد ومن فقد الله فماذا وجد، فلذة القرب من الله تكفي لجعل حياتنا كلها فرح وسرور.

كيف نحزن أو نيأس من تحقيق طلب ونحن معنا سلاح لا يقف في طريقه شيء وهو الدعاء، يقول تعالى : " {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء} ". 

إذا قصدنا باب كريم من أهل الدنيا فلن يردنا ، فما بالنا ونحن طرق باب الله الكريم الودود اللطيف الذي لا يرد السائلين، فادعوا ولا تيأسوا.

هبة حلمي الجابري

خريجة معهد إعداد الدعاة التابع لوزارة الأوقاف بجمهورية مصر العربية