اللهم اغفر للمحلقين

منذ 2020-07-16

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: «وَلِلْمُقَصِّرِينَ»

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: «وَلِلْمُقَصِّرِينَ»، وورد نحوه عند مسلم من حديث أم الحصين.

وفي الصحيحين أيضًا بنحوه عن ابن عمر بلفظ (ارحم) بدل (اغفر)، وفي رواية: (حَلَقَ رَسُولُ اللهِ وَحَلَقَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ).

 

تخريج الحديثين:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه مسلم حديث (1302)، وأخرجه البخاري في "كتاب الحج"، "باب الحلق والتقصير عند الإحلال"، حديث (1728)، وأخرجه ابن ماجه في "كتاب المناسك"، "باب الحلق"، حديث (3043).

 

أما حديث ابن عمر رضي الله عنهما، فأخرجه مسلم حديث (1301)، وأخرجه البخاري في "كتاب الحج"، "باب الحلق والتقصير عند الإحلال"، حديث (1727)، وأخرجه أبو داود في "كتاب المناسك"، "باب الحلق والتقصير"، حديث (1979).

 

شرح ألفاظ الحديثين:

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ»: كان هذا القول منه صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية وفي حجة الوداع.

 

(اغْفِرْ): معناها تجاوز عن ذنوبهم، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما (ارحم)؛ أي: أنزل رحمتك.

 

(لِلْمُحَلِّقِينَ)؛ أي الحالقين رؤوسهم في حج أو عمرة تعبدًا لله تعالى، والحلق: هو إزالة شعر الرأس كله بالموسى ونحوه.

 

(وَلِلْمُقَصِّرِينَ): قولهم (وَلِلْمُقَصِّرِينَ) معطوف على (لِلْمُحَلِّقِينَ)، ويسمى العطف التلقيني؛ كقوله تعالى: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ [البقرة: 124]، والتقصير: قص أطراف الشعر من جميع نواحيه، وإبقاء شيء مع أصوله.

 

من فوائد الحديثين:

الفائدة الأولى: الحديثان يدلان على أن الحلق والتقصير من مناسك الحج والعمرة، وأنها قربة لله تعالى، بدليل حصول الثواب بالرحمة والمغفرة لمن فعل ذلك.

 

الفائدة الثانية: الحديثان يدلان على أن الحلق أفضل من التقصير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كرر الدعاء للمحلقين دون المقصرين، ولأن الله تعالى قدَّم المحلقين في الذكر، فقال تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ}  [الفتح: 27]. وتأمل كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم يُراجَع أكثر من مرة من أصحابه لأجل أن يدعو للمقصرين، فإذا هو يدعو للمحلقين مرة أخرى.

 

ويستثنى من ذلك المتمتع الذي قدم مكة متأخرًا، بحيث لا ينبت شعره فيما لو حلق، فإن الأفضل له التقصير، بدليل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الذين تمتعوا في حجة الوداع أن يقصروا كما في حديث عائشة رضي الله عنها، وحديث جابر، وحديث أبي موسى رضي الله عنهم، وتقدمت أحاديثهم.

 

ولا بد أن يُعلم أن التقصير لا بد أن يكون لجميع الرأس لا جهة من دون جهة، هذا هو الصحيح في المسألة، وذلك لأن التقصير بدل الحلق، (والبدل له حكم المبدل منه)، فكما أن حلق جزء أو ترك جزء لا يسمى محلقًا، فكذلك التقصير، ولا يعني هذا أنه لا بد أن يقصر من كل شعرة بعينها، وإنما المقصود التعميم لجميع الرأس.

 

قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله: "يحلق جميع الشعر وذلك بالموسى وليس بالماكينة، حتى ولو كانت على أدنى درجة، فإن ذلك لا يعتبر حلقًا، فالحلق لا بد أن يكون بالموسى، والحكمة من حلق الرأس أنه ذلٌّ لله عز وجل"؛ [انظر الممتع (7/ 328)].

وأما المرأة فليس عليها حلق بالإجماع، وإنما هو التقصير فقط؛ [انظر الإجماع في كتاب الإجماع لابن المنذر ص (166)].

 

فإن قيل كيف تقصِّر شعرها؟

قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله: "المرأة تمسك ضفائر رأسها إن كان لها ضفائر، وتقص قدر أنملة، ومقدار ذلك اثنان سنتميتر تقريبًا، وأما ما اشتهر عند النساء أن الأنملة أن تطوى المرأة طرف شعرها على إصبعها، فمتى التقى الطرفان فذاك الواجب فغير صحيح"؛ [انظر الممتع (7/ 329)].

 

والحاصل أنه ليس في المسألة تقدير شرعي، فالمرأة تقصِّر من كل قرن قدر أنملة أو أقل، وأيضًا لا يجب عليها التقصير من كل شعرة بعينها.

عبد الله بن حمود الفريح

حاصل على درجة الدكتوراه من قسم الدعوة والثقافة الإسلامية في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، عام 1437هـ.