ذوق الصلاة في كلام العلماء الربانيين (3)

منذ 2020-10-12

ثم شرع له أن يكبر ويخر ساجدا، ويعطي في سجوده كل عضو من أعضائه حظه من العبودية، مسبحا له بعلوه في أعظم سفوله، لذلك يكون أقرب ما يكون من ربه

{بسم الله الرحمن الرحيم }

{ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}} .. إذا قالها انتظر جواب ربه: (هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل)

والقرآن يدور حول هاتين الكلمتين، بل يدور عليهما الخلق والأمر والثواب والعقاب في الدنيا والآخرة.

{ {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} } .. فيها إظهار ضرورته وفاقته ومضمونها: معرفة الحق، وقصده وإرادته، العمل به، الثبات عليه، الدعوة إليه، والصبر على المدعو

وهذه الأمور بكمالها يستكمل العبد الهداية.

{ {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} }

فبين سبحانه وتعالى أن سبيل أهل هذه الهداية مغاير لسبيل أهل الغضب وأهل الضلال، فانقسم الخلق إذا إلى ثلاثة أقسام بالنسبة إلى هذه الهداية:

1/ منعم عليهم بحصولها، واستمرار حظه من النعم بحسب حظه من تفاصيلها

2/ ضال لم يعط هذه الهداية ولم يوفق إليها

3/ مغضوب عليه، عرفها ولم يوفق للعمل بموجبها  

مشروعية التأمين

ثم شرع للمصلي التأمين عند هذا الدعاء تفاؤلا بإجابته وحصوله، ولهذا اشتد حسد اليهود للمسلمين عليه حين سمعوهم يجهرون به في صلاتهم

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ -رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا- فَحَدَّثَتْنِى قَالَتْ: بَيْنَمَا أَنَا قَاعِدَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- جَاءَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ فَاسْتَأْذَنَ أَحَدُهُمْ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «(تَدْرِينَ عَلَى مَا حَسَدُونَا). قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (فَإِنَّهُمُ حَسَدُونَا عَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي هُدِينَا لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي هُدِينَا لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الإِمَامِ آمِينَ)» .

وفي رواية: «(لم تحسدنا اليهود بشيء ما حسدونا بـثلاث: التسليم والتأمين واللهم ربنا لك الحمد)» [صحيح الجامع]

عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ يَهُودِيًّا مَرَّ بِأَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ: آمِينَ، قَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي عَلَّمَكُمْ آمِينَ، إِنَّكُمْ لَعَلَى الْحَقِّ.

الركوع

ثم شرع له رفع اليدين عند الركوع، تعظيما لأمر الله وزينة للصلاة وعبودية خاصة لليدين

ثم شرع معه التكبير الذي هو في انتقالات الصلاة من ركن إلى ركن، كالتلبية في انتقالات الحاج من مشعر إلى مشعر، فهو شعار الصلاة، ليعلم العبد أن سر الصلاة هو تعظيم الرب تعالى وتكبيره بعبادته وحده.

ثم شرع له أن يخضع للمعبود سبحانه بالركوع خضوعا لعظمته واستكانة لهيبته وتذللا لعزته، فثنى العبد له صلبه ووضع له قامته ونكس له رأسه وحنى له ظهره معظما له ناطقا بتسبيحه المقترن بتعظيمه، فاجتمع له خضوع القلب وخضوع الجوارح وخضوع القول على أم الأحوال

الاعتدال من الركوع

ثم شرع له أن يحمد ربه ويثني عليه بآلائه عند اعتداله .. ولذلك الاعتدال ذوق خاص وحال يحصل للقلب سوى ذوق الركوع وحاله، وهو ركن مقصود لذاته كركن الركوع والسجود سواء، ولهذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطيله كما يطيل الركوع والسجود ويكثر فيه من الثناء والحمد والتمجيد، وكان في قيام الليل يكثر فيه من قوله (لربي الحمد، لربي الحمد) يكررها

السجود

ثم شرع له أن يكبر ويخر ساجدا، ويعطي في سجوده كل عضو من أعضائه حظه من العبودية، مسبحا له بعلوه في أعظم سفوله، لذلك يكون أقرب ما يكون من ربه

فأشرف أفعال الصلاة السجود، وأشرف أذكارها القراءة، وأول سورة نزلت افتتحت بالقراءة وختمت بالسجود، ووضعت الركعة على ذلك، أولها قراءة وآخرها سجود

الرفع من السجود

فشرع للعبد إذا رفع رأسه من السجود أن يجثو بين يدي الله راغبا إليه أن يرحمه ويغفر له .. فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول بين السجدتين: (اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني وارزقني).

وفي رواية كان يقول بين السجدتين: (رب اغفر لي، رب اغفر لي) وجلس بقدر سجوده

فإن العبد محتاج بل مضطر إلى تحصيل مصالحه في الدنيا والآخرة، وقد تضمنها هذا الدعاء      

جمع وترتيب

د/ خالد سعد النجار

alnaggar66@hotmail.com

 

خالد سعد النجار

كاتب وباحث مصري متميز