فوائد من مصنفات العلامة ابن عثيمين عن البركة (4)

منذ 2021-05-22

قال الشيخ رحمه الله: الله تعالى إذا أنزل البركة في شيء سدَّ ما يسده غيره بأضعاف مضاعفة, وإذا نُزعت البركةُ من شيء, فما أسرع ما يزول, ولا ينتفع به الإنسان,

بركة المشاورة:

قال الشيخ رحمه الله: لما سمِع عمر رضي الله عنه بخبر الوباء استشار الصحابة - كعادته رضي الله عنه - هل يرجع أو يقدم؟ فأشار بعضهم بالرجوع، وأشار بعضهم بعدم الرجوع، ثم عزم على الرحيل، بناء على ترجيح أكثر الصحابة رضي الله عنهم، وفي أثناء ذلك جاء عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه - وكان في حاجة له - فحدَّثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه» ، فانظر كيف كانت بركة المشورة، أن وفقوا للصواب والحق.

بركة البيع على الوجه الشرعي:

قال الشيخ رحمه الله: إذا تبايع الناس على وجه شرعي، أنزل الله تعالى لهم البركة في بيعهم وشرائهم، واستقرَّ اقتصادُ الناس؛ حيث لا ظلم، ولا غرر، ولا ربا، واستقامت الأمور؛ لكن إذا تعامل الناس بمعاملات مُحرَّمة اختل نظام الاقتصاد؛ لأن الذي نظَّم هذه المعاملات هو الله عز وجل.

بركة الصدقة:

قال الشيخ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال» أي لا ينقص المالُ بالصدقة، لأن الإنسان قد يظن أن النقص هو النقص الحسيُّ، والحقيقة أن النقص هو النقص المعنوي.

مثال ذلك: رجل عنده مائة ريال تصدَّق منها بعشرة، فستصبح تسعين ريالًا، فيقال: نقصت؛ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد هذا؛ لأنه يعلم أنه لا بدَّ أن ينقص العدد؛ لكنه لم ينقص من حيث المعنى، وذلك أن الله تعالى يُنزل البركة فيما بقي من المال، ويقي المال الآفات التي قد تحدث للمال نفسه، أو لمالك المال، أرأيت لو كان عند إنسان مائة ريالٍ مثلًا، وأصيب بمرض، واحتاج المائة للمعالجة، ألا تكون قد ذهبت المئة؟! أما إذا تصدَّق من هذا المال، فإنه من أسباب وقايته؛ أي: وقاية ما يتلفه، سواء كان في مرض الإنسان، أو في مرض أهله، أو في ضياع المال، أو في سرقته، أو ما أشبه ذلك.

بركة النكاح:

عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعظم النكاح بركةً أيْسَرُه مُؤنةً»؛ [أخرجه أحمد] قال الشيخ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: ((أيسرُه مؤنة)) هذا يشمل المهر والنفقات الأخرى التابعة له، فكلما كانت مُؤنة النكاح أيسرَ، كانت بركته أعظم، والعكس بالعكس، فكلما كانت مؤنته أكثر، صارت بركته أقلَّ.

لا بركة في الربا:

قال الشيخ رحمه الله: الربا من أكبر الكبائر، لم يرد في أي ذنب دون الشرك مثل ما ورد في الربا من الوعيد؛ وذلك لأن النفوس تدعو إليه، حيث إنه يكثر المال حسًّا؛ ولكنه ينقص به معنى وبركةً, وقال رحمه الله: من أنفقه لم يبارك له فيه, ومن تصدق به لم يقبل منه, ومن استقبله هلك دونه.

هذه من بركتك:

قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن تقول لشخص: "هذه من بركتك" وما أشبه ذلك، إذا كان سببًا للخير، فإن من الناس من يكون مُباركًا، ويحصل على يديه من الخير والبركات ما لا يحصل لغيره، ومن الناس ما لا يكون كذلك، فإذا قلت لإنسان مثلًا: "هذه من بركاتك، أنك حضرت وأحضرت فلانًا" أو "هذه من بركاتك، أنك أصلحت بين القوم"، أو ما أشبه هذا، فإن هذا لا بأس به، أما إذا كان من بركات الميت، ولم يكن هذا الشيء وقع في زمنه، فهذا لا يجوز، لكن لو وقع في زمنه فلا بأس، والمقصود أنك إذا قلت: "هذا من بركة فلان" وهو ميت، أنه إن كان حصل الشيءُ بعد موته فهو حرام، ولا يجوز؛ بل قد يصل إلى حدِّ الشرك الأكبر، وإن كان شيء حصل في حياته، وكان سببًا له، فهذا لا بأس به, وقال الشيخ رحمه الله: قد مرَّ علينا بحث في كون الإنسان يُتبرَّكُ به، وهل يصحُّ هذا أم لا؟ وقلنا فيما سبق: إن كان المرادُ البركة الشخصية، فهذا ليس بصحيح إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان المراد بالبركة ما يحصل منه من منافع علمية، أو مالية، فإن هذا صحيح؛ لأن بعض الناس قد يكون مجلسه مُباركًا ينفع الحاضرين، إما بالذكر، وإما بالعلم، وإما بالمال، وإما بالآداب، والأخلاق، هذه بركة لا شك.

البركة في بعض الناس:

قال الشيخ رحمه الله: قال أُسيدُ بن خضيرٍ: "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر"، والبركة هنا أن ضياع عقدها صار سببًا لتفريج كربات الناس، ونزول آية التيمُّم، وصدق رضي الله عنه، فآل أبي بكر لهم بركات، ليس على النبي صلى الله عليه وسلم فقط؛ بل وعلى الأمة أيضًا، ولو لم يكن من بركات آل أبي بكر على الأمة إلا خلافة أبي بكر لكفى بها بركة، وحصل بها خير كثير، فقتال أهل الردَّة وعزة المسلمين، وتولية الفاروق رضي الله عنه، هذه كلها حسنات أبي بكر رضي الله عنه، وأنه وضع الحقَّ في نصابه تمامًا؛ ولهذا تُعدُّ خلافة عمر رضي الله عنه من مناقب أبي بكر رضي الله عنه، فبركتهم كثيرة.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، قال: «إنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها» ، فقال العباس: «إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال: ((إلا الإذخر))» ؛ [متفق عليه].

قال رحمه الله: البركة تكون في المخلوقات ولكن الذي جعلها فيها هو الله عز وجل

قال الشيخ رحمه الله: من فوائد هذا الحديث: أن من الناس من يكون فيه بركة في تشريع الأحكام الشرعية، فمن بركات العباس رضي الله عنه، استثناء الإذخر الذي يحتاجه الناس في مكة للبيوت والقبور.

وقال: وهناك شيء آخر يجعله الله عز وجل بدون قصد من الإنسان، وبدون فعل منه، فرُبَّما يدخل رجل على أناس، وبدخوله عليهم يحصل لهم فرح وسرور وأُنس، وينسون كثيرًا من أحزانهم الماضية، وهذا واقع كثيرًا، وهو نوع من أنواع البركة.

وقال رحمه الله: من بركة الإنسان أن يكون سببًا لصالح أقاربه.

وقال رحمه الله: ومن بركة الإنسان أن يجعل اللهُ فيه خيرًا.

بركة صلاح الآباء:

قال الله عز وجل: ﴿ { وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}  ﴾ [الكهف: 82]، قال الشيخ رحمه الله: فكان من شكر الله عز وجل لهذا الأب الصالح أن يكون رؤوفًا بأبنائه، وهذا من بركة الصلاح في الآباء أن يحفظ الله الأبناء.

الإنسان يسأل الله أن يجعله مباركًا:

قال الشيخ رحمه الله: الإنسان ينبغي له دائمًا أن يسأل الله أن يجعله مُباركًا أينما كان، في قوله وفعله، حتى يكون فيه الخير في نفسه وفي فعله.

 

من جعل الله على يديه بركة فليحمد الله ويشكره على ذلك:

قال رحمه الله: الإنسان إذا رأى الله سبحانه وتعالى يجعل على يده الخير والبركة فهذه نعمة عظيمة ينبغي أن يحمد الله عليها بل يجب أن يحمد الله عليها ويشكر عليها

الله جل جلاله كثيرُ الخيرات والبركات، وبركاته لا حدَّ ولا نهاية لها:

قال الشيخ رحمه الله: الله تعالى إذا أنزل البركة في شيء سدَّ ما يسده غيره بأضعاف مضاعفة, وإذا نُزعت البركةُ من شيء, فما أسرع ما يزول, ولا ينتفع به الإنسان, وقال رحمه الله: إذا أنزل اللهُ البركة لشخص فيما أعطاه, صار القليلُ منه كثيرًا, وإذا نُزعت البركة صار الكثيرُ قليلًا, وكم من إنسان يجعل الله على يديه من الخير في أيام قليلة ما لا يجعل على يد غيره في أيام كثيرة, وكم من إنسان يكون المال عنده قليلًا لكنه مُتنعِّم في بيته, قد بارك الله في ماله, وأحيانًا تُحسُّ بأن الله بارك لك في هذا الشيء, بحيث يبقى عندك مُدَّةً طويلة.

                       كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ