علمنة العلم الشرعي مسؤولية من؟

منذ 2021-06-23

هل أخطأت التعبير في مصطلحي الجديد (علمنة العلم الشرعي) بفصل العلوم الشرعية عن مجريات حال الأمة وأحداثها الجسام؟! ويكأنَّنا نتماشى مع رسالة الغرب في التقريب بين الشعوب، ترى هل أصبحنا من دعاة العلمانية بعد أن كنا نعاديها؟!

الحمد لله ربّ العالمين، كافٍ عبدَه، حافظٌ كتابَه، ناصرٌ دينَه، والصلاة والسلام على سيّد ولد آدم، مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، فتح الله به أعيُنًا عُميًا، وقلوبًا غُلفًا، وآذانًا صمًّا، وبعد.


فقد استوقفني مقطعٌ من دروس أحدِ علمائنا الأجلاء - حفِظهم الله تعالى، تحديدًا مقطع عن فضل طلب العلم، وما بذله العلماء في طريقهم لطلب العلم من مشاقَّ، كان يحكي كيف أن أحد السلف شرِب بوله ثلاث مرات في رحلاته لطلب العلم - اضطرارًا - لأنه لم يجد الماء في السفر، وآخر سافر على قدميه ألف فرسخ، ثم ترك العدَّ بعد ذلك من كثرة المسافة، وثالث ورابع.


قلت في نفسي: هل كان السلف - كما يصرّ البعض أن يفرض هذه الصورة عنهم - حُفَّاظًا للمتون، رهبانًا بالليل، وليسوا فرسانًا بالنهار؟!! وهل متطلبات زماننا اليوم في حال الحديث عن سلفنا الصالح أن نذْكُرهم بالعبادة، ولا نذكرهم حين كانوا يحترقون ألمًا على حال أسير، أو إجابة مستغيث؟ ولمصلحةِ مَنْ نفرقُ بين دمعةِ ناسك ودمعة فارس من ضمن دموع سلفنا الصالح الزكية الطاهرة؟ بين استنشاقِهم لريح العبير ورهج السنابك؟! وأصواتِ أنين العابدين، أو هتافاتِ الأبطال؟!!


بإظهار سلفِنا الصالح كصفحة صفراء من صفحات المتون، حازوا فيها الفنون، وإخفاء صفحات تحرَّكت فيها فنونهم، لتتلون بألوان الخيول وأصوات قوارع السيوف.


ترى يا سلفَنا الصالح، يا قدوتَنا بعد قدوتنا صلى الله عليه وسلم، هل كنتم تَفصِلون العلم الشرعي وطلبه عن الدنيا وآلام المسلمين، أو حتى كنتم تفضِّلون أحدهما على الآخر؟ ترى يا طلاب العلم، هل العلم وأهله لابد أن ينعزلا عن العبء الثقيل والهم الكبير، وعن العبادة المحرقة؛ لينصرفوا إلى لذَّة طلب العلم والعبادة المحببة؛ ليصدق القول عنهم: إنَّهم متخصّصون في طلَب العلم الشرعي؟! وحتَّى متى تظلّ الكتب والأخبار التي تتحدَّث عن حال أمَّة التوحيد ومستقبلها منفصلةً عن كتب العلم الشرعي وكأنَّها ابنة غير شرعية؟! وإلى متى نرى طلاب العلم يحفظون المتون متجاهلين الحال والمآل؟


ترى هل أخطأت التعبير في مصطلحي الجديد (علمنة العلم الشرعي) بفصل العلوم الشرعية عن مجريات حال الأمة وأحداثها الجسام؟! ويكأنَّنا نتماشى مع رسالة الغرب في التقريب بين الشعوب، ترى هل أصبحنا من دعاة العلمانية بعد أن كنا نعاديها؟!


إنَّ مَنِ استهان بحال أمته هان، ومن تَجاهل جهل، ومن فرَّط انفرط عن العقد، ومَن حفظ المتون وأغلق الجفون لم يَحُزِ الفنون؛ بل بات قلبه وهو في الردى مدفون، فاللهم ارزقنا العروة الوثقى.


وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.