دلالات الهجرة النبوية

منذ 2021-08-08

لقد أشرقت علينا ذكرى حدثٍ عظيم من أحداث تاريخنا الإسلامي، ذكرى من أجلِّ الذكريات وأعظمِها أثرًا في مسيرة الأمة بل الإنسانيةِ جمعاء... ذكرى هجرةِ النبي المختار صلوات ربي وسلامه عليه من مكةَ إلى المدينة المنورة..

لقد أشرقت علينا ذكرى حدثٍ عظيم من أحداث تاريخنا الإسلامي، ذكرى من أجلِّ الذكريات وأعظمِها أثرًا في مسيرة الأمة بل الإنسانيةِ جمعاء... ذكرى هجرةِ النبي المختار صلوات ربي وسلامه عليه من مكةَ إلى المدينة المنورة، تلك الهجرة التي كانت نورا فرقانا بين الحق والباطل، وفصَلت بين الهُدى والضلال.

 

فبعد ثلاثة عشر عامًا من تبليغ رسالة ربه والدعوة إليه، لم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش، سوى الإيذاءَ الشديد، والرفض لدعوته، بل بلغ الأمر إلى محاولة قتله صلى الله عليه وسلم، وذلك حين اجتمع كبراؤهم في دار الندوة وتشاوروا في أمره، فاقترح أبو جهل رأيه فقال: نأخذ من كل قبيلة شابا جَلْدا ثم نُعطي كل واحد سيفاً صارماً، ثم يعمدوا إلى محمد فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يستطيع بنو عبد مناف أن يحاربوا تلك القبائل جميعاً، ومن ثم يرضون بالدية فنعطيهم إياها.

 

فأعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمكر أكابر قريش، قال ربنا: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]، فأذن الله له بالهجرة.

 

تروي عائشة رضي الله عنها فتقول: كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه قد تجهَّز قبل للهجرة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على رِسْلك، أي: انتظر، فإني أرجو أن يُؤذن لي»، فتأخَّر أبو بكر رضي الله عنه ليصحبه، فبينما نحن يوما في بيتنا في منتصف النهار، إذ برسول الله صلى الله عليه وسلم على الباب متقنع، فقال أبو بكر: "والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمرٌ جلل"، فدخل عليه السلام، وقال لأبي بكر: «أخرجْ من عندك» فقال: "إنما هم أهلُك بأبي أنت وأمي"، فقال: «قد أُذن لي بالخروج»، فقال أبو بكر: "الصحبة يا رسول الله"؟ قال له: «نعم..» تقول عائشة: فبكى أبي من الفرح، ثم قال: "يا رسول الله: خذ إحدى راحلتي هاتين"، فقال صلى الله عليه وسلم: «نَعم بالثّمن».

 

فلما أظلم الليل، والمشركون مجتمعون كما تواعدوا على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرصدونه متى نام فينقضوا عليه، نام علي بن أبي طالب رضي الله عنه مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليخرج صلى الله عليه وسلم من بيته وقد أعمى الله أصار القوم، فجعل ينشر على رؤوسهم التراب ويقرأ قول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [يس: 9].

 

ثم توجه صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر إلى جبل ثور، فجدَّ المشركون في طلبهما، وسعوا بكل وسيلة ليُدركوهما، وقالوا: "مَن أتى بهما فلَهُ مائة من الإبل على كل واحد"، ولكن الله يحفظ نبيه ويرعاه، حتى إن القوم لَيأتون ويقفون على باب الغار الذي كان فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه فلا يرونهما.

 

يقول أبو بكر رضي الله عنه: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: "لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا".

 

واسمعوا ما كان رد الرسول صلى الله عليه وسلم، ينطق صلى الله عليه وسلم من رحم المحنة، وهي محنة عظيمة تعجِز الكلمات عن وصفها، فيقول: «يا أبا بكر: لا تحزن، إن الله معنا، ما ظنك باثنين، الله ثالثهما»؟!". كلام يبين لنا مدى يقينه وتعلقه بربه.

 

وينقل الوحي هذه اللقطة الرائعة التي يتجلّى فيها الإيمان يقينًا وثباتًا: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40].

 

ولما سكن الطلب عنهما، وبعد ثلاث ليالٍ خرجا من الغار متَّجهَين إلى المدينة على طريق الساحل، فلحقهما سراقة بن مالك على فرس له، فالتفت أبو بكر فقال: "يا رسول الله: هذا الطلب قد لحقنا"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحزن، إن الله معنا». فدنا سراقة منهما حتى إذا كان بحيثُ يَسمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم غاصت يدا فرسه في الأرض مرتين أو ثلاثة، فينزل سراقة ويزَجَر فرسه فتنهض. يقول سراقة: "فوقَعَ في نفسي أن أمر رسول الله سيظهر، فناديته بالأمان، فوقفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فركبتُ فرسي حتى جئته وأخبرته بما يريد الناس بهم، وعرضت عليه الزاد والمتاع"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حاجة لي في ذلك ولكن اِخفِ عنا» فرجَع سراقة، وجعل لا يلقى أحدًا من الطلب إلا ردّه.

 

فسبحان الله! رجل ينطلق على فرسه طالبًا للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه ليظفرَ بهما، فلم ينطلق حتى عاد ناصرًا مُعينًا مُدافعًا، وهكذا كل من كان الله معه فلن يضره أحد وستكون العاقبة له.

 

ولما سمع أهل المدينة بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم هبُّوا للقاءه، ومعهم السلاح تعظيمًا وإجلالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإيذانًا باستعدادهم للجهاد والدفاع دونه رضي الله عنهم، فتلقوه فرحين مستبشرين.

 

يقول أبو بكر رضي الله عنه: "خرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق وعلى البيوت والغلمان والخدم يقولون: الله أكبر، جاء رسول الله، الله أكبر، جاء محمد". ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه: "شهدت يوم دخل صلى الله عليه وسلم المدينة، فلم أرى يوما أحسن منه ولا أضوأ منه، وإني لأسعى بين الغلمان اليوم وأنا يومئذٍ غلام والناس يقولون: الله أكبر، جاء محمد، جاء محمد".

 

فدخل صلى الله عليه وسلم المدينة، وكل قبيلةٍ من الأنصار تنازع الأخرى زِمام ناقته، وكلا يقول عندنا يا رسول الله في العدد والعدة والمنعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «دعوها فإنها مأمورة، وإنما أنزل حيث أنزلني الله عزَّ وجل».

فلمَّا أتت ناقته إلى مكان مسجده برَكت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا إن شاء اللهُ المنزل»، وكان هذا المنزل لغلامَيْن يتيمين، فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فساوَمَهما ليشتريَه منهما فيتّخذه مسجدًا، فقالا: بل نَهبُه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبِله منهما هبةً حتى اشتراه منهما". وقال: «أيّ بيوت أهلنا أقرب»؟، قال أبو أيوب: "أنا يا رسول الله، هذه داري وهذا بابي، قال: فانطلِق فهيئ لنا مقيلاً ".

 

معاشر الصالحين والصالحات هذا فصل مختصر من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

 

هذه الهجرة ما كانت إلا حفاظا على صرح الدين الذي شيده الأنبياء من قبل، وجاء محمد صلى الله عليه وسلم ليُتم البناء ويكتمل، ويتحقق وعد الله وهو القائل سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

 

الأمة الإسلامية تستقبل هذه الذكرى، تستقبل العام الهجريَ الجديد وجسدُها مُصَابٌ بجراحاتٍ كثيرةٍ، فلا يكاد جُرح يَبْرَأُ حتى تَنفجر جراحات أخرى، وذلك واضح ومعلوم فيما يُقرأ ويُسمع ويُشاهد، بل لم يعد مُسْتَغْرَبًا حصول قَارِعَةٍ تَنْزِلُ ببلد من المسلمين أو تَحُلُّ قريبًا من دارهم، حتى أصبحت بعض بلدان المسلمين يَصْدُقُ عليها قول الشاعر:

أَنَّى اتَّجَهْتَ إِلَى الإسْلامِ فِي بَلَدٍ   ***   تَجدْه كَالطَّيْرِ مَقْصُوصًا جَنَاحَاه 

 

فالأمة الإسلامية اليوم في أشد الحاجة إلى استيعاب مفهوم الهجرة بكل تفصيلاتها ودقيق معانيها، ومن تحقيقها وإنزالها على أرض الواقع، ولا أقصد بتحقيق الهجرة المعنى الضيق لها، وهو الانتقال من مكان إلى مكان آخر، أو من أرض إلى أرض أخرى، ولكن أقصد الهجرة بكل معانيها السامية التي هي روحها وثمرتها.

 

وإن من معانيها السامية، ومن أعظم دروسها، صناعة الأمل..

 

الأمل، هذه الكلمة التي تتوقّف عليها كلُّ حركة الإنسان في الحياة، لأن الأمل يمثِّل تطلع الإنسان للمستقبل في قضاياهُ كلِّها، في حاجاته في حركته في أهدافه في عمره في تطلّعاته كلّها، هذا الإنسان لو تجمد في دائرة اللّحظة الّتي يعيش فيها، ودائرة الظّروف الّتي تحيط به، لو لم تكن له تطلعات، طموحات، لو لم يكن له أمل في المستقبل، لاختنق عمره في لحظته، لأنّه يتصوّر أنَّ تلك اللّحظة هي عمره كلّه.

 

فالهجرة تعلِّم المؤمنين فن صناعةِ الأمل، الأملَ في موعود الله، الأمل في نصر الله، الأمل في مستقبل مشرق لـ"لا إله إلا الله"، الأمل في الفرج بعد الشدة، والعزةِ بعد الذلة، والنصر بعد الهزيمة، والقوة بعد الضعف، والوحدة بعد الشتات والتفرقة.

 

نعم، ما أحوجنا ونحن في هذا الزمن، زمن الفتن والجراحات إلى أن نتعلم فن صناعة الأمل، فمن يدري، ربما كانت هذه المصائب التي تحيط بالأمة بابا إلى خير مجهول، أولم يقل ربنا: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لكم} أولم يقل ربنا: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1].

 

وقد قيل: ورُب محنة في طيها منحة.

 

فمن ذكرى الهجرة، بل من السيرة كلها، نتعلم كيف نصنعُ الأمل، ونترقب ولادةَ النورِ وانبثاقَ الفرج من رحم الظلمة، وخروج الخير من قلب الشر. فما بعد اشتدادِ ألمِ المخاضِ إلا الولادة، وما بعد ظلمةِ الليل إلا انبثاق الفجر، {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5، 6].

 

وكما قال ابن النحوي في قصيدته المنفرجة:

اشتَدِّي أزمَةُ تَنفَرِجي   ***   قَد آذَنَ لَيلُكِ بِالبَلَجِ 

__________________________________________
الكاتب: الرهواني محمد