الشعر والشعراء

منذ 2021-08-30

قال الشيخ رحمه الله: الشعر حسنه حسن، وقبيحُة قبيح، ولا بأس أن يكون الإنسان شاعراً إذا كان ينظم المسائل المفيدة، كنظم العلوم الشرعية، وما يساندها من العلوم العربية

 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فالكلام منه: المنثور, ومنه: المنظوم, وهو الشعر, والشعر حسنه حسن, وقبيحة قبيح, كما ذكر ذلك أهل العلم, منهم العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله, الذي جمعت بعضاً من كلامه عن الشعر والشعراء, أسأل أن ينفعني والجميع به.

 نظم الشعر:

قال الشيخ رحمه الله: الشعر حسنه حسن، وقبيحُة قبيح، ولا بأس أن يكون الإنسان شاعراً إذا كان ينظم المسائل المفيدة، كنظم العلوم الشرعية، وما يساندها من العلوم العربية، وكذلك حتى علم التوحيد، فها هي " الكافية الشافية في اعتقاد الفرقة الناجية " وها هي " النونية " لابن القيم كلها نظم، وهي في التوحيد، وها هو ابن عبدالقوي رحمه الله كان له نظم طويل على قافية الدال في الفقه، يبلغ حوالي أربعة عشر ألفاً، وما زال العلماء يفعلون ذلك.

وكراهة الأخ للشِّعر استدلالا بقوله تعالى ﴿ { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ}   [الشعراء:224] فنقول: اقرأ الآيات حتى تكملها، ليتبين لك الأمر ﴿  {إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ }  [الشعراء:227] فاستثنى الله عز وجل من الشعراء الذين آمنوا وعملوا الصالحات وبين أن الشعراء المذمومين هم الذين يتَّبعهم الغاوون والذين هم في كل وادٍ يهِيمون فإذا لم يكن الإنسان على هذا الوصف فإنه لا بأس به وها هو حسان بن ثابت رضي الله عنه يُنشد الشعر في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام.

قراءة الشعر وكتابته والاستماع إليه:

قال الشيخ رحمه الله: قراءة الشِّعر وكتابته والاستماع حسب ما فيه، فإن كان فيه خير، فهو خير، وإن كان فيه شر فهو شر، وإن لم يكن فيه لا هذا، ولا هذا، فإنه من اللغو الذي ينبغي أن يُنزه الإنسان نفسه عنه، وكان عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً إذا مروا باللغو مرُّوا كراماً، فأرى ألا يُستمعُ إليه، ولا يهتم به ما دام ليس فيه نفع له، لأنه من لغو القول، وإضاعة الوقت بلا فائدة.

نصيحة لطالب العلم يقضي جل وقته في نظم الشعر والقراءة في كتبه:

سئل الشيخ: إني أحد الطلاب المتمسكين بكتاب الله، وسنة رسوله صلى اله عليه وسلم، وموفق في دراستي والحمد لله، ولكني أنظم الشعر كثيراً وأقوله في المناسبات وغير المناسبات، مما جعلني أقضي جُلَّ وقتي أقرأ كُتب الشعر وأنظمه، فما حكم هذا العمل، بارك الله فيكم؟

فأجاب الشيخ رحمه الله: إذا كنت تقول الشعر المباح، أو الشعر الذي فيه الخير للناس، وتوجيههم إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، فلا حرج عليك في ذلك، أما إذا كنت تقول شِعراً محرماً ساقطاً سافلاً، فإن هذا حرام عليك.

ومع هذا فنقول: إن الأولى بك، وأنت طالب علم أن تدع هذا العمل، وأن تُقبل على طلب العلم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة، والأئمة من بعدهم، حتى ينفعك الله بذلك، لأن ما أنت عليه الآن، إما أن تكون فيه سالماً، أو مأجوراً بأجر لا يساوي طلب العلم الشرعي المبني على كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول الصحابة والأئمة، وإما أن تكون مأزوراً إذا كان ما تقوله من الشعر شعراً ساقطاً سافلاً يدعو إلى الفجور والفحشاء.

الشعر المذموم:

قال الشيخ رحمه الله قال الله تعالى ﴿  {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ }  [ أي: في شعرهم، فيقومون به، ويروونه عنهم, فهم مذمومون سواء الشُّعراء أو الغُواة الذين يتبعونهم, فإنه لا يتبع الشعر غالباً إلا الغواة فهو باطل...

والشعر المذموم هنا هو الذي لم يؤخذ من الكتاب والسنة، فإن أُخذ من الكتاب والسنة فإنه يتبعه الراشد، مثل بعض القصائد التي نظمها أهل العلم والإيمان، فهذا لا يعتبر شعراً يتبعه الغاوون.

الشعر المنثور:

قال الشيخ رحمه الله: أما الشعر فإنه الكلام الموزون المقفى الذي يأخذ باللب، وسمي شعراً لأنه يأخذ بالشعور، ولهذا تجد أن النظم يأخذ باللب أكثر من أن يأخذ بالنثر، فربما تسمع خطبة بليغة جيدة جداً، وتجد ما يماثلها في المعاني بالنظم ولكنك ترى أن تأثير النظم أشد، وأقرب للشعور أكثر، ولهذا سمى شعراً، وبه نعرف أن ما يسمى الآن بالشعر المنثور ليس بشعر، لأنه لا يأخذ بالمشاعر، فهو ليس بشعر ولا بنثر، وإنما هو كالمنافق لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لا يطرب إليه من يطربون إلى النثر والخطب، ولا يطرب إليه من يطربون إلى الشعر والقصائد، فهو في الحقيقة ليس بشيء، ولكن لكل امرئ ما تعود، والذين أحدثوه يطربون له، ويرون أنه أشد شاعرية من شعر امرئ القيس.

قصيدة رائعة:

قال الشيخ رحمه الله عن النونية لابن القيم رحمه الله: هذه القصيدة عذبة المنطق مملوءةُ المعاني، وفيها أشياء لا تجدها في غيرها, وقال:هذه القصيدة قصيدة رائعة.

من أحسن القصائد:

قال الشيخ رحمه الله: من أحسن القصائد التي سمعتها " الميمية " لابن القيم، فإن فيها مواعظ وحِكَماً تُرقِّق قلب الإنسان.

المعلقات السبع:

وقال الشيخ رحمه الله: المعلقات السبع، هي قصائد من أجمع القصائد وأحسنها وأروعها، اختارتها قريش لتُعلق في الكعبة، ولهذا تُسمى المعلقات.

ولما ذكر ابن كثير رحمه الله، " اللامية " لأبي طالب قال: هذه اللاميةُ يحقُّ أن تكون مع المعلقات، لأنها أقوى منها، وأعظمُ، وفيها يقول أبو طالب:

لقد علموا أن ابننا لا مُكذب           لدينا ولا يُعنى بقول الأباطل  

 يعني الرسول عليه الصلاة والسلام وهذه شهادة للرسول عليه الصلاة والسلام بأنه صادق, وقال رحمه الله : قصيدة أبي طالب مهمة جداً, وقد أثنى عليها ابن كثير ثناءً عظيماً, حتى قال : ينبغي أن تكون من المعلقات السبع

بيت من الشعر مهم:

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في النونية:

إن البدار بردّ شيءٍ لم تُحط         علماً به سبب إلى الحرمان 

قال الشيخ رحمه الله: هذا بيت مهم، بيت عظيم.

بيت من الشعر لو كتب بماء الذهب لكان رخيصاً:

 قال الإمام ابن القيم رحمه الله في النونية:

هربوا من الرق الذي خُلقوا لهُ        فبلوا برقِّ النفس والشيطان

قال الشيخ رحمه الله: هذا البيت لو كُتب بماء الذهب لكان رخيصاً

بيت من الشعر عظيم:

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في النونية:

فتدبر القرآن إن رمت الهدى        فالعلم تحت تدبر القرآن 

قال الشيخ رحمه الله : هذا بيت عظيم ينبغي أن يحفظه الإنسان، ويُمرَّه على قلبه دائماً.

بيتان من الشعر عظيمان يسلي بهما الإنسان نفسه:

قال الشيخ : كان شيخ الإسلام رحمه الله يتمثل كثيراً بهذين البيتين:

طُبعت على كدرٍ وأنت تريدها    صفواً من الأقذاءِ والأكدارِ

ومُكلف    الأيام ضدَّ  طباعها     مُتطلبٌ في الماء جذوة نارِ 

وهذا بيتان عظيمان يُسلي بهما الإنسان نفسه.

بيت من الشعر حكمة:

قال الشيخ رحمه الله: هذا البيت حكمة ويقال في كل شيء، أحياناً تلوم شخصاً على مسألة ما، فيقول: والله ما دريت، فتقول:

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة        وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم 

كذب الشاعر:

قال الشيخ رحمه الله:

أنشدوا قول الشاعر يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام:

والإشتراكيون أنت إمامُهُم......

وكذب الشاعر، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم، إمام هل العدل، ودفع الظلم، وليس إمام أهل الظلم.

أبيات للشاعر زهير بن أبي سلمى:

سئل الشيخ: ما رأي فضيلتكم في هذه الأبيات: للشاعر (زهير بن أبي سلمى):

رأيتُ المنايا خبط عشواء من تُصب      تُمتهُ ومن تُخطئ يُعمَّر فيهرمِ

ومن لم يُصانع    في أُمورٍ     كثيرةٍ      يُضرَّس بأنيابٍ ويُوطأ بِمنسمِ 

فأجاب رحمه الله: هذا كلام جاهلي قديم، ولا يجوز اعتقاده.

فالبيت الأول: يقولُ: إن المنايا خبطُ عشواء، والمنايا من عند الله عز وجل، وليست خبط عشواء، بل هي عن حكمة وعلم، فلا يجوز أن يعتقده الإنسان.

والبيت الثاني معناه: أن الأمور تمشي على المدارة، ويستدلُّ بهذا البيت على أن الأمور يصانعُ ويداهنُ فيها، ولكن كان هذا في الجاهلية صحيحاً، أما في الإسلام فلا، يقول تعالى: ( { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } )[الحجر:94]

هجاء المشركين شعراً:

عن البراء بن عازب رضي الله عنه, قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة لحسان بن ثابت : ( «اهجُ المشركين فإن جبريل معك» )

قال الشيخ رحمه الله : في هذا الحديث : دليل على جواز هجاء المشركين, وأن الأشعار في هجاء المشركين محمودة, لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها, ولأن ذلك يبقي, فإن الأشعار التي قيلت في بدر وفي أُحد وفي غيرهما بقيت إلى الآن, ففي هذا : دليل على أن من الفضل أن يُهجى المشركون.

الشعر منه جائز ومنه محرم:

قال الشيخ رحمه الله: الشعر منه غير مباح, ومنه مباح, فما كان خالياً من الفتنة والدعوة إلى الفساد فهو مباح, وما تضمن فتنة كالتشبيب بامرأة معينة, أو التشبيب – والعياذ بالله – بالمردان, أو التشبيب بالخمر أو ما أشبه ذلك, والحثِّ عليه, فهذا حرام لا يجوز.

وقال رحمه الله: الشعر إذا كان فيه تشجيع على طلب الخير, أو طلب العلم, أو على الجهاد, أو أي عمل خير فهو جائز.

الشعر الحقيقي الذي يأخذ بالمشاعر:

قال الشيخ رحمه الله: للشعر مكانة في صدر الإسلام وفيما بعد, ولكن المراد بالشعر الشعر الحقيقي الذي يأخذ بالمشاعر أما الشعر غير الموزون الذي حصل من هؤلاء الأدباء المتأخرين, لما عجزوا عن الشعر الأول, قالوا: اتركوه وائتوا بشعر غير موزون شطر منه سطران, وشطر منه كلمة واحدة, وقولوا: هذا شعر!! هذا لا يأخذ بمشاعر أي أحد, حتى الإنسان يمجه إذا قرأه, ولا يحرك مشاعره أبداً والغريب أنه صار حسناً عند بعض الناس لكن صار حسناً, لأنهم لا يستطيعون أكثر منه ولا يعرفون أن يأتوا بمثل معلقات العرب أو لامية أبي طالب  

أشعار بالية ليست على وزن ولا خير فيها:

قال الشيخ رحمه الله: كان العرب عندهم مجانين عشق, لكنهم يعدون على بالأصابع, فمجنون ليلى معروف, ومجنون عبلة, وهكذا, لكن أصبح المجانينُ عندنا في عصرنا كثيرين, إلا أنهم لا يستطيعون أن يفعلوا ما فعل الأولون من الأشعار والنَّظم, إلا أشعاراً باليةً ليست على وزنٍ, ولا خير فيها.

الشعراء الأكثر منهم على عدم الاستقامة:

قال الشيخ رحمه الله: أصل الشعر جائز, وإن كان الأكثر على الشعراء عدم الاستقامة, قال الله تعالى: {والشُّعراء يتبعهم الغاوون ~ ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون ~ وأنهم يقولون ما لا يفعلون ~ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً} [الشعراء:224-227]

وقال رحمه الله: الآية قسمت الشعراء إلى قسمين, ولكن تقديم الغاويين منهم يدل على أن الأصل في الشعر هو الغواية, قال:  {والشُّعراء يتبعهم الغاوون ~ ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون} [الشعراء:224-225] أي: في كل خوض يتكلمون, وفي كل لغو يقولون, ويجازفون في المديح, ويجازفون في الهجاء, حتى إنهم ربما رفعوا الإنسان فوق الثريا أو أنزلوه إلى قعر الأرض....

وهذا شيء مشاهد أن الشاعر يهجو قوماً فيضعهم إلى أسفل سافلين, ويمدح قوماً فيرفعهم إلى الثريا, ولهذا قال:  {ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون ~ وأنهم يقولون ما لا يفعلون }  [الشعراء:225-226] سواء ما ينسبونه لأنفسهم:

أنا ابنُ جلا وطلاَّع  الثنايا       متى أضعِ العمامة تعرفوني

أو ينسبونه لغيرهم بإظهار الولاء له, فتجد الشاعر يظهر الولاء لهذا الشخص وهو يحب أن يطأه بقدميه, أو بالعكس, فهم يقولون ما لا يفعلون بأنفسهم وبغيرهم.

الغزل في الشعر:

قال الشيخ رحمه الله: الغزلُ إذا كان بامرأة معينة فهذا مذموم, لأنه يؤدي إلى تعلق الناس بها وطلبها, أين هذه المرأة التي يقول عنها الشاعر كذا وكذا ؟! أما إذا كان في وصف النساء عموماً فهذا لا بأس به, وقد صنعه الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم, وابن القيم يقول في أول النونية أنه تغزل إلى أن قال:

إن كُنتِ كاذبة الذي  حدَّثتِني       فعليكِ  إثم الـكاذبِ الفتَّان

جهم بن صفوان وشيعته الأُلى       .........................

انتقل من التغزل بمحبوبته الوهمية حتى سقط على رأس جهم, فجعل هذا التغزل مدخلاً, فإن قال قائل: إذا لم يقصد بالغزل امرأة معينة, ولكن كان فيه ما يثير الشباب فما حكمه ؟ فالجواب: إذا قيل: مباح وترتب عليه محظور أو يتضمن ضرراً صار حراماً, لأنه ما من مباح إلا تجري فيه الأحكام الخمسة.

ديوان المتنبي:

قال الشيخ رحمه الله: الشعرُ لا شكَّ أن فيه حكماً كثيرةً, وما أكثر الحكم في الشعر! ( ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل ) فهذه حكمة وهي من الشعر, ومن أكثر ما رأيت من حكمةٍ في الشعر عند أبي الطيب المتنبي في ديوانه, فله حكم عظيمة, يحسن بالطالب منكم أن يحفظها, وحفظتُ بيتاً من شيخنا عبدالرحمن بن السعدي رحمه الله من ديوان المتنبي قوله:

ووضع الندى في موضع السيف  بالعلا     مُضر كموضع السيف في موضع الندى 

فهذه حكمة, لأن الذي يعطي في موضع القتل أتى سفهاً مخالفاً للحكمة, والذي يقتل في موضع العطاء كذلك أتى سفهاً مخالفاً للحكمة, وأمثال هذا كثير جداً.

سائل يسأل الشيخ شعراً ويطلبُ منه أن يجيبه شعراً والشيخ يُجيبهُ شعراً:

قال الشيخ رحمه الله : بعض الإخوة أعطانا سؤالاً أو وجَّهَ إلينا شعراً يقول :

إن قلبي قد تشرَّبَ بالعاصي  وتكبَّل

من يفكَّ القيدَ منه ويداوي ما تعطل

فأجبني يا فلانُ عن سؤالي وتفضل ؟

فأجبناه بالشِّعر وإن كنا لسنا من الشعراء, فقلنا:

أيُّها الجُدِّيُّ   أبشر             بجوابٍ لا  يعطـــــــــــل

من فقير ذي افتقارٍ             لغنيٍّ    ذِي تفضُــــل

إن قلباً    بالمعاصي             مُشرب وقد تكبــــل

داؤُهُ داء  عــــــــــظـيم             طبُّعه يُعـي ويثقـــــــــــــل

وشفاهُ في كتـــــــــــــابٍ             من إلهٍ قد  تنـــــــــــــزل

رِدفه هــــــــــــدى  نبيٍّ              فالتزم إن كنت تعقل

مُسـتـــــــــــــعيناً  بعظيمٍ              يقبلُ التوب ويجمـل

والجُدِّيُّ: يرادُ به السائل, فهو من أهل جُدة.

رأي الشيخ في أبيات من الشعر:

** سئل الشيخ: قول الشاعر:

قال   حمـارُ الحـكيم تُـوما         لو أنصف الدهرُ كنتُ أركبُ

لأننـي   جاهـل   بسيـط          وصاحـبي   جاهل مركـب

فهل يجوز مثل هذا القول: " لو أنصفَ الدهرُ كنتُ أركبُ ؟

فأجاب الشيخ رحمه الله: نقول: إن الله تعالى قال:  {والشُّعراء يتبعهم الغاوون ~ ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون ~ وأنهم يقولون ما لا يفعلون ~ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي مُنقلب ينقلبون }  [الشعراء:224-227] والشيء لا ينسب إلى الدهر, فكل ما يقع فإنه بإرادة الله عز وجل, والله عز وجل لا يظلم أحداً, بل إنه حكم عدل, لكن هذا قول الشاعر, وهو قول مردود.

** وسئل الشيخ: ما رأي فضيلتكم بقول الشاعر:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة        فلا بد أن يستجيب القدر

حيث جعل القدر خاضعاً لمشيئة الشعب ؟

فأجاب رحمه الله: رأيي في هذا القول أنه كفر محض, لأنه جعل إرادة الشعب فوق إرادة الله, وكذلك قوله تعالى:  {وما تشآءون إلا أن يشاء الله}  [التكوير:29] فهو تنقُّص لله تعالى وغلو بالمخلوقات, ويفوق كُفر الأولين الذين يعترفون بمشيئة الله, وأنها فوق مشيئتهم.

** وقال الشيخ رحمه الله: لا يُمكن إدراك المعاني على وجه التحديد والضبط إلا بإدراك النحو, و نحن لا نُغالي كما قال الشاعر :

إن الكـلامَ    بلا نحوٍ يُمـاثلُهُ        نبحُ الكلابِ وأصواتُ السنانيرٍ

فلا نبالغ هذه المبالغة, ولا نقول : إن البحث فيه إضاعة الوقت, ولكن نقول : خّذ منه ما يعينك على فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

** وقال الشيخ رحمه الله: قول المتنبي يمدحُ عبدالله بن يحيى البحتُري:

فكن كما شئت يا من لا شبيه لهُ      وكيف شئت فما خلق   يُدانيكا

فقوله: " يا من لا شبيه له " هذا ضلال, لأنه ليس هناك أحد ما له شبيه إلا الله.

لكن لو قال قائل – دفاعاً عن المُتنبِّي – إنه يريد: " يا من لا شبيه له من الخلق "

فنقول: وهذا أيضاً كذب, فإن هذا الرجل لا يساوي النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره من الأنبياء ولا أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علياً رضي الله عنهم.

ثم إن قوله: " لا شبيه له ": (لا) نافية للجنس, فإنها تنفي كُلَّ جنسٍ, أي: لا شبيه له من لا من الخلق ولا من المخلوق, حتى الخالق لا يصل إلى درجة هذا الرجل إذا أخذنا بعموم اللفظ! لكن حتى لو أراد: " أنه لا شبيه له من الخلق " فهو كاذب, لكن لا يصل إلى درجة الشرك...

فإن قيل: إن مراده: " لا شبيه له " أي: في زمنه! فيقال: ولا في زمنه.

ثُم إن قوله: " فما خلق " نكرة في سياق النفي فتعم.

وعلى هذا فلا يعتذر عنه, فهو من الشعراء الذين يتبعهم الغاوون, الذين هم في كُلّ وادٍ يهيمون, ونحن ليس لنا إلا الظاهر.

** قال الشيخ رحمه الله: قال الشاعر كلمة صادقةً, وليست أصدق الكلمات لكنها صادقة, قال:

وإنما الأُمم الأخلاقُ ما بقيـت        فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

فهذه كلمة صادقة, لكن ما هي أصدق شيءٍ, فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كُلُّ شيءٍ ما خلا الله باطل» 

وهذا صحيح, لكن قال بعد ذلك:

.........................           وكل نعيم لا محالة زائلُ

وهذا غلط, لأن نعيم الجنة لا يزول, أما نعيم الدنيا فيزول.

شاعر عجز عن النحو فدعا على صاحبه:

قال الشيخ رحمه الله: يقول الشاعر:

لا بارك اللهُ في النحو ولا أهلِهِ        إذ كان منسـوباً إلى  نفطويه

أحــــــــــــــرقهُ الله   بنصـفِ اسـمه         وجعل الباقي صياحاً  عليـه

والظاهرُ-والله أعلمُ- أن هذا عاجز عن النحو فدعا على صاحبه.

         كتبه/ فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ