قُتل أصحاب الأخدود

منذ 2021-09-01

فكم من فتنة حرص أصحابها على أن تنتشر بين الناس ودأبوا على ذلك مستخدمين كل أدواتهم لإبعاد الناس عن ربهم


أتدرون من هم أصحاب الأخدود ؟ هم ملوك جبابرة فى العصور السابقة حفروا شقوقاً فى الأرض للمؤمنين أحرقوا فيها أجسادهم  تمكنوا من الأجساد ولم يتمكنوا من الأرواح  فالأرواح إنما صعدت إلى بارئها تحتفى وتتباهى أنها من سكان الجنة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أخرجوهم من الدنيا ولم يخرجوا الإيمان من قلوبهم فالمؤمن جنته فى قلبه وإن حفر له شقوقاً من نار ستكون بردا وسلاما على إيمانهم  لابد للأجساد أن تفنى يوما فليكن هذا اليوم فى سبيل الله

فى مقاييس الناس إنها الهزيمة لأهل الإيمان فقد قتل الغلام وقتل كل من آمن به ولكن عند الله " { ذلك الفوز الكبير} " فقد فعلوا بشهادتهم ما لم يكونوا يستطيعون أن يفعلوه ولو عاشوا مائة عام  تقول كيف هذا ؟ ألم يخلد ذكرهم فى قرآن يتلى إلى يوم القيامة فى سورة بدأت معالمها  بإظهار عظمة وضخامة خلق الله " { والسماء ذات البروج } " والإشارة إلى اليوم الموعود يوم القيامة يوم يشهد الناس على الظالمين وما فعلوه وهذه الآيات شاهد ةعلى هذه الجريمة فى حق الفئة المؤمنة ودافع ومثبت لكل من سار على دربهم سطرت قصتهم فى دستور أمة رسول العالمين الأمة الخاتمة ونحن لم نعش فى وقتهم ولكن حفظت القصة وتأثر بها المئات على دربهم وحفظها الصغير والكبير ولما لا وهى سنة الله فى كل من آمن أنه حتما سيبتلى ولكن كلً على قدر إيمانه سطر اسمه معهم فى جنة الخلد أليس هذا نصر فالجنة هى الفوز العظيم وليس الفوز بالمسابقات الدنيوية

وفى قوله " {قتل أصحاب الأخدود} " وكأن الأية تطمن كل من أُوذى فى الله على المصير والنهاية للظالم أنه الله هو القائل قُتل وليس البشر إنه الغضب الشديد عليهم وصورت الآيات كم كان إصرار هؤلاء الطغاة على فعلتهم وتربصهم بالمؤمنين من خلال  قوله تعالى :" {إذ هم عليها قعود ( 6 ) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود}  إنه سبق الإصرار والترصد  فلم يتراجعوا لحظة ولم تؤنبهم أنفسهم أنهم ضلوا الطريق وعليهم بالعودة إلى الحق لم يحدث شىء من هذا

وفى قوله "وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله "

إن الإيمان جريمة  يعاقب عليها فى نظر الطغاة والثبات على الحق إثم عند الجبابرة هذه السورة نزلت تقص على النبى وصحابته المستضعفين فى مكة فى بداية الدعوة قصة أناس ماتوا من أجل الحق كانوا لايملكون إلا إيمانهم الذى يملأ قلوبهم وحياتهم بهجة  ليعرفوا أنهم ليسوا وحدهم فى هذه الحياة وأن المستضعفين فى الأرض كُثر فى كل زمان ومكان فالمؤمن يوقن بالحق ويصبر موقنا أن الله سيعوضه خيرا مع أول غمسة فى الجنة إنها لحظة فارقة بين حياة وحياة ....نعم حياة وحياة وليس بين حياة وموت لا تخشوا فأنتم أولياءه الله وخاصته فلا يجمع الله على أولياءه خوفين فإذا خوفهم فى الدنيا آمنهم يوم القيامة فصبرا يا أهل البلاء لحظة وترتقى أرواحكم إلى  الجنة سلام عليكم بما قدمت من ثمن ...نعم للإيمان ثمن

من أراد السير فى طريق الحق لابد أن يدفع الثمن وقد يكون الثمن فقد ثروتك كما حدث مع  صهيب الرومى  عندما هاجر وترك ماله من أجل الإسلام وقد يكون بفقد أهلك وعشيرتك كما حدث مع سلمان الفارسى وكما دفعه أهل الكهف باعتزالهم أهلهم فكان من الممكن أن ينجو بأنفسهم وأولادهم مقابل كلمة يقولونها ولكنهم أبوا إلا أن تكون أرواحهم ملكاً لخالقهم وليس لبشر عليهم سبيل إن أهل الحق فى تضحيتهم هذه يتمتعون كما يتمتع أهل الدنيا بدنياهم  إن معنى الحياة مختلف عند هؤلاء يريدون أن يعيشوا معنى الحرية الحقيقى  إنه أستعلاء العقيدة على مادة الطين التى خلقوا منها

وفى قوله" {والله على كل شىء شهيد } "نوع من الطمأنة لقلوبهم حتى لا تجزع فإن الله يرى ويعلم ما أنتم فيه وكفى بالله شهيدا  

وقوله  {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق}  قد يتساءل البعض لماذا تركهم الله يفتنون الناس ليدفعوا ثمن إيمانهم  إلا هو  الثبات حتى النهاية  أم حسبوا أنها كلمة تقال باللسان آمنا برب العالمين أليس لها ثمن ؟! إن دعوات الحق لا تترسخ إلا بالابتلاء ولا تتقوى إلا بالشدة وقد وعى أعداء الإسلام ان الفتنة بالنار والتعذيب لن تجدى مع من امتلأ قلبه بالإيمان فلن تزعزع عقيدته فلجأوا لأنواع أخرى من الفتن ما بين فتن أخلاقية تؤجج الشهوات وتثير الغرائز وإبراز أصحاب هذه الفتن على أنهم أصحاب فضل على المجتمع   وإعطائهم الجوائز ليسعى كل فرد الآن على اكتساب الشهرة والمال

فكم من فتنة حرص أصحابها على أن تنتشر بين الناس ودأبوا على ذلك مستخدمين كل أدواتهم لإبعاد الناس عن ربهم من أفكار إلحادية ونظريات فلسفية  وإلغاء مادة الدين من المدارس هى أشد فتنة من فتنة الإحراق وأن الحريق ينتظر هؤلاء مشعلى الفتن يوم القيامة وشتان بين نار الدنيا ونار الآخرة

فقد أفسد الطغاة على المؤمنين دنياهم وأفسدوا هم علي الطغاة آخرتهم فكم تساوى نار الدنيا فى نار الآخرة نار الدنيا ساعة أما نار الآخرة فخلود بلا موت عاشوا لحظة من حياتهم فى نار الدنيا وقد يجعلها الله بردا وسلما عليكم وعاش من حفر لهم الحفرة فى نار إلى أن يشاء الله وكل ذلك يهون فى نظر المؤمن فنظرة واحدة فى الجنة تنسى شقاء العمر كله وجهاده

وفى  قوله " {إن بطش ربك لشديد} " فمهما أوتى البشر من قوة وقدرة على الإهلاك فهذا لا يساوى شيئا أمام قدرة الله وبطشه ولنتأمل كيف أهلك الأمم السابقة بجنود لم تروها من ريح وصيحة ورجفة كلها أشياء تدل على الأمر هين على الله وأنهم لا يعجزونه وفى النهاية كم من أخاديد حفرت لأهل الإيمان  فى كل زمان ومكان وإن أخاديد اليوم تختلف عن أخاديد القرون الأولى فهى  مستعرة بالشهوات والفتن والانسلاخ من الدين وطمس الهوية  فيهلك من يهلك  وينجو من يثبته الله بالقول الثابت والعمل الصالح ولا يدرى ذلك الكثير فأصحاب الأخاديد لا يملوا ولا يكلوا عن محاربة الحق فاعتبروا يا أولى الألباب